دراسات هامة

 

الفن الإسلامي

اوسكار حسان




لقد امتاز العراق بامتلاك تراث فني كبير عبر الحضارات التي توالت الحكم فيه. فقد أثرت أساليب هذا التراث الذي شكل خزين ثري لدى الفنان العراقي، وترك بصماته الفنية وذوقه الجمالي عبر تنفيذه للأعمال الفنية وأن اختلفت الأساليب والوظيفة للعمل الفني، أثناء الحكم الإسلامي.
فبعد ظهور الإسلام في الجزيرة العربية وانتصار دعوته، أصبحت كافة مناطق الجزيرة العربية تحت سلطة الإسلام. لقد اخرج الإسلام الناس من وثنيتهم وعبادتهم للأصنام، كما لم يكن لهم حينها وازع أخلاقي، يصرفهم عن الغارات والتكسب، عن طريق النهب والسلب، والقتال بشن الحروب والاعتداء على الحقوق والحرمات، ووأد البنات، وإتيان السحرة والعرافين. فكان الإسلام ثورة أخلاقية، على فوضى الأخلاق وعدم الترابط الاجتماعي، لأن ولاء الفرد للقبيلة كان فوق كل ولاء. لقد كانت الحرب التي خاضها الرسول ضد الديانات الوثنية أول حرب مدمرة للقيم القديمة في الجزيرة العربية. فكان الإسلام ديناً ونظاماً سياسياً. لقد استثمر الرسول القدرات القتالية لعرب الجزيرة لقتال المشركين ونشر دعوته إلى أراضي واسعة خارج الجزيرة العربية.جاء الإسلام يدعو الناس لعبادة الله وحده، خالق السماوات والأرض، ومدبر كل شيء. ومن هذا المبدأ فقد حطم الرسول والمسلمون جميع الأصنام والأوثان وكل ما هو مقدس كان يعبده المشركون، لكنه أبقى على الكعبة لأنها بيت الله التي
بناها إبراهيم بعد إن طهرها من الأصنام والأوثان. لذلك حرم الإسلام التعبير الفني، كالتصوير والنحت، لله والأنبياء، وقد أمتد هذا التحريم ليمنع تصوير الإنسان وكل ما هو حي. كما في الحديث الشريف يقول فيه " من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً. " لأن الإسلام يعتبر الله قوة خارقة لا تحديد لها وليس لها ملامح بشرية. وكما وضعوا الشعر والموسيقى ضمن حدود خانقة، لأن العرب الوثنيين كانوا يتقربون من آلهتهم عن طريق الترانيم الشعرية المصحوبة بالأنغام الموسيقية.بعد إن اصبح العراق ضمن النفوذ الإسلامي وانتشار تعاليمه الشرعية، مما حال بين التعبير الفني وبين استمرار تواصل الفنان العراقي مع تراثه الروحي والفكري والفني والتاريخي. كما أن المسلمين الذين جاءوا من الجزيرة العربية لا يحملون تراث فني وحضاري إلا الشعر الذي يشمل الفخر والهجاء والمديح والوصف، وهو نتيجة لطبيعة الحياة الصحراوية والقبلية البدوية، التي كان يعيش ضمنها الفرد العربي.
أن الإحساس بالجمال لدى الفنان العراقي ليس وليد التعاليم الإسلامية فقط، بل هو ايضاً وليد مواقف وتراث فكري قديم عاشه الإنسان العراقي منذ بداية التاريخ، حينما كان يتأمل السماء ويجذبه صفائها اكثر أيام السنة، مترقباً الكواكب والنجوم والشمس والقمر، مستطلعاً جمالها وقارئاً المستقبل والغامض فيها، ومتعرفاً على أجوائها وأنوائها، ومتطلعاً لجمال طبيعتها وأرضها التي أعطت لناسها كل الخير فأبدعوا حضارات خطت بالبشرية خطوات واسعة نحو مستقبل اكثر إشراقاً.لقد كان في جانب من الإسلام حركة بعث لبعض القيم والأفكار والعقائد التي تعاقبت على المنطقة، وعاشها الناس وتمثلها الإنسان في حياته. والفن وسيلة مكثفة ومطلقة للتعبير عن جوهر هذه الأفكار والعقائد، بل هو فلسفة للحياة المجسدة في صيغ متنوعة، بعضها نسبي وبعضها مطلق، والنسبي يرتبط بالحدث والموضوع ويتحدد به، أما المطلق فهو يرتبط بروح الناس وبروح حضارتهم على مر العصور.
لقد أخذ الشعر مجالاً كبيراً من الاهتمام مقابل الفنون الأخرى، عودةً به إلى ما كانت عليه العرب قبل الإسلام، وبدأ خصوصاً مع خلافة الدولة الأموية، التي رعت الشعر والشعراء وأغدقت على مؤيديهم من الشعراء، وقد استثمرته سياسياً لخدمة مصالحها السلطوية، فأزدهر الشعر وخصوصاً شعر المديح والهجاء، على يد جرير والفرزدق والأخطل الكبير، كما برز شعر الحب والغزل منه العذري على يد المجنون العامري وكثير عزة وجميل بثينة، ومنه الفاحش الذي عرف به عمرو أبن أبي ربيعه، وبعده أبي نؤاس والحسين أبن مطير والحسين الضحاك.

لقد أزداد الاهتمام في هذه الفترة، في الذوق الفني والتمتع بالصورة الشعرية، والموسيقى الموزونة، التي تتردد في كل بيت. وامتاز الكاتب بقدرته التعبيرية، وعلاقته الوثيقة بالبيئة التي ينشأ فيها. كما ساهمت هذه الفترة بتقديم مؤلفات وترجمات في النقد والبيان اللغوي، والسياسة والأدب والطب والتاريخ والفكر، وقد ولد هذا المناخ الثقافي صراعاً وجدلاً فكرياً بين الفقهاء والمحدثين وبين الكتاب والفلاسفة والمتكلمين ساهم بتنشيط وتعميق حركة
الفكر الفلسفي والعلمي، وكذلك الاجتهاد والتفسير في الدين. فكانت غنية بمبدعيها أمثال الفراهيدي الذي أبدع تصنيفه لبحور الشعر، وهناك مؤلفات أخرى ساهمت في نقد وتصنيف الشعر والشعراء مثل أبن قتيبة في كتابه "الشعر والشعراء"، وقدامة بن جعفر بـ "نقد الشعر"، وكتاب " البيان والتبين " للجاحظ الذي بين قدرة البيان باللغة العربية، وكتب ورسائل الكندي الفلسفية، ومن بعده الفارابي وابن سينا وغيرهم من الفلاسفة، وفي كتابي عبد القاهر الجرجاني لتذوق جمال ومعاني وبلاغة الشعر بـ " دلائل الأعجاز" و " أسرار البلاغة " وكتاب " الأغاني " للأصفهاني وكتب التوحيدي وغيرها من الكتب التي تناولت جمالية
ونقد الشعر والشعراء. وكما ازدهرت كتابة النثر والأدب القصصي والرسائل أيضاً متأثرة بالثقافات العراقية القديمة والفارسية والهندية واليونانية والرومانية، لكنها امتازت بخصوصيتها العربية الإسلامية، مثل قصص ألف ليلة وليلة ومقامات الحريري وغيرها من المخطوطات الكثيرة التي لم يحققها أحد والأكثر منها الذي ضاع نتيجة لحرائق المكتبات التي ساهم بها القادة والحكام لاختلافهم مع أصحابها في الدين أو المذهب.ثم جاء بعدهم المغول ليكملوا الحرائق وتخريب ما تبقى من التراث الفكري الإسلامي، عبر طريقهم الممتد من حدود الصين الى بغداد والشام، وكانت ضربتهم الطامة الكبرى، التي لم ينهض بعدها العرب، في هذه المنطقة الى عصرنا الحديث. لأن من جاؤا بعدهم من صفويين ومماليك وعثمانيين، لم يكونوا أفضل ممن سبقهم، لأنهم أساءوا للمنطقة أضعاف ما قدموا لها من خدمات وفائدة. وقد أصبحت أرض العراق بالنسبة لهم ميدان معارك وقتال فيما بينهم، دفع ثمن الخراب والدمار والقتل والتشريد وكل مخلفاتها المؤلمة، أهل العراق من دمهم ورزقهم
ومستقبلهم.أن الاستقرار السياسي وتوسع رقعة الدولة الإسلامية إلى مناطق واسعة من
الأرض، حيث كان لهذه المناطق تراث حضاري كبير. ومن خلال التداخل والتعايش مع
هذه المجتمعات، حدث وبشكل تدريجي تفاعلاً ثقافياً واجتماعياً وفكرياً، عبر الصراع والجدل الفكري بين الموروث البدوي العربي، وطروحات الإسلام كدين شمولي وخاتم للأديان، يطرح مشروعاً بديلاً لما قبله في بناء وتنظيم علاقة الإنسان في المجتمع ومع الله. وبين ما تملكه وتؤمن به هذه المجتمعات، من أديان وعلوم وفلسفة وفنون وثقافة. فكان لهذا التفاعل دوراً كبيراً في تنمية الملكات العقلية والمعرفية، والاجتهاد الذي كان محدوداً بعد وفاة النبي
وانقطاع الوحي. وعبره أثمر زيادة في الوعي المعرفي والثقافي في المجتمع الخلاسي الجديد، فقد خلق هذا رجالاً أبدعوا في الفقه والفلسفة والعلوم الطبيعية والأدب والتصوف والفن.وهذا الانفتاح ساهم بزيادة ميولهم للفنون والشعر والموسيقى، بالرغم من تضيّق الإسلام على التراث الثقافي السابق عليه، وطرح نفسه بديلاً شاملاً يهتدي به الناس في حياتهم لأنه يشترط على كل تأسيس في بناء علاقة الإنسان مع العالم يكون نابعاً من منطلق إسلامي. لكن المسلمون الأوائل الذين جاءوا مع الفتح لا يحملون تراثاً حضارياً. لأن طبيعة حياتهم الصحراوية القاسية لا تساعد في بناء حضارة مزدهرة، فطبيعة الأرض الجغرافية هي من العوامل المهمة لأجل ولادة حضارة متقدمة فيها. وكانت بلدان العراق والشام وفارس ومصر بعد الفتح عمقاً اقتصادياً واستراتيجياً كبيراً ساعد على تقوية الدولة الإسلامية. فقد أثرت على العرب في المرحلة الأولى بكل ما يتعلق بالإدارة والطب والعمران والحرف الصناعية.وبالرغم من ذلك لم يقف الفنان الذي كانت تشده طاقاته الفنية للتنفيذ والتعبير عما كانت تصبو إليه نفسه عبر هذه الفنون، غير مستسلماً لذلك التحريم فأبتكر أساليب أخرى للتعبير وتفريغ طاقاته الإبداعية والفنية. فكان للفنان دوراً كبيراً بابتكار وخلق أساليب فنية جديدة عبّر عن طريقها عن مكامن نفسه وعقله وإرهاصاتهما بأعمال إبداعية لا زالت تثير الدهشة والإعجاب لدى المتلقي، وتمتاز هذه الأعمال بوحدة الفكرة. وقد تجسدت هذه الأعمال، من التصوير الفني والرقش والخط والزخرفة والفسيفساء والنقش والحفر، على السجاد والأباريق وأثاث المنزل وفي قصور الأمراء والخلفاء والتجار وفي الجوامع،
بأشكال وطراز فيه الكثير من الإبداع الفني والجمالي، والمختلف عما كانوا معتادين عليه العرب في بناء بيوتهم سابقاً.يقول درمنغايم " أنه رغم أختلاف الأقطار الإسلامية وابتعادها، فأننا نلاحظ قرابة وشيجة لا تنقطع بين لوحة من الجص المنحوت في قصر الحمراء، وصفحة من قرآن مرقشة وتزيين لوعاء من النحاس. " ويقول غوستاف لوبون " يكفي نظرة على أثر يعود الى الحضارة العربية كقصر أو مسجد أو على الأقل أي شيء محبرة أو
خنجر أو غلاف قرآن، لكي نتأكد من أن هذه الأشغال الفنية تحمل طابعاً موحدا، وأنه لا يوجد أي شك يمكن أن يقع في أصالتها. ليس من علاقة واضحة مع أي فن آخر. أن أصالة الفن الإسلامي واضحة تماماً. " أن ظهور الفن التجريدي هو نتيجة لرغبة الفنان في أن يعبر عن الجوهر مما دفعه الى تجاوز الواقع العرضي، ولأن الخطاب الاسلامي يتعارض مع النحت والتشبيه الفني.فرضت العقيدة الراسخة في روحية الانسان المسلم، مبدأين: الأول هو تحوير الواقع، أي تحوير معالمه الخاصة وتعديل نسبه وأبعاده وفق مشيئة الفنان. والثاني هو تجريد الشكل والواقع أي الابتعاد عن تشبيه الشيء بذاته.أما الباعث على التحوير يرجع الى الشعور بتفاهة الوجود الأرضي والانشغال المستمر بالوجود الأزلي، فالفنان لا يعير الوجود والأشكال اهتماماً كبيراً في رسمه، فهو يصورها بكثير من التبسيط والبدائية، دون أن يسعى الى إضافة الوسائل التي تقرب هذه الأشياء والوجوه من حقيقتها، فتجعلها في الصورة الثابتة أو في التمثال، ذات استمرار في إدراك الانسان لنفسه، مما يدفعه الى تقديسها.لقد أزدهر فن التصوير في الفترة العباسية المتأخرة، لكن بقيت الصور التي
رسمت بها المخطوطات الشهيرة تحمل الطابع المحور دائماً، وهذا الطابع الذي أستمر كخصوصية ثابتة لفن التصوير الاسلامي التشبيهي، وأن فقد الكثير في الغزوات المغولية. ومن أشهر هذه المخطوطات هي كتاب كلية ودمنة، والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب مادة الطب لديوسقوريدس، وكتاب مختار الحكم ومحاسن الكلم للمبشر، وكان أفضلها من ناحية الرسم وأجودها إبداعاً كانت ترجع الى يحيى بن محمود بن يحيى الواسطي في مخطوط مقامات الحريري.أن الفكر الاسلامي يقول أن الانسان ما هو إلا مخلوقاً عاجزا عن مضاهاة الله في قدرته الخالقة، ووظيفة الخلق تعود الى الله وحده، حسب الآية " هو
الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا أله إلا هو العزيز الحكيم. " ويقول الرسول في حديثه: " إن اشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله. " وفي حديث آخر يقول " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه تصاوير أو كلاب. " ويقول الرسول في حديث آخر " يعذب المصورون الذين يضاهون بخلق الله. "لم يكن الفنان من شأنه أن يؤكد انفصال الأشياء في ذاتها، وهو المؤمن بوحدة الوجود. كما أن المصور لم يكن يحتل مكاناً مرموقاً في مجتمعه، حيث كان العمل الفني، محصوراً بطبقة الصناع الحرفيين. وأن هذا قد أدى الى إهمال أسم الفنان، والى اختلاط حدود الأعمال الفنية فيما بينها، والى اختفاء شخصية الفنان. بالرغم من ذلك فقد تطور فن التصوير، وأتخذ شكلاً وخصوصية واضحة، من خلال تصوير القصص منها المحكي والمكتوب وفي المنمنمات. وهذه الخصوصية في التصوير تتمثل كما يرى بابادوبولو " أن التصوير في الفن الاسلامي يتم على توزيع الاشكال في رقعة اللوحة، وفق نظام رياضي ثابت لا يحيد عنه، يكون على شكل لولب. وهذا اللولب هو خط وهمي يصل وجوه وأيدي الأشخاص الموزعين على رقعة اللوحة. حيث يعتقد ان هذا التوزيع يرتبط بقانون رياضي ثابت من جهة، ثم يربطه بقانون الغموض. بمعنى أن الوجود الظاهر للصورة يجب ان يبقى معقولاً. أي ان المسافة بين واقعية العالم الممثل وبين غموض الأسلوب المتمثل ثابتة، فإذا تحرك موقع الواحد، أثر بموقع الطرف الآخر. وبهذا يحدد شخصية الفن الاسلامي. ان الترتيب اللولبي يمثل سمو الروح نحو الله. وهكذا فإن الرسام المسلم كان يعبر عن الترتيب الصوفي الذي هو طريق الوصول الى السر أو تحقيق الوجد الإلهي. فإن اساس جمالية التصوير الاسلامي، هو الغموض. لقد أهتم الفنان في رسمه وتصويره، بعدم مضاهاة الله في خلقه، فقد درج على عدم تصوير البعد الثالث والتعبير عنه، لأنه يعني المضمون الروحي للأشياء، وهذا المضمون المرتبط بقدرة الله تعالى، الذي ينفخ الروح في الأشياء كما يفوق مقدرة الانسان. وهذا ما دفع الفنان المسلم الى اختيار نسب خاصة لا علاقة لها بنسب الواقع لكي تكون اسهل وسيلة للتعبير عن الصورة العقلية عند المصور، وهو السبب الذي دفعه أيضاً الى تجريد مفهوم الله في تصويره وفي وصفه. بل أعتقد أن تحريم التصوير
التشبيهي، هو الذي دفع الفنان للأسلوب التجريدي ولاختيار أساليب أخرى، لإفراغ طاقاته الإبداعية المخزونة. "يرى بعض النقاد أن أول ما يلفت النظر في شخصية الفن الاسلامي، هو أنه يتمثل في أشكال مجردة نباتية أو هندسية أطلق عليها اسم الرقش العربي، يختلط فيها أو يماثلها فن الخط العربي الذي تنوعت أشكاله المبدعة. أن هذا الفن يتمثل في أشكال مشبهة محورة تقوم على التحوير وفقدان المنظور الخطي والكثافة أو ملء الفراغ. ولفهم المنظور فهو محاولة تطبيقية لتصوير الأشياء كما لو كانت مصورة بآلة فوتوغرافية. فعلى المصور أن يلاحظ أمور أساسية، أولاً أن العين ثابتة ويجب تحديد موقعها بالنسبة لخط الأفق، وأن الأشياء تتصل بخطوط إشعاعية تتجمع في نقطة هروب تقع على خط الأفق. وإذا عرفنا المنظور البصري بأنه العلم الذي يحدد رياضياً انواع وحجوم الهيئات المتعاقبة في البعد الثالث، انطلاقاً من زاوية البصر، واعتمادا على خط أفقي يحدد مستوى النظر، فأننا بذلك نضع أساساً لتمييز المنظور الروحي الاسلامي ولإبراز خصائصه. أن هدف الفنان الروحي هو أن يجعل الأشياء مجابهة للنظر من خلال أجمل ما فيها دون أن تشوه قواعد المنظور حقيقتها وجمالها. حيث يسعى الفنان والرقاش الى إملاء فراغات العمل الفني بعناصر كثيفة ومسطحة، حيث تعطي تفسيراً لوجودها المترامي في البعد، فنرى عناصر هندسية مجردة تلتحم بانسجام مطلق، ضمن نطاق حركة جاذبة تصل المطلق بالكون غير المحدد. وقد كان من أبرز الأساليب التي عبر من خلالها الفنان كان أسلوب فن الرقش
التي ملئت نماذجه القصور والمراقد والمساجد. فالمقصود بالرقش العربي، هو الرسم الذي يعتمد على اشكال هندسية لعب الفرجال فيها دورا كبيرا، فهي تشكيلات ثلاثية ورباعية وخماسية مع مضاعفتها، وحور في كل شكل حتى لم يعد لأنواع هذه التشكيلات حدود، وهكذا أكتشف الفنان عالما جديدا من الأشكال الهندسية التي حملّها دائماً معان صوفية، التي تجلت في الأشكال الوميضية الجاذبة التي ترمز الى القدرة الإلهية بالاضافة الى المعاني الفنية التي تجلت في روعة التخطيط وتضافره، وفي روعة التلوين وتنسيقه. يقول غرابار " ليس الرقش
العربي مجرد زخرفة، بل كان له وظيفة رمزية، ففي جميع أشكال الرقش التي نراها في قصر الحير الشرقي والغربي وفي قصر المشتى أو خربة المفجر، يتبين أن هذا سواء كان هندسياً أو نباتياً قد أخضع كليا لمبادئ تجريدية هي في قمة جميع مراتب التعبير الجمالي الاسلامي، فنحن نقف أمام بنية متحركة وليست ساكنة، وأمام قالب يولد جملة تكوينات متآلفة. فالعناصر الزخرفية لا يمكن وصفها كوحدات منفصلة أو كيانات طبيعية خافية على أبصارنا. حيث نجد في الصور الكبيرة التي تزين المباني، نرى العنصر الواحد في اللوحة قد أنفصل لكي يصبح لوحة مستقلة لا علاقة لها بالشيء في ذاته، وهذا ما يسمى بالرقش العربي. " والرقش العربي يحتوي على أسلوبين الأول: أسلوب ( الخيط )، هو عمل هندسي محض يقوم على تفريعات واشتقاقات للأشكال الهندسية الأولى، المثلث والمربع، فهو يعتمد على مضمون ثابت وليس الطابع التجريدي فيه إلا لكي يكون الشكل مطابقا للمفهوم المطلق الذي يتضمنه، فهو يعتمد على الحدس المجرد من جميع المعطيات الحية والبعيدة عن العقل الرياضي وقد تم استخراج المثلث من الدائرة بعد تقسيم محيط الدائرة بالفرجال. كما تم رسم النجوم في الرقش على مقياس الدائرة واشتقاقا منها، انطلاقاً من الدائرة القدسية، التي ترمز للكون كما ترمز الى بيضة الحياة. ومن تطابق نصفيّ الكون تتشكل النجمة السداسية عن تشابك مثلثين متعارضين، تعبيراً عن تداخل السماء والارض رمزا الى الوجود الواحد. لكن اليهود يرون بالنجمة السداسية أو نجمة داوود، أن المثلث الهرمي الأول يرمز للوجود اليهودي، والثاني المثلث الهرمي المقلوب للأسفل يرمز للوجود الانساني الآخر. فنجمة داوود تعبير عن سيطرة اليهود على العالم، حيث المثلث الذي الى الأعلى، يرمز لفوقيّتهم على الآخرين، الذين يرمز لهم بالمثلث المقلوب للأسفل. والنجمة الخماسية نجمة فيثاغورس التي ترمز الى جسم
الانسان الكامل. وبينما المسلمون كانوا يقدرون النجمة الثمانية، المؤلفة من تداخل مربعين. فالمربع الأول يعبر عن القوى الطبيعية الأربعة: الهواء والماء والتراب والنار، والمربع الثاني يعبر عن الجهات الأربعة: الشمال والجنوب والشرق والغرب. وقد نفذها المسلمون كعنصر أساسي في الرقش العربي والهندسي. والثاني أسلوب ( الرمي )، هو عمل تغلب عليه العفوية والاسترسال مستوحى من النباتات وعروقها. فالرقش هو السعي وراء الجوهر الخالد، فيبدو على شكل تكرار، وأخرى على شكل وميض متناوب. أما العمل النفي فهو ارتسام الجلي ارتساماً واعياً محسوساً. يقول التوحيدي " الصورة هي التي يخرج بها الجوهر الى
الظهور عند اعتقاب المصور إياه ". وهو يقسم المراحل الإبداعية لمرحلتين: الأولى هي مرحلة التصوير الإلهي وهي المرحلة التي تتوضح فيها حدود التجلي الإلهي عند الفنان. والثانية هي مرحلة التصوير العقلية وهي تتجسد فيها التصورات الحدسية وتتوضح فيها حدود البراعة والفطنة في مقدرة التصوير. وعلى هذا الأساس نعتبر أن الفن يقوم على معنى الحدس، إذ عن طريقه يمكن إدراك الجوهر الخالد، والحدس يختلف عن الاحساس.لقد كان الرقش العربي الطريق الذي تصاعدت فيه الموهبة، بعيداً عن أي تهاون في تمجيد الله، بل كان سبيلاً الى ذلك، ثم أصبح من أهم المظاهر الإبداعية لما يتضمن، من معاني وفلسفة جمالية متميزة. فالرقش هو رسم لا يحمل معنى بيانياً أو لفظياً، وأنما ينقل الشكل الهيولي والجوهر، لأشياء كانت واقعية. يقف الرقش في نقطة التقاء الخط العربي بالتصوير. وبهذا فقد تحولت الصور النباتية والحيوانية، بل والبشرية الى أسلوب الرقش ( الرمي ). لذلك نجد أن التقارب والوحدة بين الرقش والفن التجريدي المعاصر تقوم على: عدم اعتبار الطبيعة والإنسان مقياساً للجمال الفني. والاعتماد على الانفعال الذاتي الداخلي على الحس المادي للأشياء الخارجية. بالتعبير عن المطلق. وأخيراً البحث عن الجمال المحض. فالفنان في العصر الإسلامي لا تقف إبداعاته الفنية، عند أسلوب أو طريقة واحدة في التعبير، فهو دائماً يرتقي إبداعياً بكل منفذ يستـطيع، أن يعـبر ويخـلق ويبـدع، من خلاله بحرية أكبر متجاوزاً، كل ما يحده من تكرار رتيب وخامل. لذلك فهو لم يلجأ الى الحجوم الاساسية، بل لجأ الى المسطحات الاساسية في الوجود، وليست هذه الأشكال بلا مضامين رمزية، بل كثيراً ما استعارها الصوفيون للدلالة على معان كبيرة. فقد تمثلت عبقرية الفنان في مظاهر إبداعية ثلاثة، هي الشعر والرقش والخط. فكان الخط العربي. الذي أتجه من شكله البدائي الى شكل فني، لم يعد له حد في التفنن والتغيير. كما أنه لم يتخلى عن وظيفته البيانية، فقد أصبح صيغة فنية مجردة، لا ترتبط بالمعنى ذاته بل بصفته القدسية، التي أصبحت جمالية تبعاً لجمالية الخط ذاته. لقد بدأ الخط من شكلين أساسيين الأول مؤلف من زوايا (المزوي) أو الهندسي، والثاني لين نسخي. ثم ظهر الخط الكوفي والرقعة والنسخ. وارتفعت مكانته لارتفاع مضمونه القدسي في كتابة آيات القرآن. فالخط العربي يمثل ذروة الإبداع في الفن الاسلامي، فقد تفنن الخطاطون في إبداع أشكاله حتى زادت عن المائة، ومن أوائل أشكال الخط العربي التي ظهرت أيام النبي، الخط المكي والمدني، ويصفه أبن النديم في كتابه (الفهرست)، هذا الخط فيقول " ففي ألفاته تعويج الى يمين اليد وأعلى الأصابع، وفي شكله
ميلان يسير ". وقد كتب القرآن بالخط المدني وهو قلم مبسوط كله ليس منه شيء مستدير، وهو تطوير للخط النبطي. وهناك أساليب خطية أخرى مثل المزوي، منشئه الكوفة، وخط المشق، والكوفي، والنسخ، والشامي. ويعتقد أبن النديم أن الخطاط ( قطبة المحرر )، هو أول من أبدع الخط العربي وطوره، فقد أبتدع أربعة أقلام هي الجليل والطومار والثلث والنصف. وقد أشتهر من الخطاطين بعد ذلك الكثير، ( مالك بن دينار، وخالد بن أبي الهياج، وشعيب بن حمزة، وإسحاق بن حماد، وإبراهيم الشجري ). ويوجد هناك الخط المصري والخط القيرواني، وفي العصر العباسي ظهرت عدة أساليب خطية مثل خط المثلث والمدور والراصف والمصنو والتجاويد. وكان من أشهر الخطاطين العباسيين هو ( الأحوال المحرر وابن البواب وابن مقلة )، وخط المسلسل وخط الغباري والأجازة، وخط المحقق. ثم ازدهرت المدرسة الفارسية وظهر الخط الفارسي وقلم نستعليق والديواني والهمياني، وكان
من أشهر خطاطيهم مير علي وسلطان علي مشهدي وأبنه سلطان محمد. أما الأتراك فابتكروا خط الرقعة، ومن أشهر خطاطيهم عثمان بن علي، ويوجد غيرها من أساليب الخط. كذلك من إبداعات الفن الاسلامي هي الزخرفة الإسلامية، التي هي خطوط ورسوم هندسية ونباتية وحيوانية تتداخل فيما بينها بشكل متناسق ومنسجم، وهي إنشاء ذهني تام تقريباً، والمزخرف الذي يحفل بالذكريات وأصول بعض المشاغل، يملك بدون شك بعض أصول الأشكال المستعارة من الأعمال التي صادفها، ولكنه أبداً لا يستعير رسوم الأشياء التي كادت تقدمها الطبيعة، بل أنه يحور التحويرات، بعد أن يستمد منها ويحورها بدوره. والفسيفساء هو التصوير عن طريق الرسم على الورق أو على الجدران والأراضي بمادة ملونة أو بفصوص الفسيفساء، حيث كانت مجالاً للفنان ينقش عليها رسمه سواء كان من الخشب أو المعدن أو الرخام أو الحجر أو القماش. كما هو شكل تصويري تشبيهي يحاكي فيه المصور الواقع والأشكال المألوفة محاكاة محدودة، قد تصل الى التصوير الرمز، أو هو على شكل رمزي يقوم فيه الفنان بتأويل النبات وتحويله الى أشكال مبسطة غنية التنويع.أما الفنون التطبيقية فامتازت بجمالها في الزخارف البرونزية على الأباريق والأفاريز والأواني والمناقل والمباخر والمزهريات والفساقي والحلي والألواح المعدنية التي تزين المساجد والقصور، وقبضات السيوف والخناجر، وأعمدة الأسرة. بالاضافة لروائع الفنون التطبيقية في تجليد الكتب التي تنفذ برسوم معدنية.أما بخصوص الخزف فقد امتاز صناع الخزف في المنطقة الإسلامية بتنوع منتجاتهم في الاشكال وفي طرق الزخرفة وأساليب الصناعة، وقد استعمل المسلمون الخزف في صنع بلاطات ونجوم لكسوة الجدران، وفي صنع الأواني والتحف من أكواب وقدور وأباريق وفناجين وقوارير، وكما أستعمل مع العمارة بنجاح ككسوة رئيسية في عدد كبير من الأبنية. وقد امتازت الأواني الخزفية الفاخرة المطلية بالبريق المعدني أو الميناء.
أما النسيج والسجاد، فأن قطع النسيج كانت تمتاز بجمالها بما تضم فيها من زخارف متعددة الألوان يدخل فيها غالباً اللون الذهبي، وتمتاز بدقة الرسم وبانسجام دقيق بالألوان. والسجاد قام الصناع بتزينه برسوم حيوانات وصيد ونقوش زخرفية، زاهية الألوان متناسقة ومنسجمة بشكل جمالي رائع. بالاضافة لمتانة صناعتها والعناية بالصوف. وقد أمتاز السجاد الإيراني بجودته ومتانته وجماله وكذلك السجاد التركي والدول الجنوبية المستقلة عن الاتحاد السوفيتي
سابقا.وأخيرا الصناعات الخشبية فقد أعتمد الخشب لممارسة النقش الرائع عليه في العهد الاسلامي. فقد نقش الكثير من الزخارف والرسوم على الأبواب والمناضد والمنابر والكراسي والأعمدة، فكانت تصاميم راقية الإبداع وفائقة الجمال، فيها الكثير من الدقة وتناسب الأبعاد وجمال التكوين الخارجي للعمل بمجمله. كما قاموا بالنقش والنحت على العاج وعمل أشياء كثيرة جميلة، مثل علب وقواعد أسطوانية تضع فيها العطور والحلي.أن جميع هذه الإبداعات الفنية يشاهدها الجميع الآن، ويتمتع بجمالها وينبهر بالقدرات العالية التي أبدعتها. والموروث من هذه الأعمال الفنية، التي لا يزال بعضها شاخصاً حتى الآن، وبعضها بقيت أجزاء منه، وبعضها ضاع وتلف على يد الانسان وعوامل الزمن. لقد تركت لنا الأيام شواهد كثيرة من المساجد والقصور، والمراقد المقدسة في العراق والدول الإسلامية الأخرى.فكانت ولازالت حتى يومنا هذا تعتبر تحفة فنية عالية الجودة ورائعة الجمال، بما تركه الفنان من بصمات إبداعية، من الرقش والزخارف الزجاجية، التي تحيط بجوانب الجدار العليا والسقف وأساليب الخطوط، التي كتبت فيها الآيات القرآنية والأدعية في الحضرة، والتي هي القبر والفسحة التي تحيط به. بالاضافة للمنائر والقباب المطلية بالذهب، فهي فن معماري قائم على أسس هندسية متقنة، كذلك امتلاك الحرفيين للمهارة الفنية والحس الجمالي العالي، النابعة من
الاحساس بالخشوع والحب والقدسية والرهبة. و من أهم هذه المراقد والمساجد والقصور:( المسجد الحرام والكعبة، ومسجد قبة الصخرة، ومرقد الأمام علي، ومرقد الإمامين الحسين والعباس، ومرقد الأمام الرضا، والجامع الأموي، وجامع القيروان، ومسجد قرطبة، ومسجد سامراء. ومن القصور مثل قصر عمرة، وقصر الحير الغربي، وقصر الحير الشرقي، وقصر المشتى، وقصر المفجر، وقصر الأخضير ، وقصر الجوسق الخاقاني، وقصر العاشق. بالاضافة لما تركته من رقش وزخرف وفسيفساء ورسوم تصورية ونحتية ومن أنسجة وسجاد وحفر ونقش وخزف وأثاث وسيوف وحلي وأدوات نحاسية ومعدنية أخرى، وكتب نقش ورسم عليها وفيها الكثير من الرقش والزخارف والرسوم رائعة الجمال وفائقة الإبداع ).
مفهوم الجمال في الفكر الإسلامي
أن لكل إنسان رؤية وردود فعل حول الجمال كمفهوم، والجمال كانطباع تجاه أشياء مادية وروحية مختلفة يتذوق جمالها عقلياً، تترك في نفسه إحساساً بالبهجة والارتباك والنشوى والدهشة. فهو المقياس، الذي يحدد جمال المادة، التي تترك لدى المتلقي، الانطباع والإحساس بالبهجة، سواء كان عن طريق التأمل العقلي أو السمع أو النظر أو التذوق.
ولكي يكون لدى كل إنسان إحساساً جمالياً راقياً، يتطلّب تربية للذوق الفني والجمالي لدى الإنسان. وقد كان لفلاسفة الإسلام مفاهيم في الجمال، وإن أشهر هذه المفاهيم التي لعبت دوراً مهما في النظرية الجمالية عندهم، هو مفهوم التناسق. وقد لقيّ مفهوم التناسق الكوني الذي ظهر عند الفيثاغوريين تأثيراً لدى الفلاسفة المسلمين، وخصوصاً عند أخوان الصفا.الذين طوروا مفهوم التناسق بشكل يتفق مع بحثهم حول نظريات الموسيقى. كما استفادوا من أراء
أفلاطون المثالية، الذي يرى أن الجمال من مكونات الشيء الجميل، أي أن له في نفسه قيمة ذاتية، وأرسطو الذي يعتقد إن الجمال هو الانسجام الحاصل من خلال وحدة تجمع في داخلها التنوع والاختلاف في كل منسجم. وأفلوطين يعتقد إن الجمال هو تلك الحياة التي وهبها الله مخلوقاته ونفخ فيها من روحه، ومن ثم فالشيء الجميل هو الذي يشع بالحياة. وغيرهم من فلاسفة اليونان والروم والفرس والهند…
نجد عند الفيلسوف الكندي ( 803 م - 873 م ) في مؤلفة عن الموسيقى، محاولة
وضع تعميقاً عن التذوق الجمالي للألحان والألوان والروائح. فالألوان المختلفة برأيه مثل الألحان تستطيع أن تعبر عن هذا الشعور أو ذلك وتثيره، كما يوجد بين أنواع معينة من الألوان والألحان من حيث تأثيرها النفسي تشابه معين. وكذلك الحال بالنسبة للروائح التي يعتبرها موسيقى صامته. والموسيقى عند الفارابي(873 م -953 م) تعطي الإنسان السعادة والسرور، المترعرعين في تلك الحدود التي تنمو فيها ثقته وفهمه، وعبر فهمه يكتشف في نفسه الجمال والكمال. وكما يقول " إن علم الموسيقى ذو فائدة من حيث إنه يرجع توازن التفكير لذلك الذي فقده، ويجعل الذين لم يبلغوا الكمال أكثر كمالاً، ويحافظ على التوازن العقلي عند هؤلاء الذين هم في حالة توازن فكري ..."، ويقول أيضاً " بأن صلة معينة توجد بين الفنانين والشعراء ويمكن القول أن مواد إنتاجهم الفني مختلفة، ولكن أشكال هذه المواد وتأثيرها وهدفها واحد أو على الأقل متشابه. وفن الشعر في الحقيقة يعتمد على نظم الكلمات أما فن الرسم فيعتمد على الشكل والألوان، وهنا يكمن الفرق بينهما إلا أن تأثير هذا وذلك هو واحد يعبر عنه في المحاكاة وهدفها واحد وهو التأثير على مشاعر الناس وحواسهم
بمساعدة المحاكاة. "بينما نجد عند التوحيدي (320-414 هـ) إشارات عن مفهوم الجمال. حيث يضع إصبعه على بدايات علم الجمال المتمثلة في الاستيحاء من الطبيعة التي يعتبرها
المعلم الأول للإنسان. والإبداع الفني الكامن في الإنسان والمستنبط من الطبيعة في أصوله المتقادمة قد لا تكفي الطبيعة وحدها كمناخ حقيقي للخصب الفني إذ لابد من توفر ركائز أخرى تسند الطبيعة الأم وتكون متكأ لها، منها الخبرة والطرق العلمية، وتتبع أعمال الآخرين. والطبيعة لا تمثل الخط النهائي لطموح الفنان بل أن الطبيعة محتاجة بدورها إلى الفن، وعلى الرغم من أن الصناعة تحاكي الطبيعة فالطبيعة تتوقف في احتياجاتها إلى الصناعة، والموسيقي إذا صادف طبيعة قابلة ومادة مستجيبة وقريحة مواتية وآلة منقادة، أفرغ عليها بتأييد العقل والنفس وشاحاً مؤنقاً، وتأليفاً معجباً أعطاها صورة معشوقة، وحليّة مرموقة وقوة في ذلك تكون بمواصلة النفس الناطقة، فمن هنا احتاجت الطبيعة إلى صناعة لأنها وصلت إلى كمالها من ناحية النفس الناطقة بواسطة الصناعة الحادثة التي من شأنها إستملاء ما ليس لها، وإملاء ما يحصل فيها، استكمالا بما تأخذ، وكمالاً لما تعطي. كما كان للأفكار الصوفية تأثير على مفهوم الجمال، حيث تقوم الفكرة الأساسية لدى الصوفية إن الإنسان يستطيع أن يتحد في ذات الله روحياً عن طريق الوجد والحياة المتقشفة والتنسك والعبادة الخالصة وتنقية الروح والنفس من جميع الرغبات والشهوات الدنيوية. ومتى ما يصبح في حضرة الذات الإلهية، يدرك أن الجمال الحقيقي هو فيما يرى من نور، وما جمال العالم إلا انعكاسا للجمال الإلهي.
حيث نجد عند الفقيه والمتصوف أبو حامد الغزالي كيف أنه قد جعل الجمال الظاهر من شأن الحواس، والجمال الباطن من شأن البصيرة. ويقول " الصورة ظاهرة وباطنة، والحسن والجمال يشملهما، وتدرك الصور الظاهرة بالبصر الظاهر، والصور الباطنة بالبصيرة الباطنة. فمن حرم البصيرة الباطنة لا يدركها ولا يتلذذ بها ولا يحبها ولا يميل إليها…… ومن كانت عنده البصيرة غالبة على الحواس الظاهرة كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه للمعاني الظاهرة، فشتان بين من يحب نقشاً مصوراً على الحائط بجمال صورته الظاهرة، وبين من يحب نبياً من الأنبياء لجمال صورته الباطنة. "أن تقدير العرب للجمال قبل الإسلام كان معكوساً على الأشياء المادية الحسية مثل جمال المرأة والبعير والفرس والأطلال فكان مقتصراً على ردود الفعل والمشاعر العاطفية المباشرة من حب وشوق وحنين ولوعة ولهفة اللقاء فكانوا ينظموا شعر الغزل فيمن يحبوا ويعشقون. وحينما جاء الإسلام أهتم بجمال النفس والخلق والخلقة، فقد حث الناس على النظافة والاهتمام بمظهرهم وزينتهم. فقد
قدر الإسلام الجمال والجميل لأنه ينطلق من الآية التي يذكر بها " الله جميل ويحب الجمال "، والجمال هنا يشمل الجانب الشكلي والروحي.أن الفنان في العصر الإسلامي يقيّم فنه على الوحي أو الحدس ويقيّم الأشكال بعيداً عن مقاييس الشكل الانساني وحدودها. لأن الفكر الاسلامي قام بتمجيد المثل الأعلى ( ألهو ) وليس على تمجيد الأنا، ولقد تمثل هذا في آيات
الكتاب عند توسيع الفرق بين الانسان الترابي الأصل وبين الله وهو الحق المطلق
الذي يحيط الملأ الأعلى. ربما يقول البعض من باب الحمّية والدفاع عن الإسلام، بأن الدين الإسلامي لم يمنع التصوير الفني. لكننا نجد أن فن التصوير الفني والرسم بالخصوص، قد ظهر وأزدهر تنفيذه في فترة تمزق الدولة الإسلامية وضعفها. حين أصبح إيمان الناس بالدين لا يتعدى تطبيق الشعائر والطقوس فقط، لأن علمهم أقتصر على ما يفعله ويقدمه لهم شيوخ المنابر ووعاظ السلاطين من تفسير ومواعظ وفتاوى قتصرة على علاقاتهم ببعض في أمورهم المعيشية والعملية.يقول بريون " أن الفن التجريدي كما يبدو لي أكثر محضية من تلك التي يثيرها الشكل التمثيلي. " وكما يضيف " أن الفن، في كل مرة يسعى فيها الى التعبير عما هو روحاني أو الهي، كان يسعى الى التجريدية، الشعور بأن تشخيص الآلهة فيه استخفاف لقيمتها. " أن المطلق إذا كان مفهوماً فلسفياً فهو في المفهوم الجمالي يعني إيجاد الصيغة المرغوبة، فالمجال القائم في الطبيعة، جمال التفاحة أو جمال البحر أو جمال المرأة، هو جمال شيء معين، ويشترك في تزكية هذا الجمال عوامل عديدة، منها المتعة أو اللذة أو الذكرى. أما الجمال المحض، هو المجال البعيد عن جميع المغريات الإضافية، فلا وجود له في الطبيعة، إذ نادراً ما نعجب بزاوية جدار مهترئ تكتسيه طبقة من العفن، اللهم إلا إذا
كان منا من هو شاذ الذوق. لكن في الفن نجد أن الفنان يبحث تقريباً عن نفس الزاوية ويحاول إعادة إنشائها بشكل فني، وليس شرطاً أن يكون عملنا جميلاً جمال الجوكندا، ولكن الشرط أن يكون جماله فنياً أي أن يكون إبداعياً صرفاً، وبهذا يقول موندريان " أننا نسعى وراء جمالية جديدة محضة، خطوط وألوان محضة، ذلك لأن العلاقات المحضة هي وحدها القادرة على الوصول الى الجمال المحض. "أن العصر الحديث ميز بين التقدم العلمي لصناعي والعمل والخيال الإلهامي عن العمل القاعدي. فكان العمل الخيالي يجنح الى اللاواقع، والعمل العلمي يقوم على الواقع، وكما يقول براك " إن الاحساسات تسعى الى التحوير، أما العقل فيسعى الى القاعدة. " ومن هنا كانت بداية تحرر الفنان من الأشكال الطبيعية والعمل على مناهضتها شيئاً فشيئاً. حيث أصبحت اللوحة لدى كاندينسكي تمثل مجموعة من الخطوط والحلزونات والأشكال التي لا مدلول لها ولا ترتبط بأي الأشكال المألوفة في الواقع.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home