مقال

 

البرتقالة الوحيدة للموتى

ليلى ايت سعيد



 
" البرتقالة الوحيدة للموتى "

وللبرتقال حكايا وضحايا...

 


                    ليلى ايت سعيد / المغرب

 

وبعد القول أنه قد صار بإمكاننا اليوم البوح بكل ثقة واطمئنان بان القصة القصيرة المغربية قد استوت على الجودي بأمان غدا واضحا وجليا في استقلاليتها وتميزها عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى كما وكيفا، بل وصارت تحت مجهر الخطاب التقدي بمجمل انتاجها وتجاربها، ما يجعلها جنسا أدبيا له سمته المميزة وعالمه الخاص الذي لايخلو من حكايا وضحايا...

ولعل من هؤلاء القاص المغربي عبد القادر الطاهري ، هذا الصوت الثمانيني الهادىء والعميق، وبعد عقد من الغياب الذي اعتبره د. جمال بوطيب غيابا واعيا بوعي ساخط  و ذلك في تقديمه للمجموعة القصصية ، ها هو يطل علينا وفي موسم البرتقال برتقالته الوحيدة للموتى.

إن عبد القادر الطاهري من خلال مجموعته القصصية هذه يرصد من زاوية ساخطة غاضبة،    قضايا اجتماعية مختلفة، مشاهد حياتية موغلة في ذكريات يتقاذفها الواقع والحلم والاستيهام و الهذيان، في ثنائية جسدتها النصوص وحاول السارد التخلص منها... من ثنائيةالجسد والحلم... الجسد غارق في الذكريات كنوع من الهروب من تداعيات السوداوية والوحشة التي نلمسها من خلال الصمت والعطش والعراء " تذكرت الرحلة والعطش والخيانة والنار، تذكرت الجوع والصمت والعراء والموت وبكيت" ص41 . والحلم الذي يبحث فيه عن أفق مفتقد لمعاني وقيم سيطرت عليها اللعنة " "اللعنة التي تطارد هذه المدينة منذ زمن بعيد " ص47.

إن الأحداث التي ترصد بها النصوص العشرة والتي جاءت مشكلة لحلقة مرتبطة فيما بينهما- عالم أقرب إلى الواقع منه إلى الخيال ، انعكاس لصورة ذهنية قد تكون اعتباطية غير أنها تخفي واقعا مريرا وقيما متدوهرة أخضعتها مفارقات قاسية وعوامل قاتلة، ويمكن الحكم هنا بأن عبد القادر الطاهري يكتب ضمن الفن الطبيعي الذي يمنح نماذجه القصصية من شخصيات حياتية لها وجود وكيان حقيقي، بل إن الأحداث التي يرويها والقصص التي يحكيها، أو االمشاهد الحياتية المرتبطة بها هي الواقع ذاته، وتكون نصوص البرتقالة الوحيدة للموتى في النهاية ليست سوى انعكاس صادق للحقيقة الواقعية، إن البنية السردية لنصوص البرتقالة الوحيدة للموتى لم تعد محكومة بالمنطق السببي، وكذا التتابع المنطقي المألوف والتماسك العقلاني التقليدي في الكتابة ، لأن النصوص تعي سببيتها، كما تعي نصيتها... وتحاول في يأس ساخط التخلص من وعيها هذا عبر الحلم بكل مقاييسه، فيتداخل الحلم مع الواقع،    أمام نمط من الكتابة ينتسك التماسك القصصي معتمدا منطق التفكك، وعلى القارئ ان يخرج شيئا فشيئا تركيبة متوازنة دون ان تتوقف حركية النص، ومثل هذه الخاصية ترفض القراءة الخطية وتستدعي قراءة دائرية.

إن الكتابة نفسها ماهي مجرد حلم، فلا احد يملك اليقين حتى السارد نفس، لأنه ليس راضيا عن العالم الذي يعيش فيه، فمريم صورة الجسد المحروم ماديا ومعنويا عن الحالم بزوج غير مشلول، وكيف ثم استغلال هذا الحرمان من طرف المدينة/ المجتمع ليتحول إلى خطيئة حلت لعنة على مريم " كانت ترتجف وكانت تقف أمام المحامي الشاب ، طلب منها الجلوس فيرقة مفتعلة ، قالت له بانفعال للمرة الرابعة :

-         إني حامل !  " ص 9 . حولتها في النهاية إلى جنازة . ثم تداخل الجسد العارق في الذكريات مع الزمان والمكان مع الحلم الذي يسيطر سيطرة تامة على مجريات السرد في" وقائع الغرفة رقم 10" والأسطورة  / الحلم مع الواقع في " عنترة صغيرة " والمطر المرادف للحياة المشتهاة والقيم المفتقدة والرغبة في العودة إلى الطفولة وان تتخلص المدينة من قدراتها وأوساخها المتمثلة في القيم الفاسدة " كم " كم هو رائع عشق المدينة وهي تستجم " ص 39، مايعكس أن المطر = الخلاص في "ستمطر قططا" و " الجوقة "، ثم يتبين كرمه للعالم وحقده عليه ومحاولة تشتيت هذه الصورة/ الواقع عن طريق الحلم الذي يمكنه من الابتعاد قدر الإمكان " فكرت بصورة عابرة في أشياء مختلقة قد تحدث في العالم النتن " ص 37 من خلال البحث عن أشلاء الجسد المفقود" والحروب الذي كان نتيجة للغضب و السخط، الهروب/ القرار من الفقر والذكريات المريرة.. " تذكرت الجوع والعراء والموت وبكيت " ص 41 في هدية وأشياء أخرى "ونفسه الكره للمدينة وتحقيره لها، فهو يشعر فيها بالرتابة والإختناق ولايعرف لمشاعره الساخطة تجاهها خلاصا " ومنذ زمن بعيد كان المكان غارقا في شلالات من الخيبة والمرارة" ليدرك أن الحلم ليس سوى هروب، وأن المدينة التي حلم بها مستحيلة وبعيدة المنال " المدينة التي حلم بها بعيدة جدا " في " الزلزال" ، والحياة عند أعتاب الموت/ المقبرة في " البرتقالة الوحيدة للموتى" والحب والدم في " آمنة .. أحبك " والحلم الذي تحول إلى كابوس تجسد في جثته التي كانت تبتسم في وجهه ..." بحلقت في رأس الجثة الذي كان يبتسم في وجههي (...) توقفت للحظات ثم رددت بصوت أجش : - إنها جثتي !!" ص 64.

وهكذا نرى سيطرة الحلم سواء أكان ذلك بوعي أو لاوعي على مجريات  السرد في نصوص البرتقالة الوحيدة للموتى ، ولكن .. هل يملك القاص  غير سبيل الحلم تجاوزا لواقع قاسي .. محلقا فيه بدون قيود موغلا في عوالم الخيال الرحب ؟ على القارئ أن يكون قادرا على تذوق طعم البرتقالة فللبرتقالة الوحيدة للموتى طعم لايدرك كنهه غير أولئك الذين صاروا للبرتقال حكايات وضحايا..

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home