دراسات هامة

 

مرة أخرى: قراءة في الفكر الصهيوني

د. يوسف مكي




في عددها الصادر يوم الأحد 30 ديسمبر من هذا الأسبوع، نشرت جريدة الوطن الغراء خبرا مفاده قيام منظمة "مكافحة التشهير" الصهيونية بالإحتجاج لدى السفارة السعودية في واشنطون بسبب تقارير نشرتها الوطن تفضح حقيقة دور اللوبي اليهودي. وقد جاء في رسالة الإحتجاج أن الوطن صحيفة معادية للسامية وللأمريكيين، وأن كتابها ينشرون مقالات ضد الصهيونية وصفت بالإفتراءات وتنمية الحقد والكراهية ضد اليهود والأمريكان.

ولأنني ساهمت من خلال المقالات التي نشرتها في هذه الجريدة طيلة الخمسة عشر شهرا المنصرمة بالكتابة في أكثر من ثلاثين مقالة عن الصهيونية، شملت أربع حلقات متتالية بعنوان قراءة فكر الصهيونية الحديثة من هرتزل إلى باراك. وثلاث حلقات نشرت تحت عنوان في ذكرى اغتصاب فلسطين المشروع الصهيوني يتهاوى. وحين عقد مؤتمر دوربان نشرت مقالة تحت عنوان نعم الصهيونية عقيدة عنصرية. كما وجهت أربع رسائل متتالية للرئيس الأمريكي جورج بوش قبيل وبعيد تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة تناولت في جانب منها قراءة في التحيز الأمريكي للمشروع الصهيوني، فإني أجد نفسي أحد المعنيين باتهامات المنظمة المذكورة، كوني تناولت الجوانب العنصرية في الحركة الصهيونية بالقراءة والتحليل. وهي تهمة اعتبرها شرفا أتمنى أن أكون مستحقا له.

كما أجد لزاما علي المشاركة في التصدي لهذه الحملة الظالمة، والرد على تهمة التشهير والعداء للسامية. وقد وجدت أن أفضل رد هو متابعة الحديث عن جوانب أخرى في الفكر الصهيوني لم يجر تناولها بالأحاديث السابقة، مسجلا قبل ذلك مجموعة من الملاحظات حول اتهامات منظمة مكافحة التشهير.

أول ما يلفت الإنتباه أن المنظمة المذكورة، رغم توجيهها اتهامات مباشرة وحادة لجريدة الوطن الغراء إلا أنها لم تتناول الوثائق التي نشرتها الجريدة أو أي من المقالات التي كتبت حول الفكر الصهيوني بالتحليل والدحض. وهذا بحد ذاته يقلل من أهمية مرافعة الإتهام. لقد كان أولى بتلك اللائحة أن تعرض الوثائق وأقوال الكتاب وتقوم بتفنيدها. أما وأنها اختارت الطريق الأسهل، فإن الإتهام فقد مصداقيته وأصبح عديم القيمة.

فحين نقول مثلا، إن الصهيونية عقيدة عنصرية لأنها بشرت بكيان يقوم على أساس الإحلال والنفي والإبادة لشعب لا يجادل أي كان في أنه عاش على أرض فلسطين عهودا تجاوزت الألفي عام في مراحل ممتدة دون انقطاع، فإننا لا نتقول على الحركة الصهيونية، ولا نضيف من جعبتنا شيئا جديدا للتاريخ. فهل بإمكان منظمة مكافحة التشهير أن تقول شيئا مخالفا لذلك. قلنا إن الصهاينة اغتصبوا أرض فلسطين، وذلك واقع لايمكن نكرانه. وأن الصهاينة استندوا على مجموعة من الجدليات لإثبات ادعاءاتهم في فلسطين، وجميعها عنصرية في جوهرها. وهذه الجدليات ليست من اختراعنا، بل نشرت في كتب ووثائق صهيونية على لسان زعماء صهاينة بعضهم رحلوا وبعضهم لا يزال يتربع على هرم السلطة في الكيان الصهيوني. قالوا بالحق التاريخي، وهم يعلمون أن ذلك مناقض تماما للقوانين والأعراف الدولية ومنظومة القيم الأخلاقية. وقالوا أيضا بنقاء عرقهم وتفوقهم على الأجناس الأخرى، وأنهم أكثر قدرة على حراثة الأرض وأن الأرض لمن يحرثها، وأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. وهذا الكلام مدون ومنشور بلسان قادة الحركة الصهيونية، وهو بالتأكيد كلام عنصري مائة بالمائة، وبشكل مطلق. وقالوا بأن اليهود شعب عصي على الإندماج وأن ثقافته ثابتة لا تتغير على مر الأزمان، وتحدثوا عن تميز الشعب اليهودي في كل شيء.. متميز في أنه شعب الله المختار، وفي تفوقه وفرادته وحتى في نوعية الإضطهاد الذي لحق به. وقد التزموا بمنهج ميتيافيزيقي متحجر حين تنكروا لقانون الحركة وجمدوا السيرورة التاريخية. ودحضنا ذلك وقلنا بالمقابل إن الحق التاريخي لليهود في فلسطين ينطلق من أسطورة يدعي الصهاينة أنها منحتهم حقا، وأنهم ارتبطوا عاطفيا ودينيا وثقافيا بأرض فلسطين بناء على هذه الأسطورة. وأوضحنا أن ذلك لا يمنح حقا في أرض، خاصة في كيان يقوم على أساس الفصل بين الدين والدولة، وأنه لو أمكن قيام الدول على أساس هذا المنطق لأصبح من حق الإمبراطوريات التي سادت على الأرض المطالبة بالأراضي التي هيمنت عليها أبان ذروة مجدها. فهل ستجادلنا منظمة مكافحة التشهير الصهيونية في ذلك، أم أنها ستكتفي بإطلاق تهم الإفتراء بحق الوطن وكتابها؟!

ومع قناعتنا بأن أحدا لا يستطيع أن يجادل في حق هذه المنظمة في التصدي لحملات التشهير بالصهاينة، لكن ذلك لا يمكن أن يجري اعتباطا دون تقديم أدلة ثبوتية يفترض في هذه الحالة أن ترتكز على دحض التحليلات التي يطرحها الكتاب وتحدي مصادر معلوماتهم بمصادر أخرى موثقة، لكنها لم تفعل ولن تفعل لسبب بسيط هو أن ما ورد كان صحيحا ويستحيل نفيه.

بماذا على سبيل المثال، تبرر المنظمة المذكورة قيام الكيان الصهيوني بقتل المدنيين العزل من الفلسطينيين، وعدم تطبيق قرارات الأمم المتحدة القاضية برفض اكتساب أية أراض عن طريق الإحتلال والقوة العسكرية، وبماذا تبرر رفض هذا الكيان عودة الفلسطينيين إلى ديارهم؟ خاصة وأن العقيدة الصهيونية هي الأكثر إلحاحا بين العقائد العنصرية على الحق التاريخي. وعودة الفلسطينيين في الشتات إلى ديارهم هو انسجام بالكامل مع هذا الحق.

يجيب الجدل الصهيوني على هذا السؤال، بالقول إن اليهود العرب أجبروا على النزوح من الأقطار العربية، من مصر واليمن والعراق والمغرب العربي إلى فلسطين، وأن الفلسطينيين نزحوا عن بلادهم إلى الأقطار العربية بتشجيع من الحكام العرب. وهكذا حل شعب محل شعب آخر في كل من فلسطين والأقطار العربية. وأن هذه الحادثة ليست غريبة على التاريخ وليست مقتصرة على حالة اليهود والفلسطينيين، فقد تكررت مرارا لشعوب أخرى، وأنها قريبة الشبه بهجرة المسلمين الهنود إلى باكستان وهجرة الهندوس من باكستان إلى الهند. هكذا أجاب سفير الكيان الصهيوني بالأمم المتحدة في حوار مفتوح بجامعة بولدر بولاية كولورادو الأمريكية عام 1993.

ومن المؤكد أن من الصعب أخلاقيا قبول مثل هذا الجدل، كونه يحتوي على مجموعة من الأكاذيب والمغالطات ويتناسى المذابح وبقر البطون في بئر السبع ودير ياسين وإجبار الفلسطينيين على مغادرة أرضهم بالقوة من قبل الصهاينة. كما يتنافى مع مبدأ الحرية وحق تقرير المصير لجميع الشعوب. ومن المؤكد أن الإستناد إلى حوادث استثنائية نتج عنها إلحاق ظلم وأذى بشعب آخر من الشعوب في أحد المناطق من العالم لأجل تنفيذ مشروع استعماري لا ينبغي أن يكون حجة للإستدلال على جواز استعباد الشعب الفلسطيني. وليس بسر على أي متتبع للتاريخ السياسي الحديث لشبه القارة الهندية أن يدرك الدور الإستعماري البريطاني في انشقاق حزب المؤتمر الهندي واحتدام المسألة الطائفية بالهند وتجزئتها وبالتالي قيام دولة باكستان وبروز المشكلة الكشميرية. إضافة إلى ذلك، فإن اليهود الذين غادروا الأقطار العربية إلى فلسطين، لم يكونوا مجبرين على ذلك، كما كان الحال مع الهندوس والمسلمين في الصراع الهندي الباكستاني. فقد كانوا مواطنين في تلك الأقطار، لهم ما لأبنائها من حقوق وعليهم الذي على غيرهم من واجبات. ولازالت بعض الأقطار العربية تحتضن أعدادا كبيرة من المواطنين العرب اليهود، كما هو الحال بالمغرب، يعيشون في حالة مواطنة كاملة ووئام مع إخوانهم من العرب المسلمين.

وإذا قبلنا جدلا بمنطلق الإحلال المتبادل الغريب على الرغم من افتقاده لأبسط القواعد الأخلاقية، فكيف يمكن قبول هذا المنطلق مع المهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية ومن أمريكا وأفريقيا. وهؤلاء لم تكن لهم علاقة سابقة بالنضال الدامي على الأرض العربية، ولم يعدمو أوطانا، ولم يكونو مشردين.. بل إن كثيرا منهم كانو يعيشون في وضع اقتصادي واجتماعي أفضل بكثير مما لقوه لاحقا بالكيان الصهيوني. وجرى التغرير بهم ودفعوا للهجرة إلى أرض السلام كي يكونو عامل فوضى وصراع وتطاحن في المنطقة. وقد أدرك هؤلاء المأزق الذي وقعوا فيه، وعاد كثير منهم إلى الديار التي هاجروا منها.

في ذات الحوار، دافع السفير الصهيوني عن احتلال إسرائيل للضفة الغربية بالقول إنها أراض ليس لها إدارة شرعية معترف بها. وأن ضم الأردن لها لم يحظ بتأييد أو موافقة دولية، وأن دولتين فقط هما بريطانيا وباكستان أقرا بمشروعية الضم. وعلى هذا الأساس، فإن الكيان الصهيوني لم يحتل منطقة ذات سيادة في الأصل، وإنما احتل منطقة غير مملوكة، وتعيش حالة فراغ في السلطة السياسية. وبهذا المنطق نصب هذا الكيان نفسه وكيلا وبديلا عن القانون الدولي، يصل دوره حد جواز قيامه باحتلال أي منطقة يعتقد بعدم وجود سلطة مشروعة فيها. والقادة الصهاينة، يعلمون جيدا حجم العلاقة والتواصل التاريخي بين الشعبين الأردني والفلسطيني، وأن "الأردن" هو المسمى التاريخي للنهر الذي يربط الضفتين الشرقية والغربية ببعضهما البعض. وبناء على ذلك فإن الأقرب للمنطق قيام نوع من الوحدة بين الشعبين، لا أن يكون الإحتلال الصهيوني البديل عن ذلك.

هناك أيضا الإفتراء الصهيوني، بأن إسرائيل كيان صغير لا يكاد يرى على الخريطة، تعيش في محيط من الكراهية والحقد، وأنها مهددة بالفناء والإلقاء في البحر من قبل جيرانها العرب في كل لحظة، وهذا ما يعطي تشددها في الحصول على ضمانات أمنية أثناء مفاوضات التسوية مع الحكام العرب طابعا منطقيا ومعقولا. ويتناسى هذا القول أن الكيان الصهيوني كان دائما المبادر في العدوان على الأمة العربية، وأن حروب العرب مع الصهاينة قد فرضت بالقوة عليهم، ولم يكن لهم خيار غير الدفاع عن أنفسهم. والحديث عن حجم إسرائيل على الخريطة، يتناسى كم هي عدد الرؤوس النووية التي تحتفظ بها في ترسانتها. ويتناسى أيضا، أن هناك دول صغيرة في حجمها، حتى في التاريخ الحديث قامت باحتلال أمم كبرى لحقب طويلة. كان ذلك هو حال البريطانيين في آسيا وأفريقيا، كما كان ذلك حال أسبانيا مع أمريكا اللاتينية. وأخيرا، يتناسى أن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان ومزارع شبعا، أراض محتلة بحكم القانون والإجماع الدوليين، كبرت مساحة الكيان الصهيوني أم صغرت. وأن صغر حجم هذا الكيان لا يمنحه حقا في العدوان على العرب.

وتبقى محاور أخرى في هذا الموضوع جديرة بالقراءة والتحليل في أحاديث قادمة بإذن الله.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home