مقال

 

ملاحظات أولية من حرب أهلية !

زين العابدين الأنصاري



بسم الله الرحمن الرحيم

ملاحظات أولية من حرب أهلية !

الحرب الأهلية التي طال امدها لم تنته بعد ولا يبدو انها ستنتهي في وقت قريب ...

 

لماذا هذه الصعوبة في انهاء الحرب ؟

 

لماذا هذه الصعوبة في التوصل إلى اتفاق ؟

 

المسألة ليست شكلية .. إنها مسألة تتعلق بصراع لم تكتمل فصوله بعد ولم تؤد النتائج فيه حتى الآن إلى قناعة لدى الطرف الأميركي الذي فجر الصراع ودعا إلى الخراب ...

 

إن الإقرار بالحرب الأهلية أمر صعب رغم أن الواقعية السياسية تقضي بضرورة الاقرار بها من الطرف المعني بها فانكارها لا يغير الوقائع ولا يبدّلها ...

 

الحرب الأهلية كانت تأكيداً على تأزم بنيوي عميق في التركيبة العراقية نفسها وقد طال هذا التأزم جميع المستويات الحياتية وأي حل لهذه الحرب سيكون مؤشراً على وجود غالب ومغلوب والطائفية المتفجرة في العراق لم تبرز قط الا في اطار مشاريع السيطرة الأميركية على هذه المنطقة ويخطيء من يعتقد أن الطائفية العراقية شكلت أو يمكن أن تشكل مشروعاً سياسياً مستقلاً عن هذه المشاريع الأميركية بل هي احدى الركائز الاقليمية ـ المحلية والدولية لها ولا يكفي مواجهة الطائفية ونظامها الطائفي في العراق فحسب بل ينبغي ربط هذه المواجهة على الصعيد الثقافي من جهة بالمواجهة ضد مشاريع التهجير والتقتيل والاستيطان والسيطرة الخارجية من جهة أخرى فزوال الطائفية ونظامها وحتى الأحتلال مرهون بمجابهة هذه المشاريع وصولاً إلى مجتمع حرّ تسودة العدالة الحقيقية والديمقراطية الحقة .

 

بالمناسبة .. وبدونها تقتحمنا الحرب وتستضيف الجميع على مائدة الموت التي هي للجميع أيضاً .. ترنو إلينا وتنتظرنا وهي ترتدي ثوباً طائفياً يعيد أصطفاف الناس وراء طوائفهم فليس صحيحاً القول أن نقل الناس قسراً من ساحة الصراع إلى مناطق أخرى ذو وجه وحيد الجانب ،طائفي في النموذج العراقي، بل هو سياسي بالدرجة الأولى ويأتي في سياق إضعاف قوى سياسية لصالح قوى سياسية أخرى داخل التركيبة الأجتماعية الواحدة والقوى المسيطرة و(الحكومة) الحاكمة في العراق هي المسؤولة الأساسية إن لم نقل الوحيدة عن تحويل الصراعات الدائرة إلى مجابهات طائفية عنيفة تطال أبناء طوائف بكاملها على أختلاف انتماءاتها الأجتماعية وذلك لاضعاف دور هذه الطائفة أو تلك التركيبة الأجتماعية ومن الطبيعي أن يكون رد أبناء هذه الطائفة أو تلك على محاولة تهجيرهم وإضعاف دورهم السياسي في هذه التركيبة بالأسلوب نفسه إذ لا يملكون أسلوباً آخر في هذا المجال والمجازر الطائفية التي ترتكب من هذا الجانب أو ذاك مطلوبة بإلحاح من قبل الحكيم وزبانيته .. البرزاني وحلفائه .. الدليمي وتوافقه لتدعيم تطلعاتهم ،أطماعهم وأحقادهم ولا بد من لجم هذا الاتجاه لتغير وجه البلاد في العمق وليس في الشكل .

 

 

 

عادت الحرب الأهلية إلى دورتها المعقّدة بحيث وضعت البلاد أمام مفترق جديد .. لكن الحرب الأهلية تُستعاد الآن في ظل ظروف بالغة التعقيد : هناك أولاً ـ ناهيك عن الاحتلال الامريكي .. الاحتلال الايراني للجنوب ولأجزاء من بغداد هذا الاحتلال الذي يحاول خلق دمى محلية لتأبيد سيطرته كما يحاول أن يجعل من الجنوب حدوداً أمنية ( وربما ) جغرافية شبه دائمة لايران وهناك ثانياً وجود الميليشيات الكردية والدور الاسرائيلي الغالب فيها هذا الوجود انتقل بعد الاحتلال إلى وجود عسكري فعلي وفاعل عبر المشاركة في اعمال العنف الدائرة الآن واستقدام الخبراء والمرتزقة لايصال الوضع إلى حافة الحرب وهناك ثالثاً التعقيدات البالغة الخطورة الناجمة عن التحالفات التي يقوم بها الضاري مع كل من السعودية ومصر والاردن وليست كارثة التحالفات هذه سوى مؤشر على هذا التعقيد وعلى خطورته أيضاً وهناك رابعاً الموجة الطائفية التي تجتاح البلاد وقيام التجمعات الطوائفية باستعادة المبادرة لمصلحة اطروحات الخوف والتخويف .. القتل والتقتيل التي حولت البلاد إلى دويلات شبه مستقلة بما يعنيه ذلك من تفتت وانحلال وخراب وهناك أخيراً المحاولة الاميركية ـ الاسرائيلية وتلك العربية المعروفة لاستعادة السيطرة الكاملة على منطقة الشرق الاوسط ومنطقة الخليج وهي محاولة معقدة بين حليفين معروفين يترددان طويلاً أمام دفع الفاتورة المكلفة لهذه الاستعادة وضمن هذه الظروف البالغة التعقيد يحترق العراق حد الاختفاء ويتلاشى العراقي .

 

إن مراجعة دقيقة لما جرى في الماضي القريب وما سيجري في قادم الأيام لا يمكن أن يتم بمعزل عن مراجعة ومراقبة الحاضر الدامي الذي يعبث بكل الأشياء وسط اشتعال نيران الحرب الأهلية ووسط عمليات الخطف والمذابح المجانية والقصف المتبادل والمفارقة العجيبة أن جميع الأطراف المتقاتلة تريد إبقاء الوضع بكل مساوئه للمحافظة على وجودها الهش على الرغم من كثرة التصريحات الفنطازية المزيفة والمقرفة التي تعلن من هذا الطرف أو ذاك بين فترة وأخرى ذاك لأن الكلام ـ التصريح بهذا المعنى لم يكن يحمل في طياته أفقاً حقيقياً وصادقاً للحل غير أنه سمح ،على الأغلب، بزيادة العنف وبلورة التناقضات المتشابكة وكشف النوايا .

 

 

أزمة البلاد هي أزمة المحتل بالدرجة الأولى والفئة الحاكمة بجميع أجنحتها الطائفية لذلك لم يكن هروب الفرد العراقي ،مجدداً، إلى خارج الحدود نوعاً من المغامرة أو البحث عن بديل آمن بل من عدم وانعدام قدراته على تحمل المزيد من الموت والتهجير والقسر كما أن الزيارات المكوكية لكل من بوش،طلباني،والمالكي وغيرهم من ملوك الطوائف لا تقدم شيئاً لحل أزمة البلاد ومحنة العباد بل تدفع باتجاه مزيد من تعقيد الأزمة حتى يجبر العراقي على القبول بغرائبية موته، فهل يمكن بعد كل هذه الزيارات واللقاءات أن ينشأ عراق جديد من بين أنقاض الدمار في ظل الوجود الأميركي وزحمة العمائم وتكاثر اللحى الكثة ؟ هذا ما ستخبرنا عليه الأيام القادمة .

 

 

مساوئ الصمت تطرح اليوم على هيئة أسئلة جديدة لن تكون هذه المرة بمثل الأسئلة التي طرحت بمناسبات عدة ولم نجد من يستطيع الأجابة عنها ذاك لأن فوائد الكلام تلاشت بين الشعارات الطائفية بحيث أصبحت تحمل مداليل مختلفة والتقسيم والتقاسم تما بفضل الأحتلال .. من هنا ،مرة أخرى، سيبدو الكلام وكأنه لحظة اعادة نظر في المواجهات الصريحة .. لكنه لن ينهي المواجهة والحل الحقيقي للمواجهة يجب أن يُبحث عنه في المواجهة نفسها ،أي في بلورة خط وطني حقيقي صادق يتجاوز طروحات الطوائف ومخاوفها ويبني مقاومة فكرية وطنية رصينة تطرد المحتل ومن معه وتؤسس لبنية سياسية،ثقافية،أجتماعية وديمقراطية جديدة .

 

 

 

محاولات توضيحية من وحي الزيارات المكوكية ووقائع المؤتمرات الصحفية ...

 

يبدو لنا من اجل الدقة في تحديد الكلام واتجاهاته انه لا بد من الحسم في موضوع الحرب الأهلية وطبيعتها وأي نوع من الحروب هي وهو حسم في معظمه مفتعل وله غايات تدخل في صلب الحرب نفسها والقتال الدائر فيها بين الفرقاء .. الأمر واضح لا التباس فيه فتصريحات العراب (الحكيم) بشأن السنة ووصفهم بالخاسر الأكبر جعل السعودية تلوح بامداد السنة بالمال والسلاح ـ تأملوا مقال نواف عبيد في الواشنطن بوست ـ لمواجهة الهجمات الشيعية والمهلة الأخيرة التي منحها بوش للمالكي ولقاء الطلباني (بصديقه القديم ) احمد نجاد كل هذه التفاصيل تجعل من الرئيس بوش يرفع الشعار القديم المعروف ( الانتحار ولا الاندحار) .

 

ولسنا من السذاجة بحيث نغمض الأعين عن هذا الكلام بكل دلالاته وعن تأثيره وفعله في الايام القادمة .. ويالها من أيام عصية وعصيبة .

 

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home