فن تشكيلي

 

منهل العيسى: رؤية إنطباعية تبشر بفنان ملون بقلم: يوسف اسماع

يوسف شغري



منهل العيسى: رؤية انطباعية تبشر بفنان ملون متميز

بقلم: يوسف إسماعيل شغري

 

      لفت الفنان الشاب منهل العيسى نظر أساتذته في كلية الفنون الجميلة بدمشق فقد بدا واضحاً موهبته الغنية ومقدرته الناضجة أثناء دراسته في الكلية وذلك بعد أن خاض الفنان العيسى تجربة مريرة مع المرض حيث أصيبت عيناه وكاد أن يفقد بصره وتلك كانت إحدى مآسيه فالفنان يعمل عادة بالتوافق بين بصره ويده ولما ضعف بصره ذهب للعلاج في موسكو على يدي طبيب العيون الشهير فيدروف الذي عالجه بالليزر ونجحت العملية نجاحاً خارقاً وكأن الله أراد للفنان أن يشعر بنعمة البصر بعد أن عانى إلى درجة خطيرة من ضعف بصره وعندما عاد لدمشق يدرس في كلية الفنون الجميلة كان فرحه بالرؤية واحتفاله بالضوء واضحاً في أعماله بحيث لا يخفى على احد . وبدأ منهل الطالب منهل العيسى يكتسب ثقة أساتذته  ومتابعتهم وخاصة د.نزار صابور الذي تابعه بالنصح والعلم وخصوصاً أن أستاذه قد حصل على الدكتوراه من موسكو فكانت صداقة الأستاذ لتلميذه واستفاد العيسى إلى حد كبير من تجربة أستاذه لدرجة لا تخفى على المشاهد الذكي . فتأثير الأستاذ صابور يبدو واضحاً في عدد من لوحات الفنان العيسى ويأتي اليوم معرض الفنان العيسى الأول بعد تخرجه في كلية الفنون الجميلة بدمشق بدرجة امتياز من قسم التصوير ليكرس فناناً ينفتح أمامه أفق الفن الرحب واسعاً في ساحة الفن التشكيلي في سوريا.

 

      ومما يلفت النظر أيضاً أن معرضه الأول يقام في إحدى أهم صالات العرض التشكيلي في دمشق وهي صالة السيد التي تقع في وسط العاصمة السورية في منطقة الطلياني والتي تديرها سيدة مجتمع مثقفة فنياً معروفة في الوسط التشكيلي السوري هي السيدة الهام السيد التي فعلاً لا تقبل إلا الأعمال الفنية المبشرة ذات المستوى العالمي حيث استضافت العديد من الفنانين العرب المشهورين عالميا مثل عمر حمدي "مالفا" واسعد عرابي وطارق مرستاني وضياء العزاوي وغيرهم كثير ..

 

      يعرض الفنان منهل العيسى لوحاته الخمس والعشرين وهي من القطع الكبير والمتوسط . ويعتمد الفنان بشكل رئيسي على لون واحد يسيطر على اللوحة ونجد بقاياه أو مساحات كبيرة منه في خلفية اللوحة أو نراه يتعامل مع ضربات ريشته أو المساحات التي تمدها سكين الفنان المرهفة التي تخلق ملمساً مختلفاً و"تونات" درجات لونية لا نهائية مع الألوان المتضادة ويغرم الفنان على الأغلب باللون الأزرق ومشتقاته أو البنيات التي تسيطر في بعض اللوحات القليلة على خلفية اللوحة . ويأتي لون الخلفية المسيطر كلحن بصري رئيسي ينوع الفنان عليه حالاته الرقيقة المختلجة بمساحاته اللونية المرهفة التي تسبح في فضاء اللوحة لتشكل الكتلة الرئيسية التي تمتد بشكل سديمي على الأغلب مما يذكر بالمدرسة الانطباعية التي احتفلت بالضوء وانتشاره على الموجودات وهذا ما نجده في لوحات الفنان منهل العيسى ، حيث تمحى التفاصيل بسديم اللون المعالج حتى يفقد في أحيان كثيرة هويته فلا يتضح فعلاً هل الأزرق أزرق أم رمادي . وربما يكون ذلك أحد النقاط التي وقع فيها الفنان الشاب الذي يقع في رماديات اللون في بعض لوحاته حتى درجة فقدان هوية اللون الذي يعمل عليه . ولا يعتمد الفنان العيسى عادة على دسامة وكثافة اللون بل يمدد اللون عادة حتى ليظن المشاهد غير المدقق بأن الفنان إنما يستخدم الألوان المائية وهو بالطبع لا يفعل ففي لوحاته حس مائي رقيق مرهف .

      ويصور الفنان العيسى عادة الإنسان أو مجموعة من البشر أو المدينة بطريقة أستاذه الدكتور صابور وهناك دائماً المرأة والرجل جنباً إلى جنب في لوحات العيسى . انه ينبهر بشاعرية العلاقات الإنسانية المرأة إلى جانب الرجل , أو يتأمل طويلاً في الحشود البشرية حيث حيوية الحركة والحميمية في تصويره للإنسان . ولا يعدم المشاهد كذلك هذه الحميمية في لوحاته عن المدينة بنوافذها التي تضئ بالضوء الأزرق أو الأصفر . أن لوحة الفنان العيسى تبشر فعلاً بولادة ملون متميز ربما بعد أن يتخلص من الرماديات القاتلة لقوة اللون الذي تحفل فيه بيئتنا المحلية حيث وضوح هوية اللون وخصوصاً بعد أن يغسل المدينة وأحياءها المطر وتشرق الشمس القوية فتبهر قوة اللون عادة عين إنساننا الذي اعتاده زخم اللون واضح الهوية البعيد عن الرماديات .

      وربما يكون الفنان منهل العيسى مكسب للمدينة الغافية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط "طرطوس" وهي الميناء الهام الثاني في سوريا على البحر بعد عروس البحر المتوسط " اللاذقية " ومدينة طرطوس فقيرة فعلاً بالفنانين التشكيليين فلا أسماء معروفة في هذا المجال إلا القليل أمثال الفنان غسان جديد .. ولد الفنان منهل عيسى في طرطوس عام 1969م .

وأخيراً فلا شك أن معرض الفنان الشخصي الأول هذا هو فاتحة للفنان .

 

   عن صحيفة( اليوم ) السعودية العدد8032

  

 




 

اطبع الموضوع  

Home