مقال

 

الشباب هموم الحاضر وتطلعات المستقبل الجزء الثاني

زين العابدين الأنصاري



بسم الله الرحمن الرحيم

تكملة الجزء الثاني من البحث الأول :

 

  ولأن اليوم ليس الأمس فشباب اليوم ليسوا هم شباب الأمس ، و أحلام و آمال الشباب اليوم تختلف عن أحلام و آمال شباب الأمس ، وقضايا و هموم شباب اليوم تختلف عن قضايا و هموم شباب الأمس ، كما أن قضايا شباب الغد لن تكون متطابقة بالكامل مع قضايا شباب اليوم .

 

وفي هذا البحث نحاول أن نستعرض أهم قضايا و هموم  وتطلعات جيل الشباب ، مع اعطاء رؤية و حلول لما يواجهه الشباب من قضايا شائكة ، ومشاكل مستعصية .

وهي بالتأكيد ليست قضايا سهلة الحل ، ولكنها ليست صعبة أيضا" اذا توفرت عند جيل الشباب الإرادة الفولاذية ، والعزيمة القوية  والثقة بالنفس ، والهمة العالية ، والنشاط الدائم .... فالتحلي  بهذه الصفات الخيّرة القادرة على تجاوز و حل كل ما يواجه جيل الشباب من مشاكل ومصاعب في طريق بناء  الذات  وتحقيق النجاح ، وصنع المستقبل .

.......................................... نهاية المقدمة

البحث الأول : 

                             البناء الروحي

 

خلق الله الإنسان ككائن فريد من نوعه ، وقد كرمه وفضله على سائر المخلوقات الأخرى ، فالإنسان باعتباره أشرف المخلوقات و أعظمها ، يتحمل في مقابل ذلك مسؤولية البناء و التعمير و الإصلاح ، ,إقامة العدل ، ونشر الخير ، وتعيم الفضائل ، ومنع الرذائل ، إنها مسؤولية الأمانة . 

والإنسان كائن عجيب من حيث الخلقة والقدرة ، فقد خلقه الله عز وجل مزدوج  الطبيعة ، فيه عنصر مادي طيني ، وعنصر روحي سماوي  و نتيجة لتركيب الانسان المزدوجة  من عنصرين الطين و الروح فأن عنصر الطين يشده إلى الارض ، وما ترمز اليه من شهوات وملذات و غرائز ، وهو بحاجة إلى اشباع غرائزه وشهواته من مأكل و مشرب وملبس ومسكن ومنكح ...

في حين أن عنصر الروح يدفعه نحو اشباع ميوله و رغباته  الروحية و المعنوية / كما يدفعه كذلك الى الرقي في مدارج السمو الروحي ، والتحليق في سما المثل والقيم .

وقد زود الانسان بالغرائز المادية  التي تدفعه وتحثه على القيام بعمارة الارض ، وتكثير الجنس البشري ، وإدارة الحياة .

و لولا هذه الغرائز لانعدم التقدم والتطور و التحضر ، ولا نقرض الجنس البشري منذ قديم الزمان كما انقرضت الديناصورات منذ ملايين السنيين .

كما زود الإنسان بالميول و الرغبات  والغرائز الروحية و المعنوية كي يقوم بعبادة الله عز وجل :

 ( وما خلقت الجن و الانس الا يعبدون )سورة الذاريات ، 56

 

و لولا ذلك لما عبد الإنسان الله عز وجل ، ولما شعر بالحاجة اليه ، ولما تذوق لذة محبته .

ومن الضروري خلق التوازن بين الجسم والروح ، كي لا يطغى جانب على حساب آخر ، إذ لو طغى الجانب المادي ( الطيني ) في الإنسان على الجانب الروحي فإن ذلك يهبط به الى مستوى البهائم أو اضل سبيلا" .

 

ولو طغى الجانب الروحي  على الجانب المادي فإن ذلك سيؤدي به الرهبة و التصوف  و الإنعزال عن الحياة ، ومن ثم ترك القيام بمسؤولية  عمارة الأرض ، وبناء الحضارة  و إدارة الحياة ، وهذا ما يؤكد لنا أن التوازن الدقيق هو المنهج الصحيح في التربية  وبالخصوص جيل الشباب .

 

فلا تطغى قبضة الطين على نفخة الروح ، ولا نفخة الروح على قبضة الطين ، فالله عز وجل  خلق الإنسان مزيجا" منهما ، ويريد منه أن يعيش كذلك ! .

 

والشباب حيث القوة  العنفوان و الشعور بالعجب و الإقتدار أحوج ما يكونون للتوازن الدقيق بين متطلبات  الجسم و لوازم الروح ، ولأن النفس أميل بطبيعتها إلى الإنشداد إلى غرائزها  وشهواتها المادية ، فإن الشباب بحاجة  قوية الى مجاهدة النفس  ، و ممارسة الرياضة الروحية ، وترويض  الذات على سلوك طريق الحق و الهدى والصلاح .

 

وجيل الشاب حيش يعيش صراعا" قويا"  محتدما"  و يوميا" بين شهواته ورغباته  المادية من جانب ، و ميوله و رغباته الروحية المعنوية من جانب آخر ، يقع في إمتحان عسير ، فإن قدم شهواته على مبادئه وقيمه و مثله ، فإنه بذلك يكون قد اتخذ إلهة هواه ، و إما أ، ينتصر لمبادئه وقيمه و مثُله الدينية ، عندئذ  يكون قد اجتاز الإمتحان بنجاح !

 و الإسلام لا يمنع من اشباع الغرائز المادية و لكن يجب ان يكون ذلك بالحلال ، و بوسائل مشروعة ، وضمن حدود  و ضوابط الشرع ، و إلا فلا يمكن للإنسان أن تجاوز و يتجاهل حاجاته المادية من اكل و شرب و جنس  ومال ..... 

وليس من الصحيح أن يكون الإنسان منعزلا" عن الجانب المادي في كيانه ، وإنما نتحدث هنا عن الإنسياق  وراء الشهوات ، و الإنغماس  في الملذات بطرق غير  مشروعة ، ومن دون حدود ولا قيود .... فهذا هو الممنوع و المحرم .

 ولما أن الشباب  هي مرحلة الهيجان  واستيقاظ الغرائز  لابد من الإهتمام  بالجانب الروحي  للشباب ،  فهم أحوج ما يكونون إلى الارتباط  بالخلق عز وجل ،  والتقرب إليه و التوسل به ، وبذلك يقترب  الشباب أكثر  و أكثر من ربه  وخالقه تبارك و تعالى .

  وفي عصر طغت فيه المادية على كل شيء ،  و لك بفعل الحضارة المادية والتي  تركز على كل ما هو مادي ، وتتجاهل  كل ما هو روحي و قيمي ، أصبح السباحة في بحر الشهوات   و المادية الحديثة ، وعنوان  المدنية و التقدم و التحضر !
 و قد قسمت الفلسفات المادية  الحديثة المعرفة إلى طبيعة ( فيزيقيا ) وما وراء  الطبيعة ( ميتافيزيقيا ) فاعترفت الأولى و أنكرت الثانية  و اعتبرتها مجرد خرافات  و أساطير  و تصورات  ابتدعها الانسان  من وحي خياله و تفكيره   ، وهذا ما ادى  الى تقويم العلاقة بين الانسان  من وحي خياله  وتفكيره ، وهذا ما أدى إلى  تقوية العلاقة  بين الإنسان و الطبيعة  وكل ما هو مادي و محسوس ، و الانقطاع عن عالم الروح وكل ما هو قيمي و مثلي ، وقد انعكس هذا سلبا" على سلوك الإنسان  وممارسته المادية ، فالإنسان في ظل الحضارة المادية أصبح يمارس كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة في سبيل الوصول  إلى غاياته  وأهدافه ، وإن كان  ذلك على حساب الأخلاق  والقيم الإنسانية .

أما فلسفة الإسلام تجاه الإسلام فهي قائمة  على التوازن  بين أبعاد الإنسان  و مكوناته  الروحية و العقلية والجسمية ، وهو لا يجيز الوصول الى الغايات و الأهداف النبيلة إلا من خلال وسائل و أساليب نبيلة أيضا" .

 و وحدة الخالق  وتوحيده حرر الإنسان من عبودية الذات ، ومن عبودية  الإنسان لأخيه الإنسان ، وبذلك يتحقق للإنسان الحرية الحقيقة  القائمة على توحيد الله عز وجل ، و الخضوع له ، ورفض الخضوع لأي كائن آخر .

  و تعتبر العبادات الشعائرية من صلاة و صوم و حج و زكاة ... وسائل مهمة لبناء الروح ، و تنمية المثل و القيم  الروحية في الإنسان .

 كما أن تلاوة القرآن الكريم ، والدعاء ، والمناجاة الأثر الأكبر  في تنمية الروح و تغذيها .

 إن التزام الشباب بالصلاة و الصيام و الزكاة  والحج و الأمر بالمعروف  والنهي عن المنكر ، وتلاوة القرآن  والدعاء و الإبتهال  الى الله سبحانه و تعالى  هو الذي يحافظ على شعلة الدين في نفوس الشباب ، وينمي  الأبعاد الروحية  لديهم ، مما يجعلهم أقوياء أمام ضغوط النفس ، و أعباء الحياة ، و مغريات  الحضارة المادية  الحديثة .

 و التمسك بالقيم  الروحية و المعنوية  هو أفضل حصانة  للشباب من الإنهيار أمام مغريات  المادة ، أو تحول إلى عبيد الشهوات ، كما أن البناء الصلب  للجوانب الروحية هو الذي يجعل الشاب قريبا" من الله ، و محبوب عنده ، وعند الناس .

فإذا أردت أن تكون محبوبا" عند الله قريبا" منه ... فليكن شبابك وحياتك كلها لله عز وجل وفي طاعته و عبادته ...................

 

نهاية البحث الأول .... ولله الحمد

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home