دراسات هامة

 

المراقد ودورها في النهوض الحضاري

نضير الخزرجي



المراقد ودورها في النهوض الحضاري وإنماء الدخل القومي
نضير الخزرجي*

لا يمكن إدراك قيمة أية مدينة من مدن الأرض، إلا اذا تم النظر اليها من زاوية الحياة والتعامل معها ككائن حي، له روح ونفس، فالمدينة تتنفس بالعظام والكرام من أهلها الأحياء منهم والأموات، وتتغذى على مائدة تراثها، لتدر حليب البقاء والديمومة وتسقيه أبناءها، فيحيون ما حييت الأم ويموتون اذا ما ماتت.
وتنفرد بعض المدن بخواص، ينحصر وجودها في أرجائها وتستحيل في غيرها، تدول الدول وتنصرف الأيام بأهلها من حال الى حال، لكنها تبقى زاهية موردة، تشع قصورها بين مملكة المدن، وكلما حاول اللئام من الحكام محوها من الوجود وطمسها من درب تبانة الحياة ورميها بعيدا لتلتهما دوائر العدم السود، ما اندرست، بل وتعود ثانية أقوى على الهزاهز من سابقتها، فهي كالذهب كلما قربت منه النار ازداد صفاءاً، وكلما عرضته للصقل ازداد لمعاناً، ولأنها بهذه الخاصية الفريدة والنادرة، يتكالب عليها أرباب الظلم لطمر معالمها ما أمكنهم الى ذلك سبيلا.
وسهم الحقيقة ليس بنابٍ عن هدفه من كون المدن المقدسة التي تضم رفات المقدسين من الرجال والنساء أو مقاماتهم، هي من بنات المدن التي تشرأب بأعناقها وسط أكوام المدن الدانية والقاصية، وتقصّ من أنبائها جيلا بعد آخر، يستعذب القريب لحديثها، ويخطب البعيد ودّها، لما لها من أدوار محمودة في تقريب البعيد وتأليف القريب، ورفد الأمة بعناصر البقاء وكمياء الحياة، رغم الريح الصفراء التي تهب عليها بين الفينة والأخرى، تريد اجتثاث شجرتها، وليست بقادرة، لأنها منظورة بعين الله ومحروسة بدعوات الأولياء، وصبر أهلها، ومباركة بما تضمه من عظيم أو عظيمة، له عند الله كرامة وعند كرام الناس منزلة.
هذه الحقيقة، الحارة على قلوب اللئام والباردة على صدور الكرام، يتناولها كتاب "دور المراقد في حياة الشعوب" من إعداد المحقق والباحث عبد الحسين الصالحي، الذي وجد في مقدمة الجزء الأول من مجلد تاريخ المراقد، للمحقق الفقيه الدكتور الشيخ محمد صادق الكرباسي، مادة خصبة تستحق أن تظهر للقراء في كتاب مستقل، لاسيما وان الكتابة عن دور هذه المراقد في حياة الشعوب بمختلف تأثيراتها، كما يقول المعد الصالحي: "مما لم أجد ممن كتب عنها حسب اطلاعي"، فاجتزها من المجلد وتناولها بالدراسة والبحث ووضع عليها تعليقات هنا وهوامش هناك، وصدرت عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 208 صفحات من القطع المتوسط، تزينه العشرات من صور المراقد والمقامات والمساجد والمآذن والقبب، في دراسة تحليلية ومقارنة قلّ نظيرها، يجريها المحقق الكرباسي، لبيان العلاقة بين ثقافة البلد ومعتقدات أهله ونوعية البناء المقام على رفاة القديس، ودور المراقد والمقامات في البناء الحضاري والرقي السياسي والألفة الاجتماعية والتنوع الثقافي والتقدم الاقتصادي والتطور العمراني، وغيرها من مجالات المدنية.
وليس هذا بغريب على شخصية المصنف الذي يجتهد في كل مجلد من مجلدات دائرة المعارف الحسينية أن يأتي بالجديد من كل باب علم ومعرفة، ولم يكن الأمر مستغربا عند المعد، لأنه عرف: "الشيخ الكرباسي منذ أوائل شبابه جيد الانتباه شديد الذكاء حاد الذهن دقيق النظر عميق الفكر ... فنهض سماحته بالتأليف في هذا المضمار بأكبر موسوعة في مناقب أبي الأحرار وسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (ع) والتي لم يكتب من صدر الإسلام حتى يومنا هذا مثلها ... بحق إنها أعظم موسوعة عرفها التاريخ".
ويدخل المصنف الى صلب الموضوع، فيضع المائز بين المرقد والمقام وان اشترك اللفظان في كونهما ظرف مكان أو زمان، فالمرقد مكان رقود الولي والقديس وضجعته بالمرقد، وأما المقام فهو اسم مكان من الإقامة، ويطلق على المكان الذي أقام فيه القديس طالت المدة أو قصرت: "ويطلق في الغالب على أماكن تواجد الأنبياء والأئمة والأولياء كمقام أمير المؤمنين علي (ع) والنبي نوح (ع) في مسجد الكوفة أو مقام الامام الصادق (ع) والإمام الكاظم (ع) في كربلاء المقدسة". ثم يفصل المصنف القول في "المراقد" الخاصة بالهاشميين وقطب رحاها مرقد الامام الحسين (ع)، الذي تعرض الى محاولات حثيثة لدرسه مرات ومرات.
وتحت عنوان "بناء المراقد وقدسيتها"، يرى المحقق الكرباسي أن الروايات المانعة عن إقامة المراقد لا تنهض قبال الأدلة القاطعة والروايات الصحيحة القائلة بها، ووجد أن من الجفاء عدم زيارة قبور الأئمة، بخاصة وان هذه المراقد كانت ولا زالت تمتلك الدور الكبير في استنهاض الشعوب بوصفها مهوى قلوب الناس من الثوار والصلحاء. ولا تقتصر النهضة على جانب دون آخر، فهي عملية متكاملة، ولذلك فان الكتاب وتحت عنوان "الدور السياسي للمراقد" يستعرض جانبا من الدور السياسي لمرقد الامام الحسين (ع)، منذ اليوم الذي استشهد فيه (ع) على يد السلطة الأموية التي حولت حكم الخلافة الاسلامية الى ملكية وراثية وعضوا فيها على النواجذ باستخدام سياسة الترهيب والترغيب والإعلام المضلل، فكانت ثورة التوابين وثورة المختار وغيرهما.
وسار العباسيون حذو الأمويين في التعرض الى مرقد الامام الحسين (ع) بوصفه قبلة للأحرار: "فجاء المنصور العباسي ليأمر بهدم قبر الحسين (ع) ويمنع الموالين من زيارته وأعقبه هارون فنهج نهجه الى أن وصل المتوكل الى الحكم فحرث القبر أربع مرات أملا في محو أثره". وهذه السلسلة من محاولات التخريب للمرقد الشريف، جعلت رجال الساسة على معرفة بدوره وتأثيره الكبيرين، فحاول الكثير منهم التقرب الى الناس بزيارة القبر الشريف او تعميره، أو بيان احترامه وتعظيمه، فهذا السلطان العثماني الشهير سليمان القانوني (1495-1566م) عند زيارته لقبر الامام الحسين (ع) ترجّل من مسافة بعيدة، وحسب ما يقول عبد الجواد الكليدار مؤلف كتاب (كربلاء وحائر الحسين)، أن سليمان القانوني ما إن وقعت عيناه على القبة المنورة حتى ارتعشت أعضاؤه حتى انه لم يستطع الركوب على الفرس فأنشد يقول:
تزاحم تيجان الملوك ببابه    ويكثر عند الإستلام ازدحامها
إذا ما رأته من بعيد ترجلت   وإن هي لم تفعل ترجل هامها
ويرى المحقق الكرباسي: "إن ملوك ورؤساء وأمراء العالم وشخصياته البارزة كانوا لدى زيارتهم للعراق يقصدون زيارة الامام الحسين (ع) ليثبتوا لشعوبهم ومريديهم ولاءهم لصاحب القبر وليبرهنوا بأنهم على خطاه وخطى جده (ص) وأبيه (ع) علّ ذلك ينفعهم للبقاء أو الوصول الى الحكم"، كما إن السلطة الحاكمة في بغداد، كانت تأتي بالزعامات السياسية العربية والإسلامية الى كربلاء المقدسة ولأسباب عدة، وقد رأيت بنفسي في هذه المدينة المقدسة عددا من المسؤولين العراقيين وغير العراقيين، من قبيل الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، والرئيس السوداني المخلوع جعفر النميري، ووزير خارجية ايران المخلوع عباس خلعتبري، وزوجة شاه ايران المخلوع فرح ديبا.
ويتطرق المصنف الى عدد من النهضات والثورات التي انطلقت من كربلاء المقدسة او تأثرت بأهداف نهضة الامام الحسين (ع)، مثل ثورة العشرين بالضد من الاستعمار البريطاني في العام 1920م وانتفاضة شعبان في العام 1991م بالضد من نظام صدام. وكما كانت قيادة الثورة العشرين في كربلاء بقيادة الزعيم الديني الشيخ محمد تقي الشيرازي (ت 1920م)، فإن أول علم للحكومة الوطنية الملكية انتصب في هذه المدينة المقدسة في العام 1921م، ورفعه السياسي السني البارز علي البزركان، وذلك في مبنى بلدية كربلاء، وحسب قول المعد: "يذكر بعض المهتمين بالشؤون الاجتماعية أن العلم العراقي الأول والذي كان يحتوى على أربعة ألوان: الأبيض والأخضر والأسود والأحمر كان يرمز الى الدول الاسلامية الكبرى التي حكمته، والمهم أن الأخضر كان يرمز الى دولة العلويين، وكان أيضا يحتوى على نجمتين كل واحدة منهما لها سبعة شعاعات في إشارة الى عدد المعصومين الأربعة عشر (ع) والذي قسّم العراق يوم استقلاله الى أربعة عشر لواءً - محافظة-"
ولاشك أن المراقد المقدسة المنتشرة في أنحاء الأرض، تقرب القلوب، ولهذا يعاديها أصحاب النفوس الغليظة والرؤى الضيقة من أدعياء السياسة والدين، وهذا ما يبحثه المصنف تحت عنوان "دور المراقد المقدسة في ترسيخ العلاقات بين الشعوب"، إذ كانت ولازالت: "المراقد المقدسة في الجزيرة العربية والعراق وإيران ومصر وسوريا وفلسطين المغتصبة، وبالذات في المدينة المنورة والنجف الأشرف وكربلاء المقدسة والكاظمية المشرفة ومشهد المقدسة وسامراء المشرفة ودمشق والقاهرة والقدس الشريف، كانت سببا مباشرا في توثيق عرى الأخوة والمحبة بين الشعوب الاسلامية على اختلاف لغاتها وجنسياتها".
ولا يقتصر دور المراقد على الجانب السياسي، فلها دور ثقافي مشهود، يبرزه المصنف تحت عنوان "الدور الثقافي للمراقد"، ولهذا فان المراقد المنتشرة هنا وهناك هي في واقع الأمر حواضر علمية وصروح ثقافية، كما إن زيارة المحبين لهذه المراقد على طول السنة تساعد بشكل كبير على نشر الثقافة وانتشارها، بلحاظ أن الحواضر العلمية تتفرع اهتماماتها العلمية من النقلية الى العقلية والى الأدب وغيره، فهي مراكز إشعاع علمي وثقافي.
ومن الطبيعي أن يكون لهذه المراقد والمقامات دور روحي مباشر على الناس، وهو ما يبحثه المصنف تحت عنوان "الدور الديني للمراقد"، وهذا الدور له تأثيرات كبيرة ومباشرة على جوانب كثيرة من حياة الناس في هذه المدن وحواليها، في مجالات اقتصادية واجتماعية، فعلى سبيل المثال، يرى الباحث الكويتي الدكتور عبد الله فهد النفيسي، في كتابه (دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، ص75): "إن انتشار هذه المراقد عامل استقرار في حقل الاتفاقات التجارية والمعاهدات القبلية ويخلق جوا من الثقة المتبادلة في العلاقات الاجتماعية". وهذا الدور كان محل تأمل لدى الأديب والرحالة أبو بكر الخوارزمي (ت 393هـ)، كما يقول الباحث الفلسطيني البروفيسور حنّا بطاطو (1926-2000م)، ذلك: "قبل قرابة ألف سنة خلت كان أبو بكر الخوارزمي قد حسد شعب العراق لأنه كما قال يوجد بينهم مقاما أمير المؤمنين (ع) والحسين سيد الشهداء (ع) وفي تلك الأيام لم يكن اسم العراق يشير الى حدود العراق اليوم بل فقط الى ذلك الجزء من جنوب الخط الذي بين الأنبار على الفرات وتكريت على دجلة، أي أن عراق تلك الأيام كان يتطابق مع ما هو موطن الشيعة وكان قلب الطائفة يومها - كما هو اليوم - في الفرات الأوسط".
وليس بخاف على احد ما للمدن المقدسة من دور مباشر على اقتصاد الدخل القومي، وهو ما يبحثه المصنف تحت عنوان "الدور الاقتصادي للمراقد" و"الدور السياحي للمراقد"، ففي بعض الدول، تدخل المدن المقدسة كمصدر رئيس من مصادر الدخل القومي، مثل العراق والسعودية ومصر وإيران وسوريا، حيث تشهد هذه المدن حركة سياحية دينية واسعة على مدار السنة، فعلى سبيل المثال شهد مرقد الامام الحسين (ع) في العام 1996م زيارة نحو سبعة ملايين مسلم من داخل العراق وخارجه لإحياء زيارة الأربعين، ومثله لإحياء النصف من شعبان من العام نفسه، ومن الطبيعي فان الزائر يخلق تدويرا اقتصاديا يدر بالأرباح على المدينة المقدسة وعموم الاقتصاد الوطني.
وفي مجال الزخرفة والعمران والعمارة الاسلامية، يبحث المصنف تحت عنوان "الدور الفني للمراقد"، بوصفها: "تحف فنية رائعة وآثار قديمة ونفيسة تعتز بها الأمم والشعوب وتعتبرها ثروة وطنية وإنسانية تخص عموم البشرية ويجب المحافظة عليها لما تحتويه من فن معماري رائع ورصيد تاريخي وروحي وديني زاخر، ومن شأن ذلك أن يجعلها مركزا سياحيا مهما". فيتطرق الى "الريازة الزجاجية" و"الفسيفساء" و"التخاريم الخشبية" و"الصياغة" و"المرمر". وتحت عنوان "دور المراقد في العمران والبناء"، يؤكد على حقيقة: "حفظ المسجد والمرقد ملف تطور العمارة الاسلامية على مر العصور وكان شاهدا حياً وسِفراً خالداً ينطق بمراحل التطور العمراني والحضاري للمدن الاسلامية". وتحت عنوان "الزخرفة في العمارة الاسلامية"، يؤصّل المحقق الكرباسي لتاريخ ورود الزخرفة في المساجد والمراقد، ويرجعها الى عهد الفتوحات الاسلامية الأولى وتأثر البناء الاسلامي بعمارة الثقافات الأخرى في المدن المفتوحة، فكان الخليفة عثمان بن عفان (ت 35 هـ) أول من أدخل الزخرفة في المسجد النبوي، وعمد معاوية بن أبي سفيان (ت 60 هـ) الى زخرفة المساجد وتزيينها في الشام وغيرها، وبشكل عام: "وفي كثير من الأحيان دخلت الزخرفة في المباني الدينية في الإسلام بشكل عفوي حين كانت القصور والكنائس المزخرفة تتحول الى مساجد للعبادة".
ويستفيض الكاتب تحت عنوان "مفردات من العمارة الاسلامية"، في التعريف بالمفردات الداخلة في العمارة، باحثا في العلاقة بين العمارة الاسلامية والعمارة في الثقافات الأخرى ونقاط الإلتقاء والافتراق ونقاط التأثر والتأثير، مستفيدا من زخم من الصور في تقريب المعنى للقارئ، فيشرح مفردة "الرواق" التي اتخذها الخليفة عثمان بن عفان لأول مرة في المسجد النبوي أثناء حكومته، وشيئا فشيئا: "أصبحت الأروقة احد العناصر المعمارية التي يتألف منها المسجد والمرقد والبلاط فيزيدها بهاءً وجمالا وأدخل فيها الكثير من الفنون المعمارية حتى صارت روعة من الروائع الهندسية ومأثرة من المآثر المعمارية".
 وشرح المصنف مفردة "الصحن" وهو المكان الرحب أو المتصل بالمرقد او المسجد وفيه تقام الصلوات والاحتفالات والمؤتمرات وحلقات الدرس. ويشرح مفردة "القبة" وهي: "نوع من البناء المحدودب الذي له شكل كرة أو بيضة مشطورة من وسطها أو على شكل مخروطي أو حلزوني"، والتي يصعب إرجاعها الى تاريخ محدد لاستخدامها في العمارة بشكل عام، غير أن المؤرخين يذكرون أن ابراهيم بن مالك الأشتر (ت 71 هـ) قائد قوات المختار بن أبي عبيدة الثقفي (ت 67 هـ) وبعد تولي الأخير الكوفة عام 66 هـ بنى على مرقد الامام الحسين (ع) قبة من الجص والآجر، وهذا التاريخ متقدم على العام 72 هجرية الذي يشير إليه البعض بأنه العام الذي شهد بناء أول قبة في الإسلام في مسجد الصخرة المشرفة في بيت المقدس.
ويتطرق المصنف الى مفردة "المئذنة"، وتاريخ دخولها مساجد المسلمين، وكان معاوية أول من أدخلها، ويرى: "إن المسلمين في الشام تأثروا بالكنائس، والمسلمين في ايران وما وراء النهرين تأثروا بالمنار -البرج- وهذا هو الذي جعل مآذنهم بشكل عام مبنية على شكل هندسيين مربع ومدور"، وينتهي به التحقيق: "إن المسلمين أخذوا فكرة المآذن من الحضارات التي سبقتهم وأضافوا اليها وطوروها حتى أصبحت فنا اسلاميا رائعا ومتفرداً".
ويبين الكتاب تحت عنوان "المقصورة" معالم المقصورة في المآذن والتي هي عبارة عن: "فسحة مسقفة في أعلى المئذنة مشرفة على الخارج يقف فيها المؤذن في العادة ليقيم الأذان فيسمعه أكبر عدد ممكن من الناس وهي بمثابة شرفة مستديرة تطوّق المئذنة"، وهي على أنواع: الدائرية والمربعة والمضلعة، وكل منها: مكشوفة ومسقفة، وكل منها: مضمورة وبارزة، وكل منها: أحادية ومتعددة. وفي أعلى المقصورة يوجد الجوسق الذي يمثل قمة المنارة، فمنها المخروطي والمسطح وما كانت على شكل ثمرة القرع، ومنها ما هي مضلعة وغير مضلعة. ويعلو قمة كل مأذنة رمانة مصنوعة من النحاس او البرونز غالبا، ويقرر المصنف في نهاية البحث في المأذنة وأركانها: "إن بناء المآذن (الأبراج) الى جانب القبب فكرة هندسية ابتكرها المسلمون في بناء مراكزهم الدينية وبالأخص في تشييد مراقد عظمائهم وقادتهم الروحيين"، كما: "إن أقدم مئذنة بقيت حتى هذا اليوم هي المئذنة القيروانية حيث يعود تاريخ بنائها الى عام 248 هـ على أكثر التقديرات". كما يحاول أن يتلمس العلاقة بين المآذن الاسلامية والمآذن المقامة في "كنيسة شارل" في فيينا، ومآذن "الفسطاط الملكي" في مدينة برايتون في المملكة المتحدة، وبرج "استرنج ويز" في مدينة مانجستر البريطانية، كما جاءت قبة مشفى "سانت جود" لأمراض سرطان الطفل في مدينة ممفس الاميركية شبيهة كليا بقبة الصخرة في القدس الشريف، بناءاً على رغبة باني المستشفى، اللبناني المسيحي داني توماس (ت 1991م)، الذي افتتح المشفى في العام 1962.
وتنتهي المقدمة بتشخيص المصنف لتاريخ كسوة المراقد بالذهب، حيث تم في العام 1207 هـ ولأول مرة تذهيب قبة المرقد الحسيني الشريف من قبل السلطان محمد خان القاجاري (ت 1212 هـ).
ولا يخالني الشك أن هذا المقدمة، أبرزت الكثير من معالم الفن المعماري، وأظهرت واقع المراقد والمقامات في حياة الشعوب ودورها في خلق نسيج اجتماعي قويم، رصين في ثقافته وقوي في اقتصاده، تستقطب فيه المدن المقدسة العلم والمال على حد سواء، فهي حاضرة علمية ومنتدى اقتصادي ومنتجع روحي.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات - لندن
 alrayalakhar@hotmail.com

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home