القلم النقدي

 

بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان

محمد سعيد الريحاني



بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، 2006:
البيان الثالث
تاريخ التلاعب بنتائج الامتحانات المهنية في المغرب

 

تمهيد: 
في قواميس الكوكب الارضي ، تعني "المباراة" التباري الشريف بوسائل شريفة. ولكن "المباراة" في بعض المناطق من هدا العالم تعني "فرصة للصيد في المياه العكرة". ولسوء حظ المغرب أنه، بعد سنة 1998،  سنة "التناوب"، بدأ يقترب من هده الدائرة.

I- الترقية في التشريع الإداري المغربي:
 يوضح التشريع المغربي الخاص بالإدارة والتسيير التربوي أشكال تدبيره لترقي الموظفين فيميز بين ثلاثة أشكال من الترقيات:
 
أ-  الترقية بالأقدمية : و تخص الموظفين الذين قضوا عشرسنوات (10) في السلم مع 15 سنة في الوظيفة.
ب-  الترقية بالشواهد : وتخص الموظفين الذين تابعوا  أو لا زالوا يتابعون دراستهم الجامعية ويعمقون معارفهم بتخصصات قد تفيد في إغناء القطاع الذي ينتمون اليه، قطاع التربية والتكوين.
ج- الترقية بالإمتحان المهني :و تخص الموظفين الذين استوفوا ست سنوات من العمل في السلم و يتطلعون إلى اختصار المسافة لولوج السلم 11عبر القراءة المتجددة و مواكبة المستجدات في عالم التربية و طرق التدريس...

وعلى ضوء الشكل الثالث من الترقيات في التشريع الإداري المغربي، اعلنت وزراة التربية الوطنية عن إجراء أول  مباراة مهنية لولوج الدرجة الاولى (السلم11) الخاص باساتذة التعليم الابتدائي في تاريخ مغرب الاستقلال سنة 2003.  واذا كان ولوج السلم 11 مطلبا طالما تطلعت اليه الشغيلة التعليمية مند سنين نظرا لنضجها (شواهد جامعية، اقدمية 10 سنوات في السلم ...)

I I-بيان أكتوبر 2004 حول نتائج أول مباراة مهنية في تاريخ المغرب لولوج السلم 11 لأساتدة التعليم الابتدائي:
جاءت نتائج هذا الامتحان المهني الأول من نوعه في تاريخ المغرب افراغا لمضمون المطلب من محتواه واجهاضا لتطلعات الأطر التعليمية المؤمنة بأن كل ترقية لا يمكن أن تمر إلا عبر بوابة الكفاءة وتساوي الفرص والتنافس الحر الشريف في المبارة ...

تبعا للتصنيف القانوني لأشكال الترقيات, يصعب على من عاين سيرالإمتحان المهني لولوج الدرجة الأولى (السلم 11) من إطار أساتذة التعليم الابتدائي التي أجريت لأول مرة في تاريخ المغرب يوم 18دجنبر 2003 و تأخرت نتائجها كذلك لأطول مدة في تاريخ المغرب: عشرة أشهر (10) تخللتها تارة إشاعات بحل المباراة, و تارة أخرى بعدم وصول المتبارين إلى المعدل الضروري للنجاح ... ما بين هذه الظروف- الضوضاء و ذلك التصنيف القانوني لأصناف الترقيات أعلاه, يصعب على أي متبار الاعتراف بأن"مهزلة" 18 دجنبر كانت مباراة لفئة من الموظفين تنتج أجيل الغد.

فقد كان الغش قانونا خلخل التوازن بين المتبارين و هدم مبدأ تكافئ الفرص بينهم. كما تسربت مواد الإمتحان إلى المتبارين فقد ذهب البعض إلى مراكز الإمتحان بمقالات صدرت في أعداد قديمة لجرائد مغربية يومية  شاءت الأقدار الإلهية و العناية الربانية أن تكون تلك المقالات هي موضوع الإمتحان !!! ...

إن التحليل المتأني للائحة الناجحين في الإمتحان المهني لولوج الدرحة الأولى (السلم11) من إطار أساتدة التعليم الابتدائي (نموذج نيابة إقليم العرائش) تفصح عن نتائج ثلاث كتل من المتبارين على طريقة كوطا (محاصصة) الانتخابات في الأيام الخوالي:

1)- الكتلة الأولى: كتلة الإداريين من مديري المدارس و المجموعات المدرسية وهي فئة من رجال التربية و التكوين تستحق كل التكريم و الترقي لقيامها بمهام شاقة في ظروف مهنية صعبة, لكن, لماذا يتم إقصاء هؤلاء المديرين من مباراة أخرى غير مباراة دجنبر لأساتدة التعليم الإبتدائي؟... لماذا لا يستفيدون من مباراة ولوج السلك العالي في التدبير الإداري للمدرسة الوطنية للإدارة حيث يتأطر المدير و يتخرج بسلم 11 من بابه الواسع؟... لماذا يتم إقحام المديرين في مباراة خاصة بمن يزاولون مهامهم بالقسم؟ أية علاقة يمكن للإداري الحفاظ عليها مع مواد " تفرض" عليه في الإمتحان المهني كمادة المنهجية مثلا و التي تغيرت و تتغير جذريا كل سنة؟... هل هي رغبة في تجاوز الإختلالات الموجودة في أغلب المدارس بين مدير بسلم أدنى من سلم أساتدة يعملون تحت رئاسته بالمؤسسة؟... و إذا كان الأمر كذلك, هل المباراة قنطرة سهلة لعبور المديرين نحو السلالم العليا؟؟...
2)- الكتلة الثانية,كثلة أساتدة التعليم الإبتدائي التوفرين على أقدمية 10 سنوات مع 15 سنة أقدمية عامة, و هم في غنى عن المباراة أصلا, لأن المباراة ستحرمهم من مكاسب هي حقوقهم في الصميم ومع ذلك سمحوا لأنفسم بدخول حلبة التباري و سمح لهم بذلك و زج بهم في لائحة الناجحين في إطار تخفيف الضغط على الترقية بالأقدمية التي تجري في الجهة الأخرى من طابور قدماء المنتظرين...
3)- الكتلة الثالثة: كتلة "النقايبية"، الانتهازيون النقابيون، الذين دشنوا مرحلة جديدة مثيرة للإنتباه. فعشية يوم الإعلان عن النتائج, لاحظ المعنيون بالشأن التربوي حركة غير عادية. فبعض النقابيين يتجولون في الشارع بلائحة الناجحين تحمل علامة (X )  عند إسم كل منخرط في نقابتهم, و المقرات النقابية تغلي بالفرح... كأن المغرب استعاد سيادته على سبتة و مليلية ؟؟؟ بينما كان الحزن و الحسرة مهيمنين على مقر و مناضلي النقابة الخامسة التي لم يظفر مناضلوها سوى على"صوتين" ناجحين.... الواقع, أن العمل النقابي بدأ يعطي أولى مؤشرات إعادة إنتاج مزالق العمل السياسي: فإذا كانت الإنتخابات مركزية بالنسبة للسياسيين فإن الإمتحانات المهنية أصبحت مركزية بالنسبة للنقابيين , و "الكوطا" مأوى للجميع: سياسيين و نقابيين... ولعله من المفيد الاشارة الى أن هناك بعض الاسماء المحسوبة على " النضال النقابي"  وردت اسماؤهم صمن ' المنعم عليهم بالنجاح" في شهرفبراير 2004، أي ثمانية أشهر قبل اعلان النتائج النهائية " لعموم المتبارين" وهذا يطرح أسئلة خطيرة على مستقبل العمل النقابي والتسيير الاداري معا...

تحديد الكتل الناجحة في الإمتحان يدفعنا لطرح السؤال الخطير التالي: "أين المباراة،إذن، داخل هذه الكوطا؟"
إن المباراة أو التباري على منصب أو  حصص من المناصب في قطاع أصبح يعرف بقطاع التربية و التكوين, يتطلب أولا التوفر على الحد الأدنى من الشروط:أولاها,الكفاءة.  فأين الكفاءة في مباراة 18 دجنبر 2003؟ ولماذا كان الغش يحتمي بمظلة تمتد على حجرات في مراكز الإمتحان الثلاث كما تشهد على ذلك بوضوح و جلاء أرقام طاولات الناجحين المتتابعة  الواحدة تلو الأخرى، بينما الحجرات التى لم تقبل الغش كسبيل للنجاح بقيت خارج حصص الكوطا...

لقد كان الغش في مباراة دجنبر وظيفيا مرتين: الأولى, لمساعدته في "خلط الأوراق"  وإقصاء الكفاءة و التباري الشريف و ردم تساوي الفرص في النجاح. أما الوظيفة الثانية فتكمن في توزيع الحصص خارج أية عراقيل و"فرض الأمر الواقع" على المندهشين من النتائج المعلنة...

و لقد كانت هناك عوامل أخرى مساعدة: كتقديم أوراق الإمتحانات "مكشوفة" للتصحيح وهو ما لا يحدث حتى في امتحانات القسم الإبتدائي؟؟...

أ- هل بلغ الوهن بالجسد النقابي الى هذا الحد الذي يجعل منه شعارا أجوفا وقناة جديدة لقيم الوصولية والانتهازية؟...
ب- هل استقطاب الجماهير للعمل النقابي استنفذ قواه فلم يبق سوى هدا الباب العامي السخيف المتمثل في "الاغراء" بالتنقيل في الحركة الانتقالية أو التنجيح في الامتحانات المهنية؟...
ج- هل نحن مقبلون على " فكر بعثي " جديد ينظم النجاح في المباريات المهنية بناء على مبدأ "هذا ديالنا وهذا ارمه للبحر"؟.....
د- هل انتقلت المطالب النقابية من الاسفل الى الاعلى: من مطلب "نقل لي هذا في الحركة الإنتقالية" الى مطلب  "نجح لي هذا في الامتحان المهني"؟...
هـ- لماذا يكافأ النقابي ؟ أليس العمل النقابي عملا تطوعيا يخدم قضايا الشغيلة ويدافع عنها؟..
و-أين النقابية مما يحدث؟...
ز-  دام تصحيح أوراق الامتحان عشرة أشهر (10) وهذا رقم قياسي يستحق عن جدارة ادراجه ضمن كتاب غينيس للأرقام القياسية. أين كانت النقابات طيلة هذه المدة ؟ أليست مدافعا عن قضايا الشغيلة التعليمية ؟ ألا يعنيها الأمر أم أنها كانت شريكا في دراسة ملفات المتبارين وفرز الناجحين على طريقة الانتخابات في الأيام الخوالي؟...
ك- لماذا يعلن عن نتائج السنة الماضية شهرا واحدا فقط قبل الامتحان المهني التالي؟ هل هو خوف من رد فعل المتبارين ؟ أم ثقة زائدة نابعة من معرفة سابقة بانعدام مطلق لردود فعل من جانبهم؟ ام ان الامر هو في صميم  الإحساس الطبيعي بالذنب ؟ !...
ل- هل مباراة  نونبر المقبل ستخصص للدفعة الثانية من الكتلات الثلاثة (إداريين ونقابيين وأقدمين) ؟ ! ...

I II- الجواب على بيان أكتوبر 2004 على لسان النتائج الوطنية للمباراة المهنية الثانية:
المنجحون في  المباراة المهنية لولوج الدرجة الاولى (السلم11) الخاص بأساتذة التعليم الابتدائي لسنة 2004 بنيابة إقليم العرائش 7 مقابل 117 في السنة السابقة.  وقد عرضت أسماء الناجحين بشكل مريب تفادى دكر أسماء النيابات التي ينتمي إليها المرشحون وأرقام الامتحانات درء لأي قراءة جديدة لنتائج الامتحان المهني الجديد، وهو ما يدل على ان بيان اكتوبر 2004 قدم قراءة باغتت الجميع ممن كان يعتقد ان "النقابات تتحكم في الرقاب" وانها الضامن للخروج الآمن من كل شطط. كما ان النتائج، بعد بيان اكتوبر 2004،  لم تتأخر سنة كاملة كما فعلت المرة الأولى. لكن الخطأ الكبير تمثل في عدم حجب أرقام تأجير الناجحين وهو ما ساعد على قراءة نقدية لنتائج ثان امتحان مهني في تاريخ المغرب للترشح للسلم 11 وبالتالي لتوقيع البيان الأكتوبري  السنوي الثاني.

V I- بيان أكتوبر 2005 حول نتائج ثاني مباراة مهنية في تاريخ المغرب لولوج السلم 11 لأساتدة التعليم الابتدائي:
لم يكن متوقعا أن بيان  أكتوبر 2004 " حول الامتحان المهني لولوج السلم 11 الخاص بأساتذة  التعليم الابتدائي : نتائج امتحانات بطعم كوطا الانتخابات" المنشور على صفحات  الجرائد المغربية الحرة المستقلة وعلى موقع "ريحانيات"،على الصفحة العربية،  سيثير  كل هده الرجة على الصعيد المحلي والاقليمي والوطني. بل لم يكن متوقعا أن النبش في الموضوع هو اقتراب من الشجرة المحرمة...

على المستوى  الاقليمي لم يكن ينقص هذا النوع من ردود الفعل سوى الخروج في تظاهرة. وأعتقد  أن الأحجام عن تلك التظاهرة أساسه خوفان: الخوف من صناعة بطل خصم، ثم الخوف من فتح باب  التظاهر مستقبلا أمام الأغلبية  المجهولة...
فقد انقسمت ردود الفعل الى أربعة أشكال :

1-"المرسبون": وهم متضامنون مع المقال  ويطالبونه بلهجة أحد وأوضح.
2-"المنجحون": وهم يعتبرون المقال  اساسه غياب  الروح الرياضة .
3-الخائفون من انعكاس آثار المقال على حظوظهم المستقبلية : وهم من استوفوا مؤخرا شرط الست سنوات في السلم 10 ويستعدون للتباري وهم خائفون من العقاب الجماعي المترتب عن البيان.
4-  القبليون الجدد: أو "النقايبية"، وهم يعادون المقال  3 مرات. أولا، لانه يعريهم من زيفهم. وثانيا، لحاجتهم لعدو خارجي يمنحهم مبرر الوجود. وثالثا،  لاستعداد بعضهم للانتخابات القادمة، 2007  فقد عمدوا لتحرير ردود ما شاء الله عليها طمعا في الارتقاء من الرتبة الخامسة الى ضواحي وكالة اللائحة في حزبهم. فقد حاولوا قراءة المقال بمنظار انتخابات 2007... كاتب البيان المضاد لبيان أكتوبر 2004 يدكر بشكل طريف بالنكتة المغربية الشائعة عن التلميذ الذي لا يجيد التعبير كتابيا إلا عن موضوع "النملة" حتى إدا ما كان موضوع مادة الاختبار هو "الفيل" ناور وراوغ لتحوير الموضوع من الحديث عن "الفيل" إلى الحديث عن "النملة". فقد كان كاتب البيان المضاد يمسك بنسخة بيان أكتوبر 2004  وعينه تبحث عن طرق الوصول إلى  "ماضي العمل النقابي في المغرب"،أي الموضوع المستهلك: موضوع "النملة"....

ولعل  ما أفزع الخائفين من هده البيانات ليس هدا   التأسيسالمحتمل     لتقليد  جديد  قوامه الخروج للرأي العام ، وليس خوف البعض الآخرمن انتشال الغنيمة من أحشائهم فهم يعرفون أن "القانون" لا مجال فيه للعب(!)، ولا هو بالخوف من إغلاق الباب في وجه طابور المنتظرين من باقي ال"نقايبية" فهم يعلمون أن من يجيد الانتظار يقطف الثمار أسرع ممن يبدل جهدا ويتمسك بالقوانين والتشريعات والأعراف والقيم... إن ما يخيف الجميع هو كون هده  البيانات  هي "وثائق للتاريخ": أسمى المحاكم وأكثرها قسوة ومصداقية.

ومن هدا المنظور، كان التحضير لمقالة بعنوان: "كيف تقرأ نتائج امتحان مهني  مشكوك في مصداقيته"، إلا أنني عدلت عن الفكرة في آخر الأمر لأنني لا أريد أن أتخصص في تحليل نتائج الإمتحانات المهنية...

كما لوحظ بجلاء، بعد الإعلان عن نتائج امتحان الحلقة الثانية من المباراة، خروج بعض الأبواق الانتهازية والأفواه الرخيصة في الترويج لمعاقبة حرية التعبير في الإقليم  بربط  نسبة النجاح المتدنية هده السنة بصدور المقال وهم لا يشعرون بالإهانة في أدوارهم ولا يعون ما يقومون به ولا يعرفون أن التباري الشريف لا علاقة له  لا بغضب الإدارة ولا فرحها لأن القانون يجب أن يكون فوق الجميع وفوق كل العواطف وأن الحصة المخصصة للجهة (7%   في البداية ثم ,57  %ثم 8%)  لا يمكن المساس بها بأي وجه: لا المكافأة ولا العقاب ولا القصاص...

وإدا ما اعتمدنا على ادعاءاتهم، فإن ما يحدث لا يفرح...

فقد كوفئ الأقدمون  في نياب إقليم العرائش في مباراة 2003 لعدم دعمهم لمقاطعة المباراة فنالوا حصص النيابات الأخرى التي قاطعتها رافعين سقف حصتهم المحدد في 7 في المئة إلى21 في المئة. لكن لكل زمن إدا ما  تم نقصان. فتداعيات المباراة استغلت للعقاب أيضا كما استغلت من قبل للمكافأة. فمن أصل 117 منجحا في المباراة الأولى ، نزل العدد إلى 7، أي أن العقاب وصل في لغة الرياضيات إلى -110 (ناقص مائة وعشرة).

إن التباري الشريف يتوقع تصحيحا نزيها وإعلانا سريعا للنتائج والتزاما بعدد المقاعد المخصصة لكل إقليم (7%). التباري الشريف لا يتوقع أبدا مكافأة أو عقابا أو قصاصا. التباري الشريف لا يتوقع "كبش فداء ". أما من يبحث عن كبش الفداء فلسوف يكون هو الكبش ذاته!!!...

ولدلك أصدر البيان الثاني قراره التاريخي بمقاطعة جميع الحلقات القادمة للامتحان المهني لاساتدة السلك الإبتدائى لولوج "السلوم احداش" مدى الحياة ... نظرا لوضوح الفلسفة التي تنهل منها المباراة إجراءاتها وهي في جميع الحالات لا تمت بأي صلة لا الي جوهر الميثاق الوطني للتربية و التكوين ولا لروح التباري الشريف ولا لاحترام كرامة رجل التعليم الذي يحضر لهده المباراة لشهور ويحج إلي مراكز الامتحان قادما من مسافات  بعيدة ويبني على نجاحه في المباراة نجاحات أخرى في الحياة...   لكل هذه الأسباب، أعلن مقاطعتي إلى الأبد لهدا النوع من المباريات التي ليس لها من التباري غير الاسم.

V - الجواب على بيان أكتوبر 2005 على لسان النتائج الوطنية للمباراة المهنية الثالثة:
المنجحون في  المباراة المهنية لولوج الدرجة الاولى (السلم11) الخاص بأساتذة التعليم الابتدائي لسنة 2005 بنيابة إقليم العرائش 128 منجحا مقابل 7 منجحين في السنة السابقة.  وقد عرضت أسماء المنجحين بشكل عادي وتمت العودة إلى التنصيص على أسماء النيابات التي ينتمي إليها المرشحون وكدا أرقام الامتحانات. كما أن النتائج لم "تتأخر أكثر من شهرين" وهو رقم قياسي في إيجابيته مقارنة مع الرقمين السابقين  لكن الغريب هو ظهور نيابة إقليم العرائش التي تصدر منها البيانات السنوية وقد ضاعفت حصتها أربع مرات في حين أعلنت أكاديميات بأكملها دون تنجيح ("لا احد ناجح") كما حدث، مثلا، للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة وادي الدهب-الكويرة. وهده الأكاديميات، على خلفية النتائج التي منحت لها  قد تبدو للمنجحين في أكاديميات أو نيابات أخرى، أنها " أكاديميات الكسالى". ترى لو كانت هده البيانات تصدر من " أكاديميات الكسالى"، كم كانت ستتضاعف نسبة التنجيح هناك؟...

VI- الأدوار الجديدة للنقابية في المغرب:
لقد كانت بيانات أكتوبر السنوية  وراء التغيير الذي تجاوز ويتجاوز آفاق وحسابات النقابات الثلاثين الحاصلين على الترخيص الرسمي بالعمل العلني في المغرب. بل إن بيانات أكتوبر السنوية   كشفت بما لا مجال للشك فيه أن العمل "النقايبي" التحريفي الجديد ليس غير آلة جديدة لتطويع الشغيلة ولا يربطها بماضيها وتاريخها سوى "الاحتفال" بفاتح ماي.

فقد بدأ يتجلى بكل وضوح الدور الجديد للنقابات. إن النقابية في المغرب، بعد سنة 1998، سنة "التناوب"، اتخذت مفهوما جديدا وغريبا كل الغرابة عن الأصول التاريخية التي قامت عليها. فأدوارها صارت تتوزع ما بين خمسة وظائف:

*التبشير بالترقيات والزيادات في الرواتب وحذف الضرائب عن الرواتب....
*التبرير: بوضع ترسانة من الأسباب المغلفة بالمعقولية والعلمية لرفع سن التقاعد من الستين إلى الخامسة والستين لعدة أسباب يتفنن فيها المناضلون "النقايبية" المتجولون في الساحات والشوارع والمقاهي في ترويجها تارة باسم "ارتفاع معدل الحياة عند المغاربة" وتارة باسم نكتة "علمية" أخرى...
*التهدئة: إشاعات سعيدة، وتفاؤل دوري (مغادرة طوعية، العمل بالمهجر، جديد في الحركة الانتقالية، نسبة نجاح إضافية في المباراة القادمة...)
*الهجوم على الرأي الآخر وتكذيب الآراء الحرة ومطاردة الأصوات الشريفة وتهديدها بالاعتداء المادي والرمزي.
*تشييئ الشغيلة: ففي محنة زلزال الحسيمة، بادرت الشغيلة التعليمية للتضامن ماديا وبشكل طوعي مع إخوانها المنكوبين في الحسيمة لكن أيام بعد هدا التضامن هرولت المركزيات النقابية الخمس لدفع عربون تقربها من السلطة المركزية بالتضحية بالشغيلة وفرض اقتطاع اضافي مباشرة من الراتب الشهري للشغيلة بما في دلك الشغيلة التعليمية في مدينة الحسيمة المنكوبة... فإدا كانت 5% من الشغيلة التعليمية منخرطة في العمل النقابي، فباسم من تتحاور هده المركزيات مع الحكومة؟ ومن خول لهده النقابات الحق بالحوار مع الحكومة باسم 95% من الأغلبية الصامتة؟ ما المغزى وراء كل هدا "التمثيل" أو هده "التمثيلية"؟

إنه لأمر غريب يستحق أكثر من وقفة: أن يصبح تصحيح الامتحانات المهنية لرجال التربية والتكوين مطلبا جماهيريا وأن تغدو محاربة الغش في قاعات المباريات المهنية لصانعي أجيال الغد... ولكن الأمر الأغرب هو التواطؤ الفاضح لمنظمات نقابية يفترض أن تكون المبادرة لفتح تحقيق في القضية فإذا بها منتجة لجان "مدججة" بعقليات العمل "المافيوي" لتهديد الجهة الموقعة لبيانات أكتوبر مؤسسة بدلك، علانية، موتها الأخلاقي وانباعثها في عالم الفعل المافيوي رفقة المنظمات الموازية من مافيات الدعارة ومافيات المخدرات ومافيات التهريب ومافيات"التهجيرالسري"....

فقد كونت لجان من داخل "المحلات" النقابية  "المحلية" لإشاعة الحرب النفسية على الجهة الموقعة لبيانات أكتوبر ولاستثمار الوضعية الاجتماعية المتدنية لأغلب رجال التربية والتكوين المغاربة المرشحين للمباريات المهنية وتوجيهها عكس مطالب البيانات بتخويفهم من البيانات الأكتوبرية ومن تشديد الحراسة في التصحيح ومن الرسوب في الامتحان المهني وضياع فرصة الترقي ومقارعة الحاجة ليخرج "بعض" رجال التربية والتكوين صانعي رجال الغد:"علاش البيانات؟ باش يمنعونا من الغش ويخسروا علينا السوايع. غش، حتى أنت وهنينا".

إن من يقدم نفسه "فرعا نقابيا" للدفاع عن حقوق الشغيلة وهو في الآن نفسه يحتقر الشغيلة التي ينتمي إليها بهدا الشكل هو بكل تأكيد يستلهم الوضع التعليمي والنقابي العام في البلاد ويعرف "المعطيات الثلاث الأخطر" في القطاع النقابي والتعليمي خلال العشرين سنة الماضية والتي تعرف بمحطاتها العشرية:

* سنة 1986: سنة بداية تدهورمستوى تلاميد وطلاب التعليم العمومي في المغرب الذي كانت شهاداته تقارن بشهادات أعتى الجامعات في العالم الغربي.
* سنة 1996: سنة بداية تدهور مستوى مدرسي التعليم الابتدائي العمومي في المغرب بعد قرار التخلي عن توظيف حملة الشواهد الجامعية (الإجازة/ليسانس) والعودة لتوظيف حملة الشهادات الثانوية (الباكالوريا) في وقت ارتفعت فيه بطالة خريجي الجامعات إلى ما يفوق المائة ألف. كما ان سنة 1996 كانت سنة بداية تدهور المؤسسة النقابية التي وقعها "رمزيا" حضور وزير الداخلية المغربي الأسبق دو السوابق المعروفة لأشغال مؤتمر أحد اكبر المنظمات النقابية في المغرب وأكثرها تأثيرا في الشأن النقابي المغربي حتى تلك السنة.

والأمل، كل الأمل، أن تكون سنة 2006 بداية "العشرية الثالثة" الخاصة بالتصحيح العام وهده البيانات هي مساهمة في هدا الاتجاه الوطني الحقيقي الصادق. إن هده البيانات هي تقليد جديد من تقاليد النقد الذاتي في الوسط التربوي والنقابي بالمغرب.

IIV- فصل المقال في ما بين "النقابي" و"النقايبي" من اتصال:
 يميز المغاربة بين المناضل الشريف والانتهازي الطفيلي. وعليه، يسمون المناضل الشريف "نقابيا" تمييزا له عن الانتهازي الطفيلي المندس او المدسوس في العمل النقابي والدي ينعتونه بنعت قدحي مختلف: "نقايبي".  ونعت "نقايبي" مشتق من الفعل المغربي الدارج "نقب"  أي "عاش على الفتات".

لقد بدأ الفصيل "النقايبي" خلال كل تاريخ الحركة العمالية في المغرب مقصيا لكنه انتهى مهيمنا بفعل تحالفات معروفة حول من خلالها كل الإرث النضالي إلى مجرد بوق وأيدي للتصفيق للمشاريع والقرارات...

كما استفاد الفصيل "النقايبي" المهيمن من ضعف الوعي النقابي لدى الشغيلة المغربية وضعف الانخراط فأضاف لكل تلك الأزمات أزمة إضافية تغنيه وتعزز موقعه: "غياب الديموقراطية الداخلية" فكان للمناضلين المخالفين له في الرأي والانتماء "الإقصاء" وكان له هو "الخلود في المكتب". وربما كان من الاجدى إضافة "عجب ثامن" إلى عجائب الدنيا السبع التي من الممكن ان تحفز السياح الأجانب على زيارة المغرب وهو احتكار"المتقاعدين" لمناصب الكتابة العامة أو الامانة العامة للمنظمات النقابية إلى الأبد...

احتكار المنصب من أجل مادا؟
الحنكة والتجربة؟
امتلاك مشروع دنا من تحقيقه؟
...؟

إدا كانت الرياضيات هي أم العلوم، وإدا كان الجميع يدين للعلوم وللتفكير العلمي، فلا بد ان  الرياضيات سبيلنا لمعرفة أمور شؤوننا بسبل علمية يرتاح لها الجميع.
 
الرياضيات في أشكالها البسيطة تثبت أن "ثلاثين نقابة مغربية" على مدى الخمسين سنة من استقلال المغرب لم  تحقق سوى مكسبين اثنين ضدا على كل أشكال المنطق الرياضي :

 30 نقابة×50 سنة = مكسبين لأساتدة التعليم الابتدائي (مكسب التحاق الزوجة بالزوج+ مكسب الارتقاء للسلم 11)...
فعلى افتراض أن هدا "التشظي التنظيمي الهائل" تحركه إرادة لتحقيق مطالب الشغيلة وحرص على الولاء لمصالح الطبقة العاملة(!)، فإنه يتوقع "بالضرورة وعلى أقل تقدير" تحقيق مطلب واحد سنويا لكل نقابة وهدا ما يجعل المعادلة الرياضية تستقيم على هدا النحو:

30 نقابة ×50 سنة = 1500 مكسبا إداريا واجتماعيا على مدى الخمسين سنة الموالية لاستقلال المغرب. وهدا العدد، لو كان قد تحقق، لكان بإمكانه ان يجعل من حياة الشغيلة في المغرب، موظفين ومستخدم وعمال، لا تقل في رخائها وازدهارها عن حياة جدنا الملك يوبا الثاني...

وما دام لا شيء مما سبق حاصل، فما المبرر إذن لكل هدا التشظي النقابي؟ وما الجدوى من كل هده البلقنة؟...

في خطاب لزعيم نقابي سنة 1996 في أوج العمل النقابي، ورد أن 5% فقط من الشغيلة التعليمية المغربية  منخرطة في العمل النقابي وهده النسبة المجهرية من المنخرطين (أو مقتني البطائق لكن حتما ليست بنسبة المناضلين) يدينون بالولاء لثلاثين مركزية نقابية (=30 مركزية نقابية). وكل مركزية نقابية من هده الثلاثين مركزية نقابية  تدين بالولاء لأربعة وأربعين حزبا سياسيا (="أم الأربعة والأربعين"). وكل حزب من هده "الأربعة والأربعين حزبا سياسيا مغربيا" يضع نصب عينيه "الدورة الاولمبية" أو "الدورة الانتخابية" ويضبط ساعته على "الموعد الكبير" الذي لا علاقة له لا "بالنقابي" ولا"بالنقايبي"... ولدلك يعرف المشهد النقابي كل خمس سنوات، وهو بالمناسبة  المقصود ب"الموعد الكبير" ، تشققات وانشقاقات وتفريخ كتاكيت نقابية جديدة في  سعي "فطري" للحضور في الموعد المحدد على مأدبة "المحاصصة".

ثلاثون نقابة (=30 نقابة) تنشق عن بعضها البعض ولا زالت تنشق إلى ما لا نهاية له، وجميعها يحمل، إما من باب السخرية او من باب الإيمان بالفعل، شعار "الوحدة النقابية"!...

وحدة من؟
ونقابية من؟...
 
الأرقام الواردة في هدا السياق تحيل على الرياضيات، والرياضيات إدا لم تكن قادرة على إفادتنا في فهم المشهد النقابي المغربي العام، فما جدوى تدريس الرياضيات من أساسها؟...

وإدا كانت الرياضيات عاجزة عن تعليل امتيازات النقايبية:

* امتياز الأسبقية في التفرغ: وهي الأسبقية التي لا تعطى لا للكتاب ولا الباحثين ولا الفنانين المنتمين لقطاع التعليم
* امتياز الأسبقية في التقاعد: التقاعد النسبي والمغادرة الطوعية...
* امتياز الأسبقية في "التنجيح" في المباريات المهنية للارتقاء للسلالم العليا...
* امتياز الأسبقية في الترقية بالأقدمية...
* امتياز الأسبقية في الانتقال والتنقل والتنقيل في الحركات الانتقالية والإدارية...

من أجل مادا كل هده الامتيازات السخية للفصيل "النقايبي"؟
ما هي الوظيفة التي يؤديها "النقايبية" مقابل كل دلك؟...

إن المتتبع لما يجري في الغرب نقابيا يقف  عند درجة المصداقية التي يتمتع بها العمل النقابي هناك و يعرف أصل الداء الدي حل بالجسد النقابي المغربي. ففي دول اسكاندينافيا، مثلا، السويد خصوصا، يتم  فرض اقتطاع جبري على كل الموظفين يصل حد 1% من الراتب الشهري يمر "مباشرة" لحساب النقابة الوحيدة للشغيلة التعليمية التي تبقى مسؤولة ديموقراطيا امام قواعدها: "نقابة العمال" وليس نقابة الحزب السياسي والموعد الانتخابي!... وفي كل دول المعمور، يتم  فرض أثمنة لكل النضالات النقابية كاقتطاع يوم عمل لكل إضراب ... وكل دلك رفعا لدعم الدولة للنقابات الدي يترتب عنه بشكل آلي شراء ذمم المناضلين والتلاعب بمصائر الشغيلة.


خاتمة:
إن ما لم يحدث في بداية استقلال المغرب بسبب خروج الحركة الوطنية المغربية خاوية الوفاض،  يحدث اليوم بعد خمسين عاما من الاستقلال مع "أحفاد الأعضاء السابقين لأحزاب الحركة الوطنية". وفي قطاع التربية والتكوين ومبارياتها المهنية خير تجل لدلك.
محمد سعيد الريحاني
باحث ومترجم مغربي
http://raihani.free.fr




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home