القلم العلمي

 

السياسة الحيوية

زهير الخويلدي



مولد السياسة الحيوية عند العرب

في دواعي انهيار المدينة وضرورة الإستئناف الحضاري:

  زهير الخويلدي

 

" لعلنا تحملنا طويلا نظاما فكتوريا,وربما مازلنا نتحمله حتى اليوم..."[1]

توطئة :

لعله من غير الملائم اليوم أن نفتش عن العلة التفسيرية الأساسية للتغيرات التي طرأت على حال المدينة وان نبحث عن الأسباب التي دفعت بالأهالي إلى الاستسلام والتفريط في الأرض والعرض،كما أنه من غير اللائق أن نرجع جوهر التحولات التي حصلت،أو لنقل المساومات والتنازلات، في ميدان البني السياسية إلى ظاهرة واحدة حتى وان كانت هي الظاهرة الأساسية والأصلية = التحدي الاستعماري الغربي بشكليه الامبريالي والصهيوني،الأول له صبغة اقتصادية سياسية والثانية له صبغة عقائدية حضارية. لكن يبدو أنه من الضروري رد كل ما حصل إلى أمر هام وجلل وإرجاع كل ما جد على الساحة إلى مسألة خصوصية وهي عدم معرفة أولى الأمر منا بآداب اللعب السياسي فلا هم على علم بقواعد اللعبة السياسية العالمية وشروط توزيع الحصص والمهام وتبادل الأدوار والمواقع ولا هم تفطنوا إلى أهمية ضبط الولاء والتحالف والشراكة من خلال أفضلية ما هو إستراتيجي بعيد المدى على ماهو تداولي استهلاكي قصير الأفق ومنغلق التوجه ومختزل الأهداف.

على هذا النحو فإن مأزق صانعي السياسات لدينا هو جهلهم بسياسة اللعبة وعدم مشاركتهم الجدية في لعبة السياسة وهو ما أدى إلى خروجنا من التاريخ وتداعي أنظمتنا ومدننا الواحدة تلو الأخرى وسقوط الحضارة بشكل حاد تجلّى ذلك في تفكك أواصر الترابط المحلي وهشاشة الانتماء الحضاري للإنسان وعزوف الطبقة الناشئة عن صناعة المستقبل للأمة فتفشت ردود الأفعال العنيفة واللامبالاة السلبية والحلول الكارثية لديها وانتشرت مظاهر اليأس والقنوط وتجلى ذلك في قابلية كل الأنظمة للاستعمار الخارجي وجاهزية الشعوب للتفويت في مدنها وأراضيها.

عندئذ ينبغي رصد القلق الذي يحاصرنا إزاء عالم واسع جدا أفقدت تجمعاته السياسية التأسيسية الكبرى شعورنا بالتجذر والثقالة الكونية والتماسك الأزلي وأنسانا طابعه العسكري الاختراقي الكلياني انتمائنا إلى هوية قصصية سردية جعلت من القرآن الكريم والبيان العربي محور قبلتها ومصدر وهجها الروحي وإشعاعها الحضاري.

I- دواعي المحنة وأسباب انهيار المدينة:

"في منتصف العصر الوسيط وعندما طرح بيترارك Pétrarque هذا السؤال الذي أرى أنه مثير للإعجاب وهو سؤال أساسي قبل كل شيء,كان يقول هذا:"ما الذي يمكن أن يكون في التاريخ غير مدح روما؟".أعتقد أنه بهذا السؤال يصف ويشخص ويبين بكلمة التاريخ كما هو ممارس فعليا ليس فقط في المجتمع الروماني ولكن في هذا المجتمع القروسطي الذي ينتمي اليه بيترارك."[2]

مرض مديح السلاطين لا ينطبق على عصر بيترارك فحسب بل على عصرنا وهو سبب محنتنا وعلة أمراضنا فكيف أدى ذلك الى انهيار أم مدائننا؟

*إن علة التقهقر العام للحياة السياسية عندنا تكمن في تحول النشاطات المدنية التي يقوم بها الأفراد تطوعا وخدمة للشأن العام إلى مهنة حقيقية واختصاص حرفي يتقاضون أجرا كمقابل له.

*طغيان النزعة الفردية والأنانية الضيقة وتغليب المصلحة الشخصية على المصلحة المشتركة وتحول المنفعة والرفاه والمصلحة والنجاح إلى قيمة أخلاقية كبرى.

*إن العامل الذي جعل الفئات ذات الامتيازات تنظر إلى فقدانها الفعلي للسلطة على أنه تقاعد طوعي هو منحهم وجودهم الشخصي وحياتهم أهمية متزايدة وذلك لغاية محافظتهم على بقائهم نتيجة خوفهم من الموت العنيف والمباشر.

*مصادرة السيادة من الأفراد من قبل أجهزة الدولة لمركزة السلطة فوقيا وإعادة توزيعها في شكل إجراءات ردع وقمع وعنف رمزي.

*الإفراط في تعزيز الاستقلال حربي وعسكري وتحول هاجس الأمن إلى مبرر للضغط على المجتمع لفرض النظام ودرء الفوضى.

*إن سبب انحلال الطبقات المهيمنة تقليديا هو شيوع حركات الانطواء على الذات وانحسار قيم  التعاضد والتكاتف الاجتماعيين.

*الشعور بجسامة الخطر الذي تمثله السلطات العالمية والخوف من إمكانية تدخلها في الشؤون المحلية عن طريق قرارات الأمنية الاختراقية أو السياسية الظالمة والاحتواءالمزدوج والمعاملة ذات المكيالين.

 *الشكل الأقصى للسلطة عندنا هو السلطة العسكرية وهذه السلطة وقع احتكارها من طرف عائلات أوليغارشية وطوائف تربطها مصالح مادية مع الدوائر الأجنبية وجعلت جميع الأشكال السلطوية الأخرى في خدمتها.

- اختناق النشاط السياسي المحلي واحتقان الوضع الأهلي:

*فمؤسسات المجتمع المدني إن كانت موجودة تشتغل وفق قواعد المجازفة والنضال والطوارئ وهي بالتالي مجرد حوانيت يمارس من خلالها الفاعلون الاجتماعيون السلطة بشكل ناعم وهادئ دون أن ينتج عن هذه الممارسة أية نتائج ميدانية تخص الشأن العام.

 *إلغاء السلطات المحلية ولجمها بمصادرة الحوزات والمنظمات الخيرية والتضييق على العمل التطوعي ومنع كل مبادرة فردية أو جماعية تصدر عن جهات غير حكومية وتسعى لخدمة الصالح العام.

* استقطاب المتعاونين والحلفاء وطمأنة أهل المواطنين الموجودين في السلطة بإقناعهم أنهم ليسوا عبيدا وبتقاسم المنافع معهم وإيهامهم أنهم يمثلون مع العائلة المالكة جسدا واحدا.

*إعادة تنظيم الأنماط الاقتصادية والأشكال الاجتماعية وأنظمة القرابة بشكل يتيح استخدام الأهالي كوسائط لجمع الضرائب وفرض الجباية.

*ممارسة إدارة مباشرة على الشأن الخاص للأفراد تصل إلى حد الجوسسة والرقابة الصارمة على كل التصرفات.

*إتباع خطة اقطاعية ثابتة في سياسة الأراضي وتشجيع نمط معين من الآليات الزراعية المرتبطة بالاقتصاد العالمي والمعدة للتصدير على حساب الزراعات التقليدية والحاجيات الداخلية.

*التشديد على إنشاء المشاريع القومية والبني الشاملة للتباهي بالانجازات والمزايدة بها في الانتخابات إذا وقع تنظيمها بشكل كاريكاتوري.

*تموين الجيوش بما تحتاج إليه من ضروريات على حساب ضروريات الناس وقوتهم اليومي وتضخيم دور الأجهزة الأمنية على حساب المؤسسات الحيوية دون التعويل عليها في مهام نضالية قومية.

إن ما أدت إليه هذه السياسات هو الأمر التالي :

- تجميد الحياة السياسية بالداخل وغياب الحوار بين أطياف المجتمع وانعدام الحراك التنموي وتنشيطها في النطاق الأوسع مع الخارج يصل إلى حد التعاون مع أعداء الأمة والتآمر على الموارد الاحتياطية المستقبلية.

- نمو سلطة طفيلية ذات طابع تقليدي وراثي كاريزمياتي تسعى دائما إلى توسيع النطاق الذي يندرج فيه وتضيق الخناق على هامش الحرية الضئيل الذي يمكن أن يتمتع به الأفراد."فالسلطة أصبحت تتكلم من خلال الدم,فهذا الأخير هو واقع ذو وظيفة رمزية."[3]

-حصول تخفيض في مساهمة الأطراف في الإنتاج الصناعي والتبادل التجاري تحت تأثير ميزانية متمركزة شماليا وبروز تطور لامتكافىء والاكتفاء بالعدالة والمساواة في مستوى الأزمات والسلبيات وتقاسم المعاناة  دون المشاركة في الثروات والايجابيات.

- ظهور فلسفات وأفكار لا تهتم إلا بجلد الذات وتبرر الهزيمة وتشرع للاحتلال والاستسلام وتقتصر على تحليل النواحي السلبية للانحطاط فهي فلسفات فرار وفكر تقهقر وانحطاط.

هذا هو حصاد الحكم الفردي ومغالطات التاريخ بالنسبة للسياسة  وهذا هو المحصول بالنسبة للشعوب المستكينة وللأفراد الذين تخلوا عن دورهم الرسالي, الآن ماهي الميزة التي تنفرد بها الفلسفة إذا ما تدخلت في السياسة وحاولت الفعل في التاريخ؟ فهل تقدر على دحض هذه المغالطات وتفكيك الحكم الفردي في قلاعه الآمنة لتحرر السياسة من ظلم التاريخ؟

II مولد السياسة الحيوية:

"الموضوعة المحتفظ بها هي"السياسة الحيوية",وأعني بذلك الطريقة المستعملة منذ القرن18 في محاولة عقلنة المسائل المطروحة على الممارسة الحكومية والمتعلقة بالظواهرالخاصة بمجموعة من الأحياء,الذين يؤلفون جملة السكان:الصحة,نسبة المواليد,طول العمر,الأجناس...ونعلم أي موقع احتلته هذه المسائل بشكل متنام منذ القرن19,وما مثلته باعتبارها مواضيع رهان سياسي واقتصادي الى اليوم."[4]

ماذا نعني بلعبة السياسة وسياسة اللعبة ؟

السياسة من حيث هي تتحرك ضمن نظام من الغايات والوسائل حيث تتضارب المصالح وتتناقض الأهواء وتفرض القوة والحيلة منطقها هي لعبة بأتم معنى الكلمة ينقسم فيها الناس إلى مشاركين

 ومشرفين ومتفرجين,المشاركون هم اللاعبون الفاعلون الحقيقيون في الحياة السياسية,أما المتفرجون فهم الأغلبية الصامتة من اللامبالين,في حين يمثل المشرفين طبقة فريدة لا توجد إلا حسب الظروف وتؤدي مهمة حساسة وتتوارى عن الأنظار بعد ذلك.

فماهو دور الفاعل في اللعبة السياسية ؟ هل يكتفي بالمشاركة في هذه اللعبة أم انه يؤثر في المتفرج ويفتك زمام المبادرة من المشرف ؟

إن دور المبدع في العمل السياسي يشبه إلى حد كبير دور اللاعب في الرياضة الذهنية أو العضلية

وآية في ذلك أن اللعب في السياسة ليس مجرد نشاط إبداعي للتسلية والمتعة, انه يتضمن نوعا من الجدية إذا تجاهلها أحد المشاركين يفسد اللعبة.وللعبة أيضا ديناميكيتها المستقلة وأهدافها الخاصة والمستقلة عن وعي اللاعبين المشاركين فيها.فهي ليست موضوعا في مواجهة ذات اللاعب ولا تخضع لذاتيته.ان اللاعب يختار أي نوع من اللعب يريد أن يشارك فيه و لكنه حين يدخل اللعبة يصبح محكوما بقوانينها الداخلية الذاتية ويتخلى عن جانب كبير من نزاهته وحياده وموضوعيته. وتصبح اللعبة هي السيد المتحكم في اللاعبين  والموجه لحركاتهم. إن مشاركة اللاعبين في اللعبة هي التي تمثلهم في الوجود عامة والمسرح السياسي, ولكن ماهو ماثل أمام المتفرجين ليس ذاتية اللاعبين ولكنها اللعبة نفسها بقوانينها التي تتجاوز ذاتية اللاعبين والمتفرجين على السواء. إن روح اللعبة هو الذي يصبح مسيطرا وهدفها هو نقل الحقيقة التي تمثلها والتي تحولت إلى شكل دغماء ورأي هو اللعبة نفسها.ان دور اللاعب يصبح دورا هامشيا يتمثل في اختياره المبدئي للعبة التي يريدها و يتمثل في مدى الحرية التي يستطيع ممارستها داخل قانون اللعبة. واللعبة بقوانينها الذاتية وروحها الداخلية هي الأساس الذي يتجاوز اللاعبين.وتمثل اللعبة في شكل يجعل إمكانية المشاركة فيها من جانب المتفرجين ممكنة بشرط أن يكون عندهم وعي مسبق بحقيقة الفرجة.في اللعبة السياسية يتعلق الأمر "بالقواعد التي ينبغي أن يتحكم المرء بنفسه كي يتمكن من أخذ مكانه بين الآخرين,ومن ابراز الجانب المشروع للسلطة,وعلى العموم من تحديد موقعه في اللعبة المعقدة والمتحركة لعلاقات الإمرة والطاعة."[5]

السياسة ليست شعارات أو قرارات بل هي حياة وممارسة لا يمكن للمرء أن يعكف على هذه الممارسة إلا باختيار حر وطوعي وينبغي أن يكون اختياره مبنيا على التحكيم والتعقل وقوة الشكيمة ورباطة الجأش وجودة الروية. إن مزاولة النشاط السياسي هي بالضبط حياة مرتبطة بالتزام شخصي ودائم, وهي ليس أمرا تكميليا يبحث من خلاله المرء عن المجد والشرف والجاه إرضاء لرغبات النفس (التيموس) بل هو أمرا قطعيا يستجيب به لنداء الواجب ويتطابق من خلاله مع الحق الطبيعي الذي يشير بأن الإنسان حيوان سياسي وهو كذلك قرارا شخصيا يتخذه المرء في الإطار العام المحدد بأصله وطبقته يشارك به في الشأن العام. تعتني السياسة الحيوية بالتشريع حول الصحة العمومية وتحرص على احترام الخاضعين للقانون وتضمن للأفراد حرية المبادرة وتأخذ ظاهرة السكان بنتائجها ومشاكلها بعين الاعتبار وتهتم بعقلنة المسائل المطروحة على الممارسة الحكومية والمتعلقة بالظواهر الخاصة بمجموعة من الأحياء الذين يؤلفون جملة السكان:الصحة، نسبة المواليد، طول العمر،الأجناس وتريد أن تعلم الموقع الذي احتلته هذه المسائل وما مثلته من رهان سياسي اقتصادي إلى اليوم."وبعد تكنولوجيا التشريح السياسي للجسد الانساني التي تم ادراجها خلال القرن18نرى ظهور شيء آخر غير هذا التشريح السياسي للجسد الانساني,شيء أسميه ب"السياسة الحيوية" Bio-politique للنوع البشري وذلك في نهاية القرن نفسه."[6]

إن مولد السياسة الحيوية يتوقف على الدفاع عن المجتمع والتفكير في أمن الأقاليم والاعتناء بصحة السكان وربط حكم الآخرين بحكم الذات و العزوف عن الاعتناء بطقوس الموت والبحث عن طرق لصنع الحياة لجميع الناس دون أي استثناء بتمكينهم من الاعتناء بأنفسهم. تنظر السياسة الحيوية إلى الحقل البشري كمجموعة من القوى المتصارعة وتفهم حكم الأحياء بعيدا عن شرائط ضبط المجتمع التأديبي وقريبا من استراتيجيات اللعب السياسي. فماذا نعني باللعبة السياسية؟

"فيما يخص اللعبة التنافسية التي يحاول المرء بواسطتها أن يظهر ويؤكد تفوقه على الآخرين,فيجب أن تندرج في حقل أوسع وأكثر تعقيدا بكثير من العلاقات السلطوية.بحيث انه يقتضي اعادة النظر في مبدأ التفوق على النفس كنواة أخلاقية أساسية وكشكل عام للهيوتوقراطيةHéautocratisme.هذا لايعني أن يزول,انما ينبغي أن يفسح المجال أمام نوع من التوازن بين التفاوت والتبادل في الحياة الزوجية,وفي الحياة الإجتماعية والمدنية والسياسية,يلزمه احداث نوع من الفصل بين السلطة على النفس والسلطة على الآخرين."[7]

تتميز اللعبة السياسية بالإجراءات والإستراتيجيات التالية:

1 – : السياسة أمر نسبي فهي نشاط ظرفي وليس نتيجة محتومة وطبيعية لمقام محدد سلفا,إنها فن الممكن يبحث عن شروط الحكم الملائم والمناسب لشعب معين في مكان وزمان معينين وذلك استجابة لحاجات محدودة ضمن وضعيات طارئة.

2 – النشاط السياسي ليس نوعا من التسلية التي ينكب المرء عليها لأنه ليس لديه شيء آخر يفعله ولأن الظروف مواتية على أن يتخلى عنه حالما تظهر الصعوبات في وجهه أو عندما يتكفل أشخاص مقتدرين بالقيام به.

3 – التواشج بين النشاط السياسي والفعل الأخلاقي والجمع بين سياسة الحقوق وأخلاق الواجبات طالما أن فضيلة الحاكم عنصر ضروري للنشاط السياسي وطالما أن الأخلاق هي شرط إمكان قيام السياسة الراشدة.

4 – ارتباط المصير الشخصي للفرد بالنشاط السياسي له,إذ ينبغي أن يرتبط التدخل في الشأن العام بحسن تسيير الشأن الخاص والانهمام بالذات.

5- إتقان اللعب السياسي بأن يحدد المرء قواعد اللعبة السياسية وأن يزن القوى ويقدر التحالفات ويقيس المسافات ويدقق في الوسائل ويشخص في أشكال السلطات التي تتحكم فيه حتى يتمكن من التحكم في نفسه ومن ثمة التحكم في الآخرين وافتكاك موقع ضمن هذا الخضم.

6 – إعداد ايتيقا(طريقة عملية) حيوية تسمح بأن يكون المرء نفسه بنفسه كذات بالنسبة إلى هذه النشاطات السياسية مهما كانت اللعبة معقدة ومهما كانت علاقات الأمر والطاعة بين الحاكم والمحكومين متحركة ومتشابكة.

7 – تكثيف نقط المقاومة ضد السلطة عبر تنظيم استراتيجي لها, الأمر الذي يجعل حلم  الثورة ممكنا, إن المقاومة قادرة لوحدها أن تحررنا من نظام القانون الأعظم الذي سخره الفكر السياسي منذ عصر الأنوار. لأن"لم يعد الناس ينتظرون امبراطور الفقراء ولا ملكوت الآخرة,ولا حتى عودة العدل الذي يتصورونه سلفيا,فما يطالب به وما يقوم مقام الهدف هو الحياة المفهومة كحاجات أساسية,كجوهر الإنسان المحسوس,كإنجاز لإمكاناته وككمال للممكن.قلما يهم ما اذا كان المقصود بذلك هو نوع من اليوطوبيا أم لا.فنحن هنا أمام سياق نضالي واقعي جدا,فالحياة كموضوع سياسي اعتمدت فورا,اذا صح القول,ووجهت ضد النظام الذي كان يقوم بمراقبتها.اذن لقد أصبحت الحياة,أكثر من الحق بكثير,رهان النضالات السياسية حتى ولو كانت هذه الأخيرة تعبر عن نفسها من خلال اثبات الحق."[8]

تعود السياسة الحيوية في إطار الانهمام بالذات وتدبير المتوحد للحديث عن خصال الحاكم وآداب صاحب السيادة لكن ليس بنفس المعنى القديم بل في ثوب إصلاحي جديد هي المبادئ التي ينبغي أن يتحلى بها السياسي اليوم.فماهي التوجيهات التي ينبغي أن ترشد مسئولا ما ذا مقام رفيع نسبيا في ممارسة مهامه؟

1- الصفة القانونية:

علي السياسي أن يقوم بواجباته دون أي اعتبار لحياته ومصالحه الشخصية  ودون أي تحيز لطائفته أو عائلته أو دينه أو جنسه و ألا يتبع كل ما تفرضه عليه أهوائه بل يسترشد بالعقل المستقيم.

2- أساس المشروعية:

إن وضع الكائن العاقل هو الذي يرسي أساس العلاقات بين الحاكم والمحكومين. "احكمنا ككائنات عاقلة بأن تبين لنا ما هو نافع وسنتبعك".

3- تغليب السلم على الحرب والإنصاف على العدل والقيم على النجاعة في مستوى السلوك السياسي والتشريع القانوني والتدبير الأخلاقي. لكن"هل ينبغي عندئذ قلب العبارة التي تقول إن الحرب سياسة لا تعتمد وسائل السياسة للقول بأن السياسة حرب لا تعتمد نفس الوسائل؟"[9]

4- النظر إلى النشاط السياسي كوظيفة ينبغي تأديتها وليس كعرش ينبغي الجلوس عليه إلى الأبد طالما أن"المسؤول السياسي هو خادم الدولة الحديثة" { فيبر}.

5- التحلي بروح الاعتدال والتوسط إذ عليه أن يضبط روحه المميزة Ethos بشكل لائق الاعتدال ونفاذ البصيرة بحيث يتجنب الغلو والتقصير والإفراط والتفريط ويزكي نفسه بالاستقامة والسماحة.

6- ممارسة صاحب السيادة لوظيفته بالارتجاع إلى ذاته أي إن العلاقة التي يجب أن يقيمها الحاكم مع نفسه تتمثل في أن يوجهها في الاتجاه المستقيم من خلال اجتهاده الأخلاقي الذاتي.

7- العناية بالذات هي التي تفرض عليه العناية بالشعب والانهمام بالحياة والوجود الأرحب هو الذي يجب أن يحدد له نوعية العلاقة مع المحكومين.

أي دور إذن يمكن أن يكون للسياسة في حركة العودة إلى السلوكيات السوية بالنسبة للأفراد والحكام على السواء؟

يجب التخلي على النموذج القانوني للسياسة الذي يجعل التكون المثالي للدولة هدف لنفسه ويجعل القوة المظهر الأساسي للسلطة ويجب أن نفكر في ترك أشكال القوى المتصارعة في المجتمع تعبر عن نفسها في شكل سلمي, فبدلا من أن تطلب من الناس أن يتنازلوا عن أنفسهم ويقبلوا خضوعهم ويتحولوا إلى أتباع مثاليين يجب أن نبحث لهم عن مسالك  ينمون من خلالها قدراتهم على التفكير والفعل والإبداع.[10] ينبغي أن نخوض معركة غير منقطعة تحرك السلم وتنظر للنظام المدني على أنه أساس نظام المجتمع ونمنع اندلاع الحرب الأهلية ونكف عن اعتبار السياسة حرب متواصلة بوسائل أخرى وعن النظر إلى مؤسسات الحرب العسكرية على أنها نواة المؤسسات السياسية لمدينتنا. لابد أن نضع حدا لضجيج الحرب وفوضاها ونوقف المعارك بادراك الحرب من خلال السلم ورفض كل تحاليل التي تقوم على التصادم البيولوجي وحرب الأجناس وصراع الأديان.يجب القيام بتحقيق معمق حول كيفية حكم الناس في مجتمع معين وقيادة الأفراد على امتداد حياتهم نحو تحقيق حرياتهم وسعادتهم وخلاصهم وذلك ليس بوضعهم أمام مرشد مسؤول عما يفعلون وعما يحدث لهم بل بتربيتهم وتأهيلهم لحسن سكن العالم دون أن نتركهم يدورون حول أوهامهم بل نعمل على هدايتهم قصد الاعتراض على نسيانهم لأنفسهم.وينبغي أيضا أن ترتبط فنون الحكم بداعي المصلحة العليا بالجمع بين المحافظة على الفضائل التقليدية والمهارات الشائعة وبامتلاك فنون الحكم لمعقوليتها الخاصة في مجالها التطبيقي المحدد من طرف الدولة.

إن المشكلة الرئيسية في السياسة الحيوية ليست القانونية والمشروعية وتفادي النقص في الشرعية كخطر يهدد بزوال الأنظمة الدستورية فهذا مأزق وقع تجاوزه بالحيلة  والمكر حينا وبالقوة وإتقان وسائل المحافظة على الحكم حينا آخر بل المشكلة الرئيسية هي كيفية الحكم نفسه أي ما هي تكنولوجيا السياسية الدبلوماسية والعسكرية القادرة على تأمين وتطوير قوى المجتمع بواسطة تقنيات معقلنة في حركة ديناميكية؟

الأمر الهام في السياسة الحيوية هو معرفة تطوير قوى دولة ما تحافظ بها على السكان وثرواتهم وتجعل هذا الجمع حصيلة إرادة كل شخص يحافظ على حياته بما أوتي من وسائل دون تعريض حياة الآخرين إلى خطر. هذه السياسة البديلة ليست مجرد نظرية مثالية ولا إيديولوجيا تسلطية قهرية بل هي طريقة يصور بها المجتمع نفسه تمكنه من التصرف بالاتجاه نحو أهداف معينة ومنظمة عبر تفكير متواصل في القضاء على الفقر والجهل والظلم. تسعى السياسة الحيوية إلى عقلنة الممارسة الحكومية حسب داعي المصلحة العليا وتدمج في حسابها بصورة طبيعية مشاكل السكان من أجل أن يكونوا وافرين ونشطين إلى أكثر حد ممكن بالنسبة لقوة الدولة وتحاول قدر الامكان رعاية حقوقهم الأساسية.

"فالحق في الحياة,في الجسد,في الصحة,في السعادة,في اشباع الحاجات,والحق في أن يكتشف المرء ذاته وكل ما يمكن أن يكون,متجاوزا كل الاضطهادات أو الاستلابات,هذا الحق الذي لم يكن مفهوما أبدا من قبل النظام القانوني الكلاسيكي,كان الرد السياسي على جميع الاجراءات السلطوية التي لاتخضع,هي أيضا,لحق السيادة التقليدية."[11]

إن السياسة الحيوية هي وسط بين رذيلتين – رذيلة الإفراط في استعمال القوة وفرض النظام ورذيلة عدم الكفاية بالنسبة للتدابير اللازمة لحسن تنظيم حياة السكان. كما ينبغي أن تعوض سؤال : ماهو أصلح ظام سياسي يمكن إتباعه لحكم الناس؟  بسؤال جديد : لماذا إذن يجب أن نحكم؟

كما أن منطق الربح والخسارة لم يعد يهمها في المعارك التي تخوضها الشعوب مع السلطات السياسية  طالما أن:"ثنائية المنتصر والمنهزم غير مجدية وغير فعالة في وصف كل هذه العملية.لأنه في الوقت الذي يصبح فيه القوي ضعيفا والضعيف قويا فإنه ستكون هنالك تعارضات جديدة وانشقاقات جديدة وتوزيعات جديدة:الضعفاء سيتحالفون فيما بينهم,وسيبحث الأقوياء عن تحالفات بين بعضهم البعض."[12]

إن فكرة المجتمع هي التي تتيح تطوير تكنولوجيا للحكم متناسبة معه, تطور ديناميكية وقدرات أفراده. فالمجتمع وليس الدولة هو الذي يجبرنا على الانتقال من سؤال: كيف يمكن أن نحكم بأكثر قدر ممكن وبأقل تكلفة ممكنة؟ وطرح سؤال جديد هو: لماذا يجب أن نحكم؟ أي ما الذي يجعل من الضروري وجود حكومة وأي غايات يجب أن نسعى إليها بالنسبة إلى المجتمع لتبرر وجودها؟

هل يمكن أن تعتبر السياسة الحيوية عنصرا حاسما في التحول المنشود في اللعبة السياسية لتحقيق عملية صنع المستقبل بالنسبة للإنسان الآخر الجدير بالسكن في المعمورة؟  بعبارة أخرى هل السياسة الحيوية ترجمة عملية لنهج الطريق الثالث ذي الصبغة الاقتصادية؟

 

 

 

 

المراجع:

 

ميشيل فوكو – جنيالوجيا المعرفة – في السلطة- ترجمة السطاتي/ بنعبد العالي-  دار توبقال المغرب -1988- ص80/81 .

ميشيل فوكو – يجب الدفاع عن المجتمع – ترجمة الزواوي بغورة – دار الطليعة – بيروت -  أكتوبر 2003- ص233/253 .

ميشيل فوكو – الانهمام بالذات – ترجمة مركز الإنماء القومي– بيروت – 1992-  ص 58/ 66.

ميشيل فوكو – إرادة المعرفة – ترجمة مركز الإنماء القومي- بيروت- 1990- ص 137/159.

-  دروس ميشيل فوكو 1970-1982  – ترجمة محمد ميلاد دار توبقال للنشر الطبعة الأولى  1994 ص -47 -53-59-67

 

- Michel Foucault    Naissance  de la bio-politique Ed Seuil/Gallimard  Paris 2004.

 

*كاتب فلسفي

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1]  ميشيل فوكو  إرادة المعرفة ترجمة مركز الإنماء القومي بيروت 1990 ص 27

[2]  ميشيل فوكو  يجب الدفاع عن المجتمع  ترجمة الزواوي بغوره دار الطليعة بيروت الطبعة الأولى 2003 ص92

[3]  ميشيل فوكو  إرادة المعرفة ترجمة مركز الإنماء القومي بيروت  1990 ص 148

[4]  دروس ميشيل فوكو  ترجمة محمد ميلاد  دار توبقال للنشر الدار البيضاء الطبعة الأولى ص 59

[5]  ميشيل فوكو  الإنهمام بالذات ترجمة مركز الإنماء القومي بيروت 1992 ص 66

[6]  ميشيل فوكو  يجب الدفاع عن المجتمع  ترجمة الزواوي بغوره دار الطليعة بيروت الطبعة الأولى 2003 ص 236

[7]  ميشيل فوكو  الإنهمام بالذات ترجمة مركز الإنماء القومي بيروت 1992 ص 66

[8]  ميشيل فوكو  إرادة المعرفة ترجمة مركز الإنماء القومي بيروت 1990 ص 146

 [9]  ميشيل فوكو جنيالوجيا المعرفة ترجمة أحمد السطاتي/عبد السلام بنعبد العالي دار توبقال للنشر الدار البيضاء 1988 ص 79 

[10] « Le gouvernement de l’état doit,bien sur,respecter un certain nombre de principes et de règles qui surplombent ou dominent l’état et qui sont par rapport à l’état extérieurs. Le gouvernement de l’état doit respecter les lois divines,morales,naturelles,autant de lois qui ne sont pas homogènes ni intrinsèques à l’Etat. » Michel Foucault    Naissance  de la bio-politique Ed Seuil/Gallimard  Paris 2004.p6.

 

[11] ميشيل فوكو  إرادة المعرفة ترجمة مركز الإنماء القومي بيروت 1990 ص 147 

[12]  ميشيل فوكو  يجب الدفاع عن المجتمع  ترجمة الزواوي بغوره دار الطليعة بيروت الطبعة الأولى 2003 ص 168




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home