القلم السياسي

 

مصر يحكمها موتى وأشباح

سيد يوسف



مصر يحكمها موتى وأشباح

 

( حين يحكم الأموات والأشباح بلدا كبيرا كمصر فإن القلق يكتنف مستقبلها فهؤلاء أموات وأشباح لا يعلمون كيف/ ومن يحكمون؟)

سيد يوسف

تمهيد

من يحكم مصر الآن 2006؟

لم أكن لأفاجأ حين علمت أن هذا التساؤل – وأشباهه-  قد شغل كثيرين وأن كلا قد حاول أن يتناول الموضوع من زاوية ما ذلك أن الإحساس بالمشكلة طال الجميع، ولك الله يا مصر.

من يحكم مصر؟

لقد استبان لكل ذى عقل أن مصر لا يحكمها من كان يحكمها مذ خمس سنوات خلت مثلا، ليس هذا فحسب بل لم يعد متواجدا على الساحة إلا فى مناسبات تتطلب ظهوره خشية القيل والقال .

ملف الداخل وكل إلى النجل، وملف الخارج وكل للمخابرات، ولا مانع من ظهور الحاكم كل حين لتبيان أنه ما زال يحكم، لكن هذه الأوضاع لا يمكن أن تستمر هكذا دون تساؤلات.

من يحكم مصر؟ أين مؤسسات الدولة؟ كيف تنزوى مؤسسات سيادية( كالجيش والمخابرات والقضاء )  لتحل محلها مؤسسات أمنية- شديدة البطش والغباء - أضاعت مصر وجمدت الحياة السياسية والاجتماعية وكانت سببا فى تفشى ظاهرة البلطجة وانتشار العنف فى قطاعات كثيرة  لم تكن موجودة هكذا من قبل ؟

قراءة فى المشهد السياسى الحالى

إن المتأمل لواقع الحال فى مصر فى السنوات الأخيرة- وتحديدا بعد بروز نجل الرئيس بقوة-  بعد انتخابات 2005 يلاحظ  ما يلى :

* غياب دور وزارة الخارجية وإحالة ذلك الدور إلى رئيس جهاز المخابرات حتى بات منصب وزير الخارجية وكأنه شاغر.

* بروز مجموعة رجال الأعمال بصورة متوحشة وانتقالهم بالزواج التقليدى من السياسة من المصانع إلى مراكز اتخاذ القرار، وعلاقات شديدة الانتماء بالمصالح الغربية ( بعضهم لهم جنسيات أخرى مع الجنسية المصرية ويتقلدون مناصب وزراية ).

* النظام الحاكم بالغ جدا فى فزاعة الإخوان المسلمين وكأنه يخلق له عدوا يطلب به مساندة الخارج وبعض الخائفين فى الداخل.

* انتقال دائرة اتخاذ القرارات الإستراتيجية والقومية من الرئاسة والجهات السيادية إلى لجنة فرعية بالحزب الوطنى تسمى لجنة السياسات ذلك أن الذى يتولى شأنها- بالتعيين لا بالكفاءة - هو نجل الرئيس مبارك، وليس أدل على ذلك من التعديلات الدستورية الأخيرة ( 34 مادة دستورية يطالها التعديل تم انتقاؤها فى مطبخ لجنة السياسات).

* شبشبة ( نحت من كلمة شباب) مراكز الإعلام والصحف المسماة بالقومية وبعض الوزراء والمحافظين وجلهم من المحسوبين على لجنة السياسات التى يتولى شئونها شاب هو نجل الرئيس مبارك.

* تسريب معلومات وبيانات من شأنها زيادة الإحباط العام من ذلك تسريب نبأ الزيارة السرية لنجل الرئيس لأمريكا والتى يرى كاتب هذه السطور أنها كانت تهدف إلى توصيل رسالة للشعب المصرى بأنه لا أمل لكم فى مقاومة التوريث شأنها شأن تصريح منسوب لرئيس الجمهورية مطالبته الرئيس بوتين بالبقاء لأكثر من فترتين فى حكم روسيا .

* بروز مجموعة من الجرائم التى توحى بأن شعار النظام الحاكم هو البلطجة من خلال سحل المعارضين، وإهانة القضاة، وتلفيق التهم للأبرياء كما فى حادثة بنى مزار وموقف النظام من الدكتور حسن الحيوان رغم تبرئة القضاء لهما، وكأنه يريد أن يقول للرأى العام – حتى-  القضاء لو أنصفكم فلن تفلتوا من قبضة الأمن أو بمعنى أدق عودة شريعة الغاب، إضافة إلى استخدام البلطجة بمعناها المباشر كما حدث يوم الاستفتاء الأسود وكما حدث  فى الانتخابات التشريعية 2005 وكما حدث فى جامعة عين شمس 2006 .

* عودة حكم البوليس السياسى تحت مسمى أمن الدولة حيث تعذيب المواطنين فى مقار صناعة الإرهاب والتى تسمى - زورا - المعتقلات والسجون، وحيث وضع العصى في أدبار بعض المعتقلين وإهانة بعضهم وتصوير ذلك ونقله للرأي العام لزيادة الإحباط، وحيث تزوير الانتخابات، وسحل المتظاهرين والقضاة، وحيث هتك عرض الصحفيات وغيرهن يوم الاستفتاء الأسود وغيره، والقائمة ها هنا طويلة ولكن أسوأها ما تناقله بعض الناس- ولا توثيق لذلك-  بوجود عسكر بلباس مدنية خلف مصفحات الأمن المركزى لزوم الطوارئ!

* تدهور حاد فى قطاعات عريضة من المجتمع وفى مؤسساته حيث مشروع تفتيت مصر يسير على قدم وساق، وحيث تدهور البنية الصحية للمواطنين بفعل السرطانات ومياه الشرب الملوثة، وحيث فساد الحياة الحزبية، وحيث الفقر وما ينتجه من بطالة وعنوسة وجريمة و تشرد، وفى هذا المجال وحده تشير تقديرات لمنظمة الصحة العالمية- وفقا لما نشره الدكتور علي السلمي - أن أطفال الشوارع في مصر يزيدون على مليون طفل مشرد يجوبون الشوارع نهاراً للسرقة أو الشحاذة، وفي الليل ينامون في الخرابات والمباني المهدمة أو على الأرصفة فيما تقدرها مصادر اجتماعية أخرى بما بين 900 ألف ومليون ونصف طفل، كما تظهر الأرقام الرسمية أن حوالي 2.7 مليون طفل يعملون في مصر أي حوالي 10 في المائة من السكان دون سن 14 عاما، وتشير دراسات اجتماعية إلى أن قسما كبيرا من هؤلاء الأطفال تسعى عائلاتهم لإخراجهم من التعليم بسبب الفقر وتشغيلهم وهم أطفال أو أنهم يهربون نتيجة خلافات عائلية.

* وبلغ الفقر والحياة الاقتصادية مبلغا يجب التوقف عنده لتحليل أسبابه وتوصيف علاجه لا سيما وأن النظرة التحليلة القريبة تؤكد أن سبب الفقر هو الفساد، واختيار الأسوأ فى المكان المهم ووفقا للغة الأرقام فإنها تشير إلى أن عدد المصريين الذين يعيشون في فقر مدقع بلغت 32 % وتصل في الريف إلي 52 % ، ووفقا لدراسات البنك الدولي فإن 7،61 % من المواطنين يعيشون عند خط الفقر القومي الأدنى (ما يعادل 1 دولار أمريكي في اليوم) و أن 42 % من المصريين يعيشون عند خط الفقر القومى الأعلى (دولاران يوميا).

هذى المفردات تقودنا إلى  عدة استنتاجات نذكر منها

* شعور النظام الحاكم بأنه ملفوظ ومكروه، وكراهية الناس فى بلادى لنجل الرئيس أشد، مما يعوق مخططهم للافتئات على حق الناس فى تقرير مصيرهم واختيار من يمثلهم بحرية ومن ثم لجأ النظام لتنظيم سرى يدعى لجنة السياسات ليتدبر أمر التوريث عبر تنازلات خارجية ورشاوى داخلية قدر ما يستطيع لا سيما وأن هناك إجماعا شعبيا رافضا لمبدأ التوريث، وإجماعا شعبيا أيضا فى كراهية الوالد والولد، وقد عزز هذا حراك سياسى بسيط لا يطمئن إليه النظام الحاكم رغم قمعه.

* شعور الناس فى بلادى- يُستثنى من لديهم مصالح مع النظام أو لديهم نقص فى المعلومات-  أن النظام الحاكم يجتهد فى العمل لكن فى الاتجاه الخاطئ أو بمعنى أدق فى اتجاه الإفساد – لا الفساد- وفى اتجاه التوريث( يرجى متابعة التعديلات الدستورية الأخيرة 2006)، وفى اتجاه التفريط فى السيادة الوطنية( يرجى متابعة موضوع مشروع تفتيت مصر)

* أصبح واضحا أن شئون البلاد التى انحدرت إلى هذا السوء لا يديرها سوى تجمع يضم (4)

عناصر على الأقل : أما أحدهم فهو ميت قد قارب الثمانين من عمره، والآخر مراهق سياسي بلغ الأربعين من عمره، وقد يلعب به بعض رجال الأعمال، والآخران كالأشباح لكن لا تخطئهما عين بصيرة فسفير الكيان الصهيونى، وسفير أمريكا ينامان وأعينهما قريرة ( وهذا ليس كلاما مرسلا وإنما نتائج للأحوال الفرط التى تعانيها بلادى)، وقد وضح ذلك من خلال عدة أحداث منها الإفراج عن عزام عزام الجاسوس الصهيونى، ومنها المشاركة اللوجستية غير المعلنة في الحرب الأمريكية على العراق، ومنها التوقيع على اتفاقية الكويز، وتصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل، ومنها سيطرة رجال الأعمال على مناصب الوزراء والصحف المسماة بالقومية، ومنها زيارات نجل الرئيس لأمريكا لمباركة التوريث، ومنها الالتفاف على حماس فى فلسطين، ومنها أن النظام الحالى مولع بتأمين حكم مصر لنجله مهما كلفه ذلك من مشاق وتنازلات، ومنها أمور أخرى غير صالحة للنشر.

 

قلق شديد

المستقبل غامض لا ينبئ بانتقال آمن للسلطة، ولئن حدث فلا يضمن معه أحد استقرار الأوضاع الداخلية دون فوضى واضطرابات، وفى اعتقادى أن النظام يعيش فى أزمة أخذت تداعياتها تنهش فيما تبقى من هيبة واحترام لمكانة مصر لا سيما وأن ثمن التوريث سوف يدفعه فقراء الناس فى بلادى من قوتهم ومن مستقبل أولادهم عبر التنازلات الخطيرة التى ما يزال يمارسها ذلك النظام لا سيما – وكما عبر أحدهم من قبل – فإنه فى لحظات ضعف الدولة يتوحش دور القوى الدولية والإقليمية المهيمنة على تفاعلات الإقليم فى اختيار الرئيس المقبل، وإن أخشى ما يخشاه الغيورون فى ظل هذا العجز الداخلى سواء فى مؤسسات الدولة أو فى بنية الأحزاب، أو فى ظل الحراك السياسى المحدود لبعض الحركات الداعية للتغيير( على أحسن تقدير ظاهرة صوتية) أن يدرك الخارج أن الوالد ونجله ملفوظون داخليا فيبحثوا عن بديل يرعى مصالحهم لكنه يرتدى قناعا يخفى سوءته، وما النماذج المشبوهة فى العراق عنا ببعيد




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home