القلم النقدي

 

الموقف الفلسفي من اعدام صدام

زهير الخويلدي



في ضرورة الصفح والمصالحة:

  زهير الخويلدي

 

"فالصفح ليس ولا ينبغي له أن يكون طبيعيا ولا معياريا ولا تطبيعيا.عليه أن يظل استثنائيا وخارقا في احتكاك مع المستحيل:كما لو كان يقطع المجرى العادي للزمنية التاريخية..."[1]

 

كثر الحديث هذه الأيام عن الأمن ورغد العيش والحياة الكريمة وعن ضرورة الالتزام بقيم التسامح والمحافظة على السلم بين الشعوب ونبذ الحرب والعنف ورغم كل هذه الدعاوي والتمنيات فإن مظاهر التوتر والتنازع لم تنقطع عن الظهور وان بوادر الأزمات المستديمة والميل الى الطغيان والتعسف قد ازدادت وتفاقمت من حيث النوع والكم وكأن القيم والمبادئ التي ألزمت البشرية نفسها باحترامها وصيانتها لم تكن كافية لمنع مثل هذه الأزمات من الاندلاع والتفجر وكأن الحياة اليوم في حاجة ماسة الى وضع أفكار توجيهية جديدة والى اعتماد لائحة عامة من الحقوق والواجبات تضع حدا لكل التجاوزات وتوقف الاحتقان والحرب الأهلية والتوتر المذهبي والتصادم بين الرموز الدينية ومن بين الأفكار الجديدة طرح الفيلسوف جاك دريدا على صعيد البحث القانوني مفاهيم الصفح والمصالحة,فماذا يعني مفهوم الصفح؟ من أين جاء به؟ ماهي المجالات التي ينطبق عليها؟ ما الذي يستدعي الصفح؟ هل يندرج ضمن النظام القانوني أم السياسي؟ من يدعوه ويطلبه ؟هل الدولة هي التي تمنح الصفح أم المواطن؟ لمن يقع منحه وتحت أي شروط؟ وفي مقابل ماذا يتم منحه؟ وماهي حدوده؟ وهل يجوز أن نتحدث عن حدود للصفح؟

I /دواعي الحديث عن الصفح:

تعاني حضارة اقرأ زمن العولمة من داء عضال هو الغزو من الخارج والاستبداد من الداخل ولم تجد للشفاء من هذا الداء دواء لأن الذين نذروا أنفسهم لمقارعة الاستبداد سقطوا في حبائل الاستنجاد بالأجنبي وتبرير الغزو وتسريع نسق الاستعمار وكل من انتهجوا منهج مقاومة الاستعمار انزلقوا في متاهة الأنظمة الشمولية واحتموا بقلاع التوريث والاستبداد رغم علمهم أن الاستبداد والاستعمار وجهان لعملة واحدة وأن الواحد منهما يؤدي الى الآخر,فالاستعمار يزرع بذرة الاستبداد والاستبداد ينتج قابلية الاستعمار.

علاوة على ذلك تعاني حضارة اقرأ زمن العولمة من التشرذم والفرقة بحيث تعالت الأصوات المنادية بتقسيم ماهو مقسم وتجزيء ماهو مجزأ وكثرت النعرات المنفلتة من عقال المكبوت وصارت الذاكرة تفرض سلطتها على حركة التاريخ وانفلت حبل الاعتصام وتهدمت العروة الوثقى للأمة ورجع الموروث بطم طميمه وكأننا نعيش زمن الفتنة الكبرى وطرحت من جديد في الفضاء العمومي مقولات التحكيم والوصية والصحيفة والبيعة والخلافة والإمامة وبدأ البعض يتحدث عن خروج الدابة والمسيح الدجال والمهدي المنتظر دون كلل ولا ملل مع إهمال شديد لكل مبادئ العقل ومعطيات الواقع ودون الاحتكام الى لغة المنطق والمنهج الموضوعي في تأويل الأحداث.

غير أن الأمر الجلل والمعضلة الكبرى هو احتدام الصراع واندلاع المعارك في الساحة الخاصة بالساكن الأصلي بشكل غير منقطع النظير بحيث بدا جسد الأمة ممزقا تتداعى عليه الأكلة من كل مكان وظهر وطن الكينونة مخترقا مداسا بالأقدام من فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال الى أفغانستان والشيشان والتشاد. وما يزيد الأمر تعقيدا هو تفجر الحرب الأهلية المدنية والعسكرية وازدياد الاقتتال بين الشيعة والسنة وبين الأكراد والعرب وبين المسلمين والمسيحيين وبين المسلمين والهنود دون أي إيمان بقيم المواطنة وحقوق الانسان ودون أدنى احترام للمبادئ التي نادت بها الأديان والثقافات العريقة ولعل تفشي الضغينة والحقد والكره بين الفرق والمذاهب والملل والنحل هو الذي يؤدي الى الرغبة في الثأر والانتقام والقصاص وتبني ثقافة شعوبية مفلسة.

إذا عدنا الى حال العراق ضربا للأمثال فقد أعدم الرئيس السابق صدام حسين المجيد رغم كونه حاول أن يبني العراق من خلال مشروع قومي ونجح الى حد ما في ذلك كما أن عدد الذين سقطوا ضحية الحرب الأهلية في ظل الديمقراطية المزروعة زورا وبهتانا هو أكبر من عدد الذين عاقبهم صدام زمن حكمه أضعافا مضاعفة وقد فاق نصف مليون قتيل من الشيعة والسنة على السواء ومعظمهم ضحايا مدنيين لا ذنب لهم ولا جرم اقترفوه سوى أنهم مواطنون عراقيون. والمخيف حقا أنه ربما يمثل إعدام الرمز القومي صدام حسين المجيد نقطة اللاعودة في مشروع أي مصالحة وطنية في العراق وقومية في الوطن العربي والإسلامي بين الذين يحملون لواء المشروع الأمريكي ويدافعون على خيارات العولمة النيوليبرالية وبين من يقاومونهم من منطلقات ومرجعيات مختلفة وربما يكون هذا الحدث الأرعن خصوصا وأنه وقع فجر عيد الأضحى بالنسبة للمسلمين السنة وفي أيام حرم وقبيل احتفال المسيحيين بعيد رأس السنة الميلادية بداية لفتنة كبرى جديدة لا ندري الى ماذا ستؤدي وماذا سيعقبها.

II/ في الفضيحة والعار:

إن منطق التشفي والشماتة هو تعبير عن سيطرة القوى الارتكاسية على القوى الفاعلة في الجسد الإنساني وترجمة لتغلب الأنفس الأمارة بالسوء على الأنفس الطيبة التي تعود الى ربها راضية مرضية بعد أن قدمت ما يمكن تفعله في دنياها واقتنعت بمصيرها المحتوم فمحكمة التاريخ لا تطبق الحد على الكائنات الضعيفة بل على الأبطال الذين كان لهم ثقل في زمنهم وحاولوا أن يحركوا التاريخ ويحولوا وجهه,ينبغي أن نتذكر جيدا ماذا فعلت محكمة التاريخ بنابليون بونابرت هذا الذي رآه هيجل الفرد الذي بلغ لحظة المعرفة المطلقة وليس مجرد عقل فوق حصان وكذلك تروتسكي المؤسس الفعلي للجيش الأحمر الذي انتهى به الزمن مغتالا سياسيا في المنفى.

من هذا المنطلق لا ينبغي أن نتسرع في الحكم على أناس جعلتهم الأيام يمتلكون العين الثالثة وقررت أن تسوقهم الى حيث تريد دون مواربة ودون أن يختاروا لا لشيء إلا لأنهم انتصروا لقيم الحق والكرامة وقالوا لا ضد الغطرسة والجور والعجب كيف يكون صدام على لسان أعدائه ظالما في عدله عادلا في ظلمه جامع لكل الطوائف منحازا الى طائفته السنية في نفس الوقت؟

إن الأمر في حاجة ماسة الى تدقيق وتحقيق ولا ينبغي أن نتعجل في الانضمام الى معسكر المرحبين أو الى معسكر الغاضبين. إن التناهي البشري يبرز بشكل شاخص في تجربة البعث العراقية مع صدام حسين وان عدم إمكانية تلافي الأخطاء هو جزء من هذه التجربة التي تستحق بالفعل دراسة علمية مستفيضة وتوقف فكري كبير خصوصا وأنها عرفت ثلاثة مراحل:

-         توجه ماركسي عربي أدى الى التصادم مع التيار الديني الشيعي.

-         توجه قومي عربي أدى الى التصادم مع التيار الماركسي ومع القومية الفارسية والتركية.

-         توجه عربي إسلامي أدى الى مساندة القضية الفلسطينية مساندة مطلقة والتصادم مع الصهيونية والامبريالية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

إن المزالق التي وقع فيها زمن حكمه هي الاستخدام المبلغ فيه أحيانا للقوة وعسكرة المجتمع وتوخيه أسلوب تصفية الخصوم وانغلاق المجتمع السياسي  ودخوله في حرب مع إيران لخدمة أجندة غربية فكانت حربا بين أصلعين على مشط لا قيمة له ثم غزوه المكره للكويت وإيمانه بالوحدة عن طريق الضم القسري وليس من خلال الديمقراطية الاندماجية.

بيد أن ما نثمنه في حكم صدام أنه خدم العرب وآمن بقضاياهم وكان الأب الحنون للفلسطينيين وخير نصير للأمة العربية من الناحية الثقافية التربوية وحتى من الناحية الاقتصادية والاجتماعية كما كان صمام أمان بالنسبة إليهم فقد بني الجامعات والمؤسسات الإعلامية في العديد من الدول العربية وبعث الخبرات والطاقات لتشرف على التدريب والهيكلة في بناء العديد من المؤسسات المدنية كما رفع رؤوسهم عاليا من خلال اعتزازه بهويته وماضيه وفق رؤية تقدمية.

لكن رغم هذه الأخطاء فإن تجربة صدام في العراق تعتبر تجربة منطقية بحكم الموقع الجيوسياسي للبلد وتعدد الطوائف والملل وبحكم وجوده في الثغور الشرقية للعرب وغير أخلاقية وغير قانونية بحكم ما خلفه من تشرذم وتناحر لحظة دخول الغازي وصعود أمراء الطوائف الجدد, فكان نموذج دولته بالنسبة لعصره هو نموذج مرابطي اعتمد اشتراكية شعبية عممت التعليم وأوصلت الغذاء والدواء لكل الناس وأعطت للبعد الوطني والقومي وزنا كبيرا وان ما فعله رجال المليشيات يعبر عن ضغينة وحقد أعمى وثقافة شعوبية لا ترتقي الى ثقافة الأمم وصدرت عن عقول لا تصلح لكي تكون عقل دولة وهي فضيحة سياسية وبداية إفلاس لهذا اليمين الديني الانتهازي الصفوي المتحالف مع دوائر المخابرات الغربية الأجنبية.

III/ في ضرورة الصفح:

كيف لمؤمن يعبد اله رحيم وعفو ورؤوف يقبل التوبة وشفاعة محمد صلعم يوم القيامة وينطق بالشهادتين أن يقدم على مثل ذلك الصنيع في يوم مقدس وبتلك الشناعة والبشاعة ؟ هل ماتت الرحمة في قلبه وقتل في جبلته الانسانية؟

السماحة والحلم والوئام كلها مجموعة من القيم نابعة من جوهر العقائد وهي من الأركان الثابتة التي يتقوم بها الإسلام ودونها لا يكون الإسلام سلما ولا سلاما على العالمين والضغينة لا تداوي الشعوب من الطغيان بل بالمحبة والمغفرة والاعتراف بالذنب والنسيان كلها وسائل ناجعة من أجل صنع غد مشرق.

إن الوفاء للماضي لا يعني القصاص والثأر بل يعني الانفتاح على المكارم والمآثر والمفاخر,فشهداء الأمس هم أبطال قالوا قولة حق وليسوا مجرد ضحايا للطغاة وأحسن طريقة للسير في طريقهم هي نبذ الظلم ورفض إزهاق الأرواح والتسبب في تمزيق الصفوف وتعميق الهوة بين المذاهب والملل وليس طلب الدم والمعاملة بالمثل والوقوع في شرك الانفعال البغيض."متى شرعنا بوضع أنفسنا موضع اتهام ملتمسين الصفح عن كل جرائم الماضي التي ارتكبت ضد الانسانية فإنه لن يبقى هناك بريء على وجه الأرض وبالتالي لن تجد شخصا يصلح ليحتل منزلة القاضي أو الحكم"[2]

إن التقادم يرمم الذاكرة ويداوي الجراح ويجعل الصفح هو لغة المرحلة ومنطق المستقبل ويشرع هذا الصفح لإمكانية الترميم  بالتعويض وجبر الأضرار بإجراءات الاعتذار المتبادل والتفاهم على نوع من التناسي بالتراضي لن ماضينا مثقل بالجراح ولو حفرنا في الذاكرة لنبشنا جميع القبور والكل يتحمل مسؤولية الذنوب التي حصلت فنحن جميعا في الآن نفسه ضحايا لبعضنا البعض ونحن جميعا دفعنا ضريبة الترشد ومخاض التحرير وبناء الدولة الأمة.إن الصفح في المجال السياسي يشبه التوبة والغفران في الفضاء الديني ويشبه الاعتذار والعفو في المجال الاجتماعي ويشبه إسقاط الدين والإعفاء في المجال الاقتصادي وهو الى حد ما إلزام أخلاقي ينبغي أن يتقيد به الجميع حتى يتم انجاز هزة رحيمة وقفزة نوعية نحو التلاحم والانصهار بدل الانبتات والتباغض.

المطلوب اليوم من الجميع سلطة ومعارضة,دولة ومجتمع,ضحايا الماضي وجلادي الحاضر,الغزاة والطغاة هو الصفح والمصالحة لأن لا أحد بريء بحكم الذاكرة والتاريخ وبحكم القانون والسلطة فكل واحد مدان أمام الانسانية التي ينتمي إليها والتوبة هي نوع الاتهام الذاتي وطلب المغفرة من الأخر ولا يوجد شيء لا يقبل الصفح لأن الجميع متساوين في كونهم أجرموا في حق أنفسهم وبالتالي في حق الانسانية. الشيء الوحيد الذي يستحق الصفح هو الشيء الذي لا يقبل الصفح أو كما قال دريدا: "يصفح الصفح فقط عما لا يقبل الصفح"[3]

إن المصالحة في حضارة اقرأ بين جميع الطوائف والأديان وبين جميع الملل والنحل ضرورية في هذا الزمن الإمبراطوري  حتى تتحد القلوب وتلتف العقول من أجل مقاومة العولمة الظالمة وحتى تصمد الأمة في وجه الغزاة وتنجز مشروع التحرير والتنمية والصفح هو المفردة الأولى في قاموس فلسفة المقاومة.

المراجع:

المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة جاك دريدا وآخرون  ترجمة حسن العمراني دار توبقال للنشر الدار البيضاء 2005

*كاتب فلسفي

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1]  المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة جاك دريدا وآخرون  ترجمة حسن العمراني دار توبقال للنشر الدار البيضاء 2005 ص 12

[2]  المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة جاك دريدا وآخرون  ترجمة حسن العمراني دار توبقال للنشر الدار البيضاء 2005 ص9

[3] المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة جاك دريدا وآخرون  ترجمة حسن العمراني دار توبقال للنشر الدار البيضاء 2005 ص12




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home