دراسات هامة

 

تطور علاقة الولايات المتحدة بالإسلام

ياسر قطيـشات



المقدمة العامة
الإطار العام للموضوع وأهميته :

إن المتتبع لطبيعة العلاقة القائمة بين الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا والإسلام حاليا يرى فيها صورا متعددة بين التناقض والمصالح المتشابكة حتى يخيل للمرء أنها علاقة ذات وجهين متناقضين فبينما ينظر إليها الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص أنها علاقة فيها اختلافات بين وجهات النظر المتباينة ينظر إليها آخرين من الولايات المتحدة على أنها علاقة صدام مباشر بين الإسلام والولايات المتحدة بسبب حرب الغرب والنصرانية التي تمثلها تلك الدول تجاه الإسلام , وهذا ما تمثل صراحة في نظرية ( صموئيل هنتجتون ) صدام الحضارات التي نظر إليها المسلمون على أنها تمثل الوجه الحقيقي لنظرة الولايات المتحدة للدين الإسلامي .
بينما تجد في الاتجاه الآخر أن نظرة الإسلام إلى الغرب بصوره عامه والولايات المتحدة بشكل خاص , تأخذ أيضا محورين متناقضين :
الأول : يعتبرها علاقة مصالح وتشابك في الأفكار نحو العلاقة الحوارية ويمثلها المعتدلين من أهل الإسلام عموماً .
الثاني : يعتبرها علاقة صدامية كما يروج لها المتشددين أو ما يسمون ( بالأصولية الإسلامية ) .
ورغم أن كلا الطرفين الإسلام والولايات المتحدة يشاطران البعض في رؤياهم للطرف الآخر إلا أن الاتفاق قائم على أن الاختلاف في أفكار كل من الاتجاهين يظهر إلى الحيز عند تحول العلاقة من علاقة إنسانية إلى علاقة حضارية تأخذ بالحسبان عوامل تاريخية ودينية واجتماعية وأخلاقية يعتقد كل طرف انه يملكها ولا يملكها الآخر .
ونظرة تاريخية إلى مختبر العلوم الإنسانية ( التاريخ ) تجد جليا أن العلاقات بين الطرفين ليست بالجديدة كما أنها لا تضرب بجذورها عمق التاريخ مما يعني أنها علاقة وسطية بالمفهوم التاريخي .
فإذا ما تجاوز الباحث تلك الحقبة القصيرة من حالة العداء بين ليبيا - كدولة إسلامية – والولايات المتحدة في القرن التاسع عشر عندما تحولت إلى علاقة صدامية بالمفهوم العسكري وانتصرت فيها ليبيا آنذاك لخلافات المصالح على التوسع والمجال الحيوي بالمياه الدولية , فان العلاقة بدأت فعليا مع بداية القرن العشرين عندما طرح ولسون رئيس الولايات المتحدة قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى نقاطه الأربعة عشر والتي سميت بمبادئ ولسون والتي تستند في ظاهرها إلى أرضية أخلاقية تؤمن بحرية الشعوب في تقرير مصيرها وحرية الإنسان وحقوقه.
ولم تكن أمريكا في تلك المرحلة تملك نفوذاً يذكر في العالم بل أن العالم كان مسيطراً عليه من قبل القوى الغربية المستعمرة وبالتالي فإن طرح مبادئ ولسون كان يراد منها أن تؤمّن انتشار النفوذ الأمريكي في العالم وتوسع رقعة هذا النفوذ خصوصاً وأنها لا تملك من هذا النفوذ شيئاً يذكر.
ومنطقيا أن يكون العالم الإسلامي المؤيد لتلك الأفكار التحررية ينظر إلى الولايات المتحدة كمتزعم للتيار الداعي لحرية الشعوب عامة , سيما وان الشعوب الإسلامية كانت آنذاك تحت سيطرة الحكم العثماني ولذا لم يكن هناك توجه رسمي يمثل الإسلام وكانت نظرت الولايات المتحدة إلى الدولة العثمانية على إنها دولة استعمارية , لكن سرعان ما تغيرت هذه الرؤية بعد تحول الحكم إلى جمعية الاتحاد والترقي , بيد أن هذا الموقف لا يحسب عليها لأنها كانت من منظار مصلحي بحت .
إلاّ أن توجه ولسون لنشر النفوذ الأمريكي في العالم واجه معارضة له من قبل الكونغرس في حينه وانكفأت أمريكا في تلك الفترة على ذاتها خصوصاً مع بروز الثروة والرخاء الاقتصادي وما تبعه من كساد رهيب في نهاية العشرينات كاد أن يعزلها عن العالم الخارجي حتى قبيل الحرب العالمية الثانية حيث بدأت أمريكا بزعامة روزفلت بالانفتاح والاهتمام من جديد وبشكل تدريجي على ما يدور خارج حدودها. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية وتوسعها ومهاجمة اليابان للأسطول الأميركي وجدت أمريكا نفسها غارقة في الحرب إلى الدرجة التي جعلتها طرفاً أساسيا في حسمها لصالح الحلفاء .
وفي نفس تلك الفترة ظهرت الموجة الليبرالية والقومية في بلاد المسلمين والبلاد العربية بالخصوص على ضوء أفكار ولسون والوجود البريطاني والفرنسي وثقافة ما سمي بعصر الأنوار في أوروبا وذلك بتقمص الأخلاقية الغربية باعتبار أن هذه الموجة تنظر إلى التجربة الأوروبية نظرة الاقتداء لنشوء الفكر القومي والليبرالي الحديث في مخاض الصراع الأوروبي الدموي وعلى أيدي فلاسفة أوربيين .
ومع بروز الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى على الساحة الدولية وامتلاكه لرؤية فكرية جديدة تستند إلى الماركسية فان العالم تحول بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إلى مسرح للمجابهة العقائدية والاقتصادية بين المعسكرين الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والشيوعي بزعامة الاتحاد السوفيتي وتم على ضوء اتفاق يالطا بعد الحرب الثانية توزيع العالم على محوري الصراع ولم ينجو بلد من بلدان العالم الإسلامي تقريباً من هيمنة أحد طرفي الصراع.
كان لظهور الصحوة الإسلامية في الثمانينات وقع الصدمة على قطبي الصراع الشرقي والغربي لأنهم تصوروا أنهم قد وضعوا الإسلام في القمقم وإلى الأبد وإذا بهم يواجهون مارداً تحررياً – كما تراه الولايات المتحدة - يخرج على قوانين الصراع التي وضعها القطبان للسيطرة على العالم ووجد كلا المعكسرين نفسيهما في مواجهة نهضة ثورية تدعو إلى تحرير البشرية جمعاء على أسس ومبادئ أخلاقية جديدة تلك المبادئ التي أثبتت للعالم في تاريخه الطويل أنها قادرة على القيام بعبء المسؤولية على اكمل وجه.
كما ظهرت للعلن الدعوة الإسلامية لمحاربة الغرب والولايات المتحدة التي تدعم إسرائيل بشكل مباشر وشاركتها في حروبها الثلاث مع العرب الأمر الذي دفع بالإدارة الأمريكية للتفكير الجدي في إنهاء اخطر قضية تواجهها في علاقتها مع العرب والإسلام بشكل عام .
ولأول مرة في تاريخهما المليء بالصراع وحربهما البادرة يتفاهم القطبان الشرقي بأفكاره الماركسية والغربي بأفكاره الرأسمالية لمواجهة الصحوة الإسلامية ومحاصرتها ووأدها .
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتوجه العالم بأسره نحو نظام أحادى القطبية بقيادة الولايات المتحدة وجدت أمريكا الفرصة سانحة لتطويق نشاط وقوة الجماعات الإسلامية التي تهدد مصالحها بكل بقعة بالعالم وبرز هذا جليا بخطاب الرئيس (بوش الأب ) عام 1991 عندما صرح بذلك بصريح العبارة , ثم توالت الدراسات الأمريكية من جانب أهل الفكر والعلم بالتنظير لطبيعة علاقة الإسلام بالغرب والولايات المتحدة فظهرت نظرية صدام الحضارات للمفكر ( هنتجتون) وظهرت نظرية ( أُحادية التاريخ ونهايته ) للمفكر (فوكوياما ) , كما في نفس الوقت ظهرت رؤى معاكسة لتلك الاتجاهات من جانب المفكر الأمريكي ووزير الأمن القومي الأمريكي السابق ( بريجنسكي ) يرى فيها أن القرن القادم هو قرن الإسلام وان العالم بأسره ومجمل الشعوب التي تعيش على هامش الحضارات المادية ستجد فيه النجاة الروحانية الحقة .
ومهما يكن من أمر فإن أحداث الحادي عشر من أيلول من عام 2..1 قلبت الموازين رأساً على قلب وكانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير , حيث تطورت علاقة الولايات المتحدة بالإسلام لتمسي علاقة ما بين العداء والصليبية ( كما صرح بوش الابن بذلك ) وما بين علاقة محاربة الإرهاب المتمثل ببعض الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تهدد أمن الولايات المتحدة وأمن الدول الإسلامية نفسها ليتضح أنها تريد أن تعطي الانطباع بأنها تحارب الإرهاب وليس الإسلام .
وعلى أية حال , وأمام عدم وضوح هدف الولايات المتحدة من محاربتها الإرهاب أو للإسلام وأمام غموض الأنظمة الإسلامية في فهم ما تسعى إليه الولايات المتحدة أو رغبتهم في السير قدما على محاربة ما يهدد بقائهم بالسلطة, تبقى إشكالية فهم وتحليل ووصف طبيعة ونظرت الولايات المتحدة للإسلام محور دراسة طويلة تحتاج إلى المزيد من الفحص والتدقيق .
وعليه فان هدف هذه الدراسة هو إلقاء الضوء على التطور التاريخي لعلاقة الولايات المتحدة بالإسلام في ضوء المسارات التاريخية السابقة وفي ضوء المعايير المستجدة , لمحاولة تفسير وتحليل وسبر غور تلك المعضلة في العلاقة غير الواضحة حتى الآن ضمن الإشكاليات والافتراضات التي تطرحها الدراسة .

لتحميل الدراسة كاملة
اضغط هنا




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home