دراسات هامة

 

العلمانية

خالد العلوي



سبحانك ربي العظيم

خالد العلوي

 تعددت المذاهب الفكرية والفلسفية في قرننا الحاضر وكل منا أصبح له مذهب خاص وفلسفة خاصة ونظرة خاصة إزاء انبعاث الحياة في الكون وفي الإنسان وفي المعتقد وفي السلوك ، فقد شهد العالم الغربي على وجه الخصوص ثورات فكرية عديدة خصوصا فيما يمسى بالعصور المستنيرة ، وأهم هذه الثورات كانت الثورة العلمانية التي قام بها البرجوازيون على الكنيسة نتيجة صراع حاد و شرس وعنيف بين البرجوازية والإقطاعية وسلطة الكنيسة, ففي تلك الفترة الإقطاعية كما يحدثنا التاريخ المعاصر كانت وسائل الإنتاج جميعا بيد الكنيسة  والإقطاع فقد كانوا يتولون مهمة إيجاد الأيدي العاملة المشغّلة لوسائل الإنتاج التي كان أهمها الأرض وكانت الكنيسة تحصل على حصتها خالصة من الإقطاعيين , لكن بعد تطور وسائل الإنتاج والثورة الصناعية ظهرت الطبقة البرجوازية وسعت لتضع  وسائل الإنتاج بيدها وسعت للتخلص  من تسلط الكنيسة وطغيانها ومحاولتها الوقوف بوجه أي محاولة للتقدم العلمي كإعدام العالم غاليليو لمجرد إثباته نظرية علمية رأت فيها الكنيسة أنها مخالفة لتعاليمها ، لهذا سعت البرجوازية وبشدة إلى التخلص من  استبداد الكنيسة التي كانت أعلى سلطة روحية إلى جانب سلطة الإقطاع, وأسفر هذا الصراع بعدها عن نجاح مسعى البرجوازية والانتصار على سلطة الكنيسة وتدمير سلطة الإقطاع .
إذا ً هكذا بدأ ميلاد العلمانية وهكذا بدأ  غزوها للعالم بمعية من البرجوازيين الذين استطاعوا فعلا من تحرير  المجتمع الغربي من قيود الكنيسة التي كانت تحول دون التطور الرأسمالي و العلماني وتدمير كل العلاقات الإقطاعية التي كانت تربط الإنسان بسادته الطبيعيين لتجعل ما يربط الإنسان بالإنسان والإنسان بالحياة المصلحة ، المصلحة البحتة فقط .
 والعلمانية كلفظ تعني اللا دينية أو  الدنيوية وهي مشتقة من العالم وليس من العلم كما يخطئ الكثير في تفسيرها وهي اتجاه فلسفي ونفساني وسلوكي نحو الحين والآن واللحظة وهذا الاتجاه يتستر بالعلم والعلماء ويتخذهم وسيلة للوصول إلى غايته ، والعلمانية تهدف إلى صرف الناس عن التفكير بالله وباليوم الآخر وبالدين وجعل تفكيرهم منصب على الحياة الدنيا فقط ، وهي تعني أيضا حسبما تتداول في العالم الإسلامي عزل الدين عن الدولة أو فصل الدين عن الحياة أو إقامة الحياة على غير المعتقدات الدينية .

والعلمانية كما يحلو لصديقي المفكر اللبناني جهاد سعد أن يصفها هي فلسفة وديانة دنيوية أنتجت فيما بعد آلهتها ( حكام العالم الجدد ، ومعابدها ( البورصة والمصرف ، والسلوك السياسي الملائم لمضمونها ( الذرائعية المادية ) والأقانيم الخاصة بها ( المال والسلطة والشهوة ) بدل ( الأب والابن وروح القدس ) والعلمانية  تنقسم إلى قسمين جزئية وشمولية والحديث هنا سيكون عن العلمانية الشمولية وعن نظرتها المتسترة بالعلم  على وجه الخصوص إزاء مسألة خلق الكون التي تحاول بكل جدية وصرامة أن تبعد عنها الله والمعتقدات الدينية وأن تؤسس قيام الكون ونشوءه على المعتقدات العلمانية الصرفة ، وهي تستشهد لإثبات زعمها بنظريات العلماء التي تركز على البعد المادي للكون وعلى أن المعرفة المادية المصدر الوحيد لشرح جميع الألغاز الكونية  وعلى أن الإنسان يغلب عليه الطابع المادي لا الروحي، ويطلق عليها أيضا العلمانية الطبيعية المادية نسبة للمادة وللطبيعة ، والعلمانية الشمولية تهدف إلى أن تجعل  من المعرفة المادية  إلها يعطيها بعدا ً آخر للحياة ولما هو كائن عليها ، بُعدا ً ينسف كل مفاهيم الحياة القائمة على المعتقدات الدينية وعلى وجود الله ويؤسسها على العلم ، العلم فقط الذي ينظر إلى كل شيء في الكون على اعتباره مادة صرفة يستطيع علم الفيزياء وتفريعات العلم المختلفة أن تفسّر ماهيته بكل سهولة ويسر  .
 روّج مريدو العلمانية لفلسفتهم الجديدة عبر القرون المنصرمة مدعين أنها فلسفة تسعى لإنقاذ الإنسان وتحريره من سلطة الكنيسة وسلطة اللاهوت ولتنقذه من الإشكاليات العديدة التي يقع فيها المعتقد الديني في شرح فكرة الخلق والخالق  وحطّت كل جهدها لترويج هذه الفلسفة ونشرها وتصديرها للعالم أجمع ، فأقيمت المؤسسات السياسية والقانونية والاجتماعية والثقافية والفكرية التي تدعو لها وكتبت الكتب التي تبشر بها ونجحت العلمانية فعلا في إسقاط ونسف الكثير من المفاهيم والمعتقدات التي كان يؤمن بها الإنسان الغربي من قبل وتمكنت من هز فلسفته التي كان يؤمن بها عن الله والدين وعن القيم المطلقة والغيبيات وجعلته ينبهر بهذا العلم الذي بات يؤكد ما هو مرئي بإرادته و بمادته وكتلته وكثافته وينفي ما هو غير موجود باعتباره ليس إرادة ولا مادة ولا كتلة ولا كثافة .
 واستطاعت العلمانية عبر مسيرتها العالمية بعد ذلك أن تذيب العالم  و تجعل من عصرها عصرا ذهبيا أسمته عصر العولمة ذاب العالم كله فيه في بعضه البعض بعد أن حولته إلى  قرية واحدة كبيرة تتلاشى فيها  الحدود الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية ،وها نحن نرى اليوم أيادِ العلمانية وأيادِ العولمة من حولنا وهي تمتد لتعبث بأدبياتنا ومؤسساتنا وأخلاقنا ومعتقداتنا وأفكارنا وتتمكن من التأثير على بعض مفكرينا وبعض مثقفينا الذين باتوا يطالبون بفصل الله ودين الله تماما عن أمور الحياة وعن شؤون البلاد والعباد فيما يختص بأمور الحكم والسياسة ،  ويتخذون من العلمانية وربيبتها العولمة مقياسا لأفعالهم وأخلاقهم وتوجهاتهم وقناعاتهم ومصالحهم العامة والخاصة ، فالعلمانية في باطنها ترى أن الخنوع والخضوع لسلطة غير سلطة المرء لنفسه يُعد ضربا من الجنون وترى أن السلطة الربانية التي حملتها الديانات ليست أكثر من مخدر ٍ صنعته أياد ٍ ذكية وعبقرية  لتجعل الناس تغط في أحلام وردية  لا تسمن ولا تغني من جوع .
 كانت المعتقدات الدينية عقبة ووجود الله عقبة تقف في وجه العلمانية منذ البداية ، ورغم كل ما وصلت إليه العلمانية من نظريات وقيم عن نشوء الخلق ونشوء الكون إلا أن النظرة الدينية لتفسير ما وراء الطبيعة وما وراء الكون  خصوصا شكلّت  تحديا كبيرا للعلمانيين ونظرتهم لبدء الخليقة  التي ترفض وبشدة أن يكون هذا الكون خرج وتقيّد بنظام إلهي يسير عليه كما تسير الساعة ، لهذا نرى اهتمام  كبار المثقفين والمفكرين والمؤمنين بالمعتقد العلماني منصب على وجوب نسف المعتقد الديني والإلهي وبوجوب انتزاع الإنسان من المعتقدات والأفكار التي تقيّد فكره وتحبس حريته وتحد من قدرته على التفكير والعمل والإبداع والتي تجعله حسبما ترى ليس قادرا على الرقي والتطور بمخرجات عمله ومعيشته وهو مكبل بأغلال الدين والإله  .
 لكن هل نجح العلمانيون فعلا من عزل الدين عن حياة الفرد ؟ هل تمكنت العلمانية فعلا من انتزاع الله من عقل وقلب الإنسانية ؟ هل حققت كل ما أرادت أن تحققه فعلا كما أراد لها مريدوها ؟
ربما استطاعت العلمانية لفترة ٍ ليست بقصيرة من التأثير على مخرجات الإنسان الغربي في المقام الأول من تفكيرٍ وعملٍ ورؤيةٍ وربما استطاعت فعلاً في وقتٍ من الأوقات أن تتجاوز الدين وتجعله في الصف الثاني بعد أن كان الأول حين كانت تعرض نفسها للناسِ كداعيةٍ للخيرِ وللحريةِ وللعدلِ وللمساواةِ وللقيمِ الإنسانية ولتخليص الفرد من أعباءِ الدين والكنيسة ولإعطاء الإنسان تفسيراً عن كل ما يحدث في الكون بالعلم وبالفيزياء وبالمنطق مع إبقاء الله والمعتقدات الدينية  والكتب السماوية خارج المنطق وخارج العلم وخارج الفيزياء ، ربما استطاعت أن تفعل ذلك حين كانت تعرض العلم على أنه المنقذ الذي سينقذ الإنسان من أعباء الحياة الدينية وقيودها وأفكارها والذي سيزيح من على صدره كل الأحجار والجبال الثقيلة التي تربض على كافة أصعدة وتفريعات حياته اليومية والذي سيسهم في دفعه نحو الحرية و الرقي والتطور والإبداع وتحسين مستوى المعيشة .
 إذا ًالمفترض للعلمانية اليوم بعد كل هذه العمل وكل هذا التأثير الذي قامت به وكل هذه الثورات والنقلات أن تقضي على الدين تماما ، المفترض أن تتمكن فعلا من تنحية الله عن المقامات الكونية والخلق وإحلال العلم كبديلٍ آخر للمعتقداتِ الإنسانية السياسية الاجتماعية الثقافية الدينية، لكننا نجد أن العلمانية لم تتمكن من تحقيق  هذا الزعم  وإلى اليوم نجد أنها  لم تتمكن أصلا من شل حركة الدين  ولم تتمكن أيضا ً من انتزاع فكرة الخالق من عقل الإنسان أو حتى اقتلاع الفكرة من جذورها ، فالواقع يقول أننا نشهد في العصرِ الأخير نتائج عكسية ومخالفة لتوقعات العلمانية تماما فارتباط الإنسان بالدين وبوجود خالق أصبح أكثر شدة من الماضي ، خصوصا بعد أن صدّرت حياة العلمانية للبشرية أكثر من حربٍ راح ضحيتها ملايين الأبرياء وكادت أن تمسح فيها الحضارات الإنسانية من الوجود .
 هل هذا العصر العلماني والمادي المتطور والمتداخل علميا وعمليا في كافة الأصعدة استطاع حقا من إحلال العلم إلهاً وخالقاً للكون وأن يعطي للبشرية تفسيرات مقنعة بأن كل شيء في الكون قائم عليه وعلى تفريعاته المختلفة  ؟
 ها هو ذا العالم المادي الدكتور " ديفز " المتحمس للعلم وأكبر رعاة النظرية المادية البحتة في تفسير الأشياء يعترف قائلا  بصعوبة تركيب الكون الحالي بشكل عشوائي أو بشكل الصدفة ويعترف بأن الكون يبدو حساسا جداً لتبديلات الأعداد  ، ويعترف بأنها  تميل لأن تكون مدروسة بحذرٍ شديد ، ويقول على ما يبدو أن الطبيعةَ اختارت لثوابتها الأساسية قيماً عددية بتوافق إعجازي معها ، بحيث تبقى الدليل الأكثر قوة في جوهر التصميم الكوني ، يقول د.ديفز الطبيعة تختار لثوابتها الأساسية قيماً عددية بتوافق إعجازي عجيب وهو يستبدل كلمة الله بالطبيعة لأنه يكابر ويرفض وجود فكرة الخالق من الأساس وفي نفس الوقت لا يستطيع أن ينسب مسألة الدراسة الدقيقة لتبديلات الأعداد لعلم الفيزياء أو غيرها من العلوم  ، حتى ذلك العالم الذي حاول بشدة أن يبعد فكرة خلق الله للكون واعتبر أن الخلق ليس سوى سلسلة من المصادفات يعترف في كتابه   "مختصر تاريخ الزمن" بالتوازن العجيب في معدل التمدد في الكون ويقول إذا كان معدل التمدد بعد ثانية واحدة من الانفجار الكبير أصغر بمقدار حتى جزء واحد من مائة ألف مليون بليون ، فالكون سينهار في ثانية على نفسه قبل أن يصل إلى حجمه الحالي .
   على ماذا يدل هذا التوازن العجيب وعلى ماذا تدل هذه العملية الدقيقة المتزنة في التحكم بالمقامات الكونية ؟  حسنا ً الدكتور ديفز يواصل اعترافه قائلا ماذا لو اختارت الطبيعة وآثرت مجموعة أعداد تختلف قليلاً عما هي عليه فعلاً ؟ ويجيب د.ديفز (العالم سيكون مكاناً مختلفاً تماماً، و نحن سوف لن نكون هنا لنراه ، و الاكتشافات الحالية المتعلقة بالكون البدائي تجبرنا على قبول أنه قد تم ضبط الحركة في الكون المتمدد بنظام ودقة مدهشة) ؟
  العالم ساكيما وهو من أشد أنصار نظرية الكون المستقر يقول لم أدافع عن نظرية الكون المستقر لكونها صحيحة، بل لرغبتي في كونها صحيحة، ولكن بعد أن تراكمت الأدلة، فقد تبين أن اللعبة قد انتهت، وأنه يجب ترك نظرية الكون المستقر جانباً ؟!!

 الفيلسوف الملحد" فلوف" يقول أن الاعتراف بوجود محرك خلف الانفجار الكبير يفيد الإنسان من الناحية النفسية، ويقول إن أنموذج الانفجار الكبير شيء محرج جداً بالنسبة للملحدين، لأن العلم أثبت فكرة دافعت عنها الكتب الدينية فكرة أن للكون بداية وهذه البداية تشير إلى وجود محرك يقف خلف البداية وخلف الانفجار ، هنا نستشهد  بكلام الله الواحد الأحد حين قال في محكم كتابه العزيز " أولم يرى الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ً ففتقناهما " وللتوضيح فإن الفتق يفيد مرحلة الانشطار الدقيق والموزون ويفيد التنظيم والسيطرة على عملية التفكيك والتجزئة فمن بلاغة العرب أن تقول حين تريد أن تصف شيئا منظم ومتزن قبل انفتاقه وبعد انفتاقه أن تطلق عليه لفظة فتق والفتق هنا  كأن تقول كما قال ذي الرمة في بيت ٍ من بيوت الشعر العربي القديم يصف فيه ولادة الصبح قائلا وقد لاحَ للساري الذي كمل السُّرى ،،،، على أخرياتِ الليلِ فتقٌ مُشَهَّرُ ، والمقصود أن الصبح ينفتق بشكل بديع ومنظم ومحكم وفي توقيت محكم ومنضبط يزول فيه الظلام ويظهر فيه الصباح بدقة واتزان ونظام لا مثيل له بين ما هو مفقود وما هو مولود ، فالانفتاق عملية تصديع وتشقق منظمة لأن لفظة الانفجار  على اعتبار الذي حدث انفجارا وليس انفتاقا فقط يعني تشقق وتصدع وانفجار غير منظم وعشوائي وهذا يعني أن  الكون في هذه الحالة لن يقوم على هذا التوازن والنظام العجيب المدهش ولكان الكون تبعثر واختل وهذا ما يؤكده العالم البريطاني فرد هويل بقوله كل انفجار يشتت المادة ويبعثرها دون نظام، ولكن هذا الانفجار الكبير عمل العكس، بشكل محفوف بالأسرار، إذ عمل على جمع المادة معاً لتشكيل المجرات !! وكلنا يعرف  أيها السادة أن القرآن الكريم ذكر الانفتاق ولم يذكر الانفجار والإعجاز هنا أن الانفجار كما أسلفنا يتم بشكل عشوائي كأن يرمي أحدكم بقنبلة فتتناثر بدون نظام  لكن الانفتاق كما هو في اللغة عند العرب التي هي لغة القرآن عبارة عن عملية تفكيك تحدث بنظام بديع ومحكم ومتزن  .
حسنا من ضبط حركة التمدد الكوني بدقة ودهشة بعد الانفتاق أو الانفجار كما يطلق عليه ؟ من ذا الذي تحكم وأمسك ونظّم كل هذه التوازنات العجيبة والمذهلة ؟ من ذا الذي قام بكل عناية وحرص بهذه العملية الانفتاقية المنظمة ؟  ، ترى من كان يقف خلف كل ما جرى وما يجري في الكون بعد اعترافات علماء المادية والملحدين هل هي الطبيعة وحدها حقا ؟ هل هي الصدفة  ؟
السادة ، السيدات ، كل شيء في هذا الكون يدل على وجود خالق حكيم ومدبر وعظيم وكل شيء يجري يثبت أن ما يجري  بأمره وبسببه وكل ما وصل إليه العلم رغم مكابرته ومحاولته لإقصاء الخالق بعيدا عن تفاسيره الكونية يعد ضرباً من ضروب التخبط والفوضى لأن العلم نفسه يقف عاجزاً عن تفسير ما يحدث بدون قبول فكرة وجود " الله " وعن حل لغز الدقة والنظام والتوازنات العجيبة بالفيزياء أو بكل ما وصل إليه العلم من تطور ورقي،  لهذا وجد العلماني المادي الملحد نفسه في مأزق علمي وعقلي ومنطقي خطير ، مأزق يهدد صلب النظرية التي قامت عليها أبحاثه وابتكاراته واستنتاجاته وقناعاته .
  لهذا بتنا نرى العالم اليوم يُقبل على الإيمان بوجود الله وعلى الاعتقاد الديني عن الخلق والخليقة كما لم يقبل عليها بالأمس بل وصل الأمر بالإنسان الذي كان يمارس معتقداته وطقوسه الدينية بشكل متقطع أو بشكل العادة والروتين أن يقبل عليها ويمارسها وهو أكثر خشوع وأكثر إيمان وأكثر ورع وأكثر التزام ، أصبح الدين ينتشر أكثر وأصبحت المقامات الكونية وتفاسير حدوثها وعملها ومسبباتها التي حاولت العلمانية إبعادها عن الله وإلصاقها بالعلم وحده أكثر التصاقا بالدين وبالله ، بل أصبح عدد الذين لم يكونوا يؤمنون بالله وبالأديان أكثر إيمانا عما قبل ، ورغم أن العالم ربما بفضل العلمانية أصبح أكثر حداثة وأكثر جرأة وأصبح يتمتع بحرية فكرية سياسية ثقافية اجتماعية كما أرادت له العلمانية أن يكون إلا أنه بكل ما أرادت له أصبح متعلقا بالله وبالدين أكثر عن متعلقات العلم لأنه رأى بعين عقله أن العلم يثبت وجود الله ولا ينفيه ويثبت ما جاءت به الأديان عن الله وبدء الخلق ولا يبطلها .
 يقول رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله " يولد المرء على الفطرة ... " إلى آخر الحديث وفطرة المرء خلقت بالأصل وهي مؤمنة بوجود الله فالإيمان بالله شيء ينبع من فطرة المرء نفسه وبالرغم من كل محاولات العلمانية على تجيير هذه الفطرة  وتخديرها وتوجيهها باتجاه العلم وحده إلا أن المحاولات لم تفلح أبدا في القضاء على فكرة الإيمان بالله وبوجوده بل إن الإنسان حمل كل الإرث الذي صنعته العلمانية وما زالت تصنعه ليثبت به وجود الله ، حتى كبار المثقفين من العلمانيين والملحدين أنفسهم الذين كانوا يؤمنون بفصل الله عن الكون وبفصل الدين عن الإنسان أصبحوا يؤمنون بالله وبما تحمله بعض المعتقدات الدينية عن الخلق والخليقة بل ويكتبون الكتب دفاعا عنها  بعد أن صدمهم العلم الذي كانوا يتخذونه رباً بوجود ربّا حقيقياً يقف خلف كل الأحداث والمجريات والمقامات الكونية ، إذا ً الإيمان بالله وبوجوده ليس ضربا من ضروب الدهاء اخترعه بعض الغابرين وليس حيلةًٍ حاول فيها الأنبياء والرسل تضليل الناس وتخديرهم ، وجود الله ليس لغزا يصعب تفسيره وليس وهما بل إنه واضح تماما وجلي لكل صاحب عقل وبصيرة ولا شيء أصدق من الدلالة والبرهان على وجود الله مما  يحدث في المقامات الكونية ومما يحدث من أمور شهد عليها الحس والمنطق والبصر والبصيرة جعلت الناس تلوذ به رغم كل هذه العلمانية التي حاولت نشر فكرة التخدير والتضليل وسد النقص والإرضاء لحاجات روحية ناقصة في النفس الإنسانية ، إلا إن ظن البعض الذي لا يريد أن يصدق العلم ولا يريد أن يصدق فكرة وجود الله أننا خرجنا والكون والنظام والدقة والإعجاز والاتزان هكذا فجأة مع الصدفة مثلا ً .؟!!
 
 خالد العلوي
أديب وإعلامي ومفكر عماني
كاتب صحفي حر في جريدة السياسة الكويتية

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home