القلم العلمي

 

تفكير رياضي في الدين واللغة

علي عثمان



تفكير رياضي في الدين واللغة

 

د. علي عثمان –سخنين-حيفا

 

في هذا المقال أقترح إجابات على الأسئلة التالية من وجهة نظري كمعلّم وكمعلّم للرياضيّات تحديداً ، مقترحاً طريقة تجعل من تعليم القصة الدينية درساً يثير التفكير العلمي مع تبيان أسلوب التعليم الذي يقود إلى ذلك .

1. ماذا يتعلم معلّم الرياضيات من قصّة " النبي موسى والوليّ الصالح في سورة الكهف " ؟

2 . ماذا نتعلم من قصّة أهل الكهف ؟

3 . "وإن تـَعُدّوا نعمة اللّه لا تـُحصوها " ومعنى المصطلح "   لا تـُحصى ولا تـُعَدّ "

 4 . الجملة " الساعة الآن هي تمام الواحدة بعد الظهر "  ما مفهومها ؟

 

 

ماذا يتعلم معلّم الرياضيات من قصّة " النبي موسى والوليّ الصالح في سورة الكهف " ؟

تتلخص القصّة في معايشة قصيرة أرادها اللّه سبحانه وتعالى أن تحدث ، بعد أن توسل له النبي موسى أن يعلمه شيئاً من علم الغيب. فجمعه مع وليّ صالح آتاه اللّه من علمه اللادنيّ . يذكر اللّه في سورة الكهف ثلاثة أفعال قام بها الوليّ الصالح أثارت دهشة النبي موسى واثنان منها أثارا استنكاره . لم ينفك النبي عن سؤال الوليّ الصالح عن سبب قيامه بهذه الأفعال، حتى أعلمه الوليّ الصالح  بأسبابها وأهدافها . عندها فهم النبي مدى جهله بالغيب ، وعرف أن كل الظواهر التى تحدث في الكون هي لأسباب لا يعلمها إلاّ اللّه وحده ويعلم القليل منها بعض من أراد اللّه أن يعطيهم من علمه .

أراد النبيّ أن يتعلّم ، فما انفك عن السؤال حتى يعلم . هكذا يجب أن يكون حال طالب العلم ، ومن واجب المعلم أن يدفعه على السؤال. إنّ أصعب الأسئلة التي ينبغي أن يواجهها المعلّم من قبل طلابه هو : لماذا تعلمنا هذا الموضوع ؟ وهو كسؤال النبيّ موسى للوليّ الصالح لماذا فعلت هذا ؟ بالنسبة للطالب فإنّ أهداف الموضوع الذي يتعلمه هي مثل الأمور الغيبية . والتي ينبغي على المعلّم معرفتها . قبل شروع المعلم بتعليم موضوع ينبغي ذكر صيرورة نشأته ووصوله إلينا مرتباً بهذا الشكل، وأنّ السؤال هو الذي يقود الإنسان إلى التفكير بغية الوصول إلى الجواب . من اللازم ألاّ يشعر المعلم بارتياح أثناء قيامه بتعليم موضوع وطلابه يتقبلون ما يقوله بهدوء ، دون أن يعرضوا التساؤلات . فإمّا أن يكون ما يقوله سطحيّ لا يثير حبّ الاستطلاع والمعرفة وينمّي فيهم الآمال والطموح لتحقيقها ، فتعليمه كعدمه ، وإمّا أن يكون طلابه ممن تعودوا على الخضوع في الدرس ، بسبب أسلوبه أو أسلوب معلمين آخرين في الحاضر أو الماضي . وقد يكون سبب الفوضى في الدروس هو عدم معرفة الطلاب لأهداف الموضوع . فبالرغم من احترام النبيّ موسى للوليّ الصالح لمعرفته بأنّه من عند اللّه ، إلاّ أنّه ضجر من دروسه له ، لجهله للأهداف . إنّ ما فرضه اللّه وتعالى على رسوله الكريم محمّد (ص) مفروض على جميع المسلمين . الآية الكريمة " وأمّا السائل فلا تنهر " ، هي أمر من اللّه للرسول (ص) بتقبل سؤال السائل الذي يسأل ليعلم . أعارض التفاسير التي تفسّر "السائل " أنّه طالب الحاجة ، وأتّفق مع تفسير ابن كثير أنّ السائل هو طالب المعرفة والاسترشاد . فالآية الكريمة " وأمّا السائل فلا تنهر " ، في سورة الضحى ، تقابل الآية الكريمة " ووجدك ضالاً فهدى " . فيصبح المعنى  ( المخاطب هو الرسول): بما أنّك كنت ضالاً تبحث عن المعرفة فسألت اللّه فهداك فعليك أن تستقبل بالحسنى من يسألك ليعرف . لم يأمره أن يجيب عن كل سؤال . وكذلك يجب أن يكون حال المعلّم . يستقبل سؤال تلميذه بالحسنى ويتعامل معه بالصورة المناسبة . يجيب أحياناً ، يرشد أحياناً ، يوجه للمصادر أحياناً ، يشجع على التفكير والتحليل أحياناً ويطلب منه أن يمهله مدّة من الزمن ليفكّر في هذه المسألة ويثني عليه ، ثمّ يعود ليبلغه بما توصل إليه ويشجعه على السؤال .  تفسير" السائل" أنّه طالب الحاجة أدّى إلى تفاقم ظاهرة التسوّل في العالم الإسلامي . ( هذا لا يعني صدّ طالب الحاجة فاللّه يوصي بالصدقات . أمّا بالنسبة لظاهرة التسوّل فينبغي على الحكومات حلّها بالطرق الاجتماعية والإنسانية الصحيحة ) . أمّا تفسير السائل أنّه "طالب المعرفة " فإنّه حثّ على السؤال ، لأنّ السؤال "الصعب" يدلّ على عمق التفكير وبالتالي نهوض علميّ . ( واللّه أعلم ). ( سائل هو اسم الفاعل من الأفعال : سأل ، سال ، سَوِل ).

ماذا نتعلم من قصّة أهل الكهف ؟

القصة  هي حول مجموعة من الفتيان ومعهم كلبهم ، هربوا من قومهم الظالمين الذين أرادوا قتلهم . فهداهم اللّه لدخول كهف وجعلهم يبيتون فيه عدداً كبيراً من السنين وهم نيام ، وكأنّهم في يقظة ، منظرهم يرعب من يراهم ، ثمّ أيقظهم اللّه. فوجدوا أنّ الحياة قد تغيرت من حولهم ، العملة النقدية تغيرت ، الناس غير الناس الذين كانوا . لم يذكر اللّه في كتابه العزيز عدد الفتيان ولا المدّة الزمنية التي ناموها بشكل متواصل في الكهف ( مع أنّ بعض المفسرين يعتبرون الفترة 309 سنوات قمريّة ، ولكني أتّفق مع رأيّ المفسرين الذين قالوا إنّ اللّه لم يعلمنا بمقدار الفترة الزمنية ، وإنّ فترة 309 سنوات المذكورة هي ما قالها رواة القصّة السابقون ) . لم يعلمنا اللّه سبحانه وتعالى عن مكان الكهف ولا البلاد التي دارت فيها أحداث القصّة . لماذا يا ترى ؟

أرى (واللّه أعلم ) في  هذه القصّة رمزاً ربانيّاً للإنسانية  بوجود  مكان على سطح الأرض ، يشبه الكهف ، يصله ضوء الشمس ، يتمّ فيه حفظ الجسد والروح لفترة طويلة من الزمن . ثمّ يتمّ النهوض ، ليعود الإنسان إلى اليقظة والحياة الاعتيادية كيوم دخوله لهذا المكان . ذكر " الكلب " في القصة هو إشارة ربانية على أنّ الأمر لا يقتصر على حفظ الإنسان فقط  ، وإنّما يمكن حفظ الحيوان أيضاً . وإرشاد من اللّه للإنسان أثناء قيامه بالبحث عن مثل هذا الكهف أن يفحصه بالنسبة للحيوانات حفظاً لسلامة البشر . أرى ( واللّه أعلم ) أنّ عدم تحديد المكان والمدّة الزمنية في القرآن الكريم هي حكمة إلهية فيها إشارة لوجود عدّة أماكن من هذا القبيل على سطح الأرض.  إنّ عدم ذكر عدد الفتيان فيه إشارة على اختلاف سعة الكهوف العجيبة هذه (واللّه أعلم ). إنّ اكتشاف كهف من هذا القبيل هو معجزة كبيرة ، وإن استطاع الإنسان تهيئة بيئة حياتية تفي بخواصّ الكهف لهو اكتشاف عظيم بلا شك . جرت العادة أن يكتشف المجتهدون في الدين الرموز للاكتشافات العلمية في القرآن بعد اكتشافها . هذا رمز لأمر لم يكتشف بعد .

 

3 .  "وإن تـَعُدّوا نعمة اللّه لا تـُحصوها " ومعنى المصطلح "   لا تـُحصى ولا تـُعَدّ "

نسمع ونقرأ كثيراً  العبارة " لا تـُحصى ولا تـُعَدّ "  وأحياناً هناك من يقولون أو يكتبون العبارة بترتيب معكوس " لاتـُعَدّ ولا تـُحصى". في الحالتين يراد التضخيم والمبالغة. أيّ العبارتين هي العبارة الصحيحة ؟ أهي مجرد صيغ جمالية أو جمل إنشائية؟ مثل " واسع ورحب "  ، " كريم وجواد"  حيث  نعطف الكلمة أو التعبير على ما يرادفه. أم هي صيغة مبالغة

( مبالغة في الإيجاب أو مبالغة في السلب ، مبالغة في التفخيم أو مبالغة في التصغير) مثل : " سريع في الحساب وأسرع من الحاسبة" ،  "كريم ومستعد أن يعطي كلّ ما يملك"  ،  " الشكل ليس مستطيلاً وليس فيه ضلعان متوازيان" ، " لا يدري ولا يدري أنّه لا يدري" ،  " لا يقتنع برأيّ ولا يريد أن يستمع" ، " الجذر التربيعي للعدد 2 ليس عدداً صحيحاً وليس عدداً نسبياً ".
 عندما يكون العطف لمجرد الجمال أو لإضافة نعت مكافىء فلا يتغير المعنى عند قلب الترتيب. لا بل نكون قد فعلنا خيراً للكثير من القارئين أو السامعين بأن ندلّهم على معنى التعبير الذي قد يكون غريباً عنهم. ولكن عندما تكون العبارة صيغة مبالغة فيكون قلبها مضحكاً أو قل سخيفاً. فما رأيك في  العبارات" إنّه مستـُعَدّ أن يعطي كل ما يملك وهو أيضاً كريم "  ،" إنّه لا يريد أن يستمع لرأيي وإنّه لا يقتنع برأيي"  ، " لا يوجد ضلعان متوازيان في الشكل وهو ليس مستطيلاً " ؟ تقبل أن يفسر لك القائل معنى التعبير أو الكلمة ولكنّ عقلك يرفض أن يستنتج لك القائل الإستنتاجات البسيطة مما يقول. فما دام الشخص لا يريد الأستماع لرأيه فمن الواضح أنّه لا يقتنع به . إنّها نتيجة بسيطة تستطيع استنتاجها ، فلماذا يستخف بتفكيرك فيقولها لك. إنّ متوازي الأضلاع هو" شكل رباعي كلّ ضلعين متقابلين فيه متوازيان". من بين صفات متوازي الأضلاع تساوي كلّ ضلعين متقابلين فيه. من السهل استنتاجها، ولكن لا يسمح بإضافتها كجزء من التعريف. لأنّ من شروط التعريف في الرياضيات عدم ارتباط الشروط اللازم تحققها في الشىء الذي نعرّفه. أيّ انّه لا يجوز أن نذكر شرطاً يمكن استنتاجه من باقي الشروط. وذلك حفاظاً على سلامة المنطق الرياضي وجمالية اللغة الرياضية واحتراماً لتفكير القارىء واهتماماً بتقليص عدد المسلّمات الأساسية في أيّ علم ليكون العلم أكثر دقّة. نعود الآن إلى العبارة التى هي  محور الحديث وهي " لا تـُحصى ولا تـُعَدّ ". إنّ هذه العبارة  هي نفي العبارة " تـُحصى أو  تـُعَدّ "  . عندما نقول عن مجموعة أنّها تـُحصى ، فإننا نعني أنّها مجموعة نهائية. ( أظنّ أنّ مصدر الفعل" أحصى " جاء من الكلمة " الحصى " أي الحجارة الصغيرة . فكيف كان صاحب قطيع من الماعز يعرف إن كان قطيعه كاملاً أم ناقصاً في العصور القديمة، حين كانت الأعداد مجهولة ؟  كان يلائم لكل عنزة قطعة من الحصى، ويضع الحصى في حوض. وعند عودة الماعز فمقابل كل عنزة تدخل ينقل قطعة من الحصى إلى حوض مجاور. فإن تبقى حصى في الحوض عرف أنّ قطيعه ناقص بمقدار الحصى المتبقى في الحوض. فإن صار الحوض فارغاً ، عرف أنّ قطيعه عاد سالماً . بهذه  الطريقة كان يحصي قطيعه . بالرغم من أن عدد الحصى على الأرض كبير، إلاّ أنّه نهائي لكون الأرض نهائية.
          ما معنى تـُعَدّ ؟  تعريف 1: نقول عن مجموعة أنّها تـُعَدّ ( أو قابلة للعدّ ( countable )) عندما يمكن مقابلة عناصرها مع الأعداد الطبيعية أو مع مجموعة جزئيّة نهائية(تـُحصى) منها. أيّ أنّ بالإمكان ترتيب عناصرها ترتيباً تسلسلياً (نهائياً أو لانهائي): ألأوّل، الثاني، الثالث، الرابع،........ وبما أنّ الأعداد الطبيعية .......،1،2،3،4،5 هي مجموعة لانهائية فإنّ كلّ مجموعة تعد،ّ قد تكون مجموعة لانهائية(infinite ) مكافئة لمجموعة الأعداد الطبيعية أو مجموعة نهائية(finite ).
هناك تعريف آخر لمجموعة تـُعَدّ وهو تعريف 2: نقول عن مجموعة انّها تـُعَدّ (قابلة للعدّ ) إذا كانت مكافئة للأعداد الطبيعية. حسب هذا التعريف لا تعتبرالمجموعات النهائية مجموعات قابلة للعدّ. ممّا قد يجعله مرفوضاً لغويّاً، إلاّ أنّه مسموح من الناحية الرياضية، ما دام المفهوم قاطعاً. وهو تعريف معتمد في كثير من كتب الأدب الرياضي. ولكنّ التعريف الأوّل هو الأكثر شيوعاً في الكتب والمقالات حول نظريّة المجموعات(عالميّاً)]3[ . في القرآن الكريم الآية الكريمة :

" وإن تـَعُدّوا نعمة اللّه لا تـُحصوها" (سورة النحل الآية 18 ). أيّ أنّ : لو كانت مجموعة نعَم اللّه مجموعة تـُعَدّ فإنّها لا تـُحصى، أيّ أنّها لانهائية. يفهَم من هذا أنّ التعريف المعتمَد في القرآن الكريم لـ " مجموعة تـعدّ " هو التعريف الأوّل، وهو الأكثر قبولاً عالميّاً.

 ما معنى " مجموعة لا تـُعَدّ " حسب التعريف الأوّل ؟
 سأسمي العطف بـ-" أو" مثل "نجح زيد أو نجح عمرو" عطفاً احتمالياً. وأسمي العطف بـ-" و "  مثل " نجح زيد و نجح عمرو"  عطف جمع. إنّ جملة النفي للجملة  " نجح زيد أو نجح عمرو" هي " ما نجح زيد و ما نجح عمرو ". وجملة النفي للجملة  " نجح زيد و نجح عمرو" هي " ما نجح زيد أو ما نجح عمرو ". أيّ أنّ جملة النفي للعطف الاحتمالي هي جملة عطف جمع للنقيضين، وجملة النفي لعطف الجمع هي جملة عطف احتمالي للنقيضين. (هذان المبدآن هما مبدآ ديمورغان في المنطق الرياضي). بما أنّ المجموعة التي تـُعَدّ هي مجموعة  " نهائية أو مكافئة للأعداد الطبيعية " فإنّ المجموعة التي لا تـُعَدّ هي مجموعة " لانهائية ولا تكافىء الأعداد الطبيعية ". صحيح أنّ مجموعة الأعداد الطبيعية والمجموعات المكافئة لها، هي مجموعات لانهائية، ولكنّها هي الأقل عظمة وكثافة بين المجموعات اللانهائية. انظر إلى محور الأعداد وانظر تحديداً الى القطعة من 0 إلى 1 . من المؤكّد وجود لا نهاية من النقاط ( لأن بين كل نقطتين توجد نقطة أخرى). إنّ طول هذه القطعة وحدة قياس واحدة (من وحدات القياس المعروفة مثلاً المتر). لكنّ النقطة عديمة الطول( أيّ أنّ طول كل نقطة 0 ). فلو كانت مجموعة النقاط ما بين 0 و1 قابلة للعدّ لأمكن ترتيبها على شكل سلسلة لانهائية  x1،x2،x3،x4،......... . وعندما نبدأ بجمع أطوالها ، فإننا نجمع أصفاراً ، فالمحصلة 0 . وهذا يناقض كون طول القطعة وحدة واحدة. أي أن هذه المجموعة هي أعظم عدداً من مجموعة الأعداد الطبيعية، وهناك مجموعات أعظم وأعظم. فما نوع العبارة " المجموعة لا تـُحصى ولا تـُعَدّ " ؟ إنّها صيغة مبالغة ومعناها أنّ المجموعة ليست فقط لانهائية بل إنّها لا تكافىء الأعداد الطبيعية عظمة ، إنها أشدّ عظمة منها. وماذا مع العبارة " المجموعة لا تـُعَدّ ولا تـُحصى"؟ مثل هذه العبارة كمثل العبارة " كلّ أهل سخنين يحبون فريق اتّحاد أبناء سخنين وأيضاً أهل الحارة الشرقية في سخنين يحبونه ". من غير المقبول أن نضيف للمجموعة مجموعة جزئيّة منها. كما لا يجوز لك أن تقول : معي ألف شاقل وفي جيبي الأيمن مائة شاقل، لذلك معي ألف ومائة شاقل.
 نعود إلى التعريف الثاني. فحسب هذا التعريف، مجموعة لا تـُعَدّ هي مجموعة لا تكافىء الأعداد الطبيعية ، فهي: مجموعة تـُحصى( نهائية) أو مجموعة لا تـُحصى ولا تكافىء الأعداد الطبيعية. عندما نقول  " المجموعة لا تـُعَدّ "  فتوجد إمكانيتان. وعندما نعطف عليها "لا تـُحصى" نلغي بذلك الإمكانية الأولى. فيكون معنى " المجموعة لا تـُعَدّ ولاتـُحصى" هو أنّ المجموعة "لانهائية ولا تكافىء الأعداد الطبيعية". هي أعظم من لأعداد الطبيعية ( مثل قطعة على محور الأعداد). رأينا أنّ للجملتين : " المجموعة لا تـُحصى ولا تـُعَدّ " ، حسب التعريف الأوّل ، و " المجموعة لا تـُعَدّ ولا تـُحصى" ، حسب التعريف الثاني ، نفس المعنى. وهو أنّ المجموعة ذات عظمة أكبر من الأعداد الطبيعية. أيّ أنّها لانهائية ولا يمكن ترتيبها على شكل متوالية.

 

الجملة " الساعة الآن هي تمام الواحدة بعد الظهر "  ما مفهومها ؟

"ساعة " هي وحدة لقياس الزمن متّفق عليها عالميّاً مثلها مثل " متر" لقياس الطول و" لتر" لقياس الحجم و " غرام " لقياس الكتلة وغيرها كثير ، هي جميعها وحدات تمّ الاتّفاق عالميّاً لأهميته الكبيرة . عدم التمييز في اللّغة العربية ( وفي حديث الناس) بين وحدة الزمن " ساعة " وجهاز التوقيت ( قياس الزمن ) ساعة  ( نقول : ساعة يدّ ، ساعة جيب ، ساعة حائط ) هي مشكلة ، تدلّ على عدم الدقّة في تعريف الأشياء . مثل ذلك في الرياضيات مصطلح "الدائرة" والتي هي مجموعة النقاط في المستوى التي تبعد كل نقطة منها عن نقطة ثابتة ( تسمى المركز ) بعداً ثابتاً ( يسمى نصف القطر ) . فالدائرة هي خط وهمي في المستوى . من هنا فإنّ مساحة كل دائرة هي 0 . ( لأنّ مساحة الخط في المستوى هي 0 لأنّ عرضه 0 . عندما نسأل عن مساحة الدائرة فإننا نسأل في الحقيقة عن مساحة المنطقة المحصورة فيها ، عن مساحة المنطقة من المستوى التي يحدّها ذلك الخط المنحني الوهمي . أثناء تعليم الدائرة لا نفرّق بين الشيئين ، مع أنّهما مختلفان .  ينبغي التمييز ، وكنت أقترح تسمية المنطقة من المستوى المكوّنة من الدائرة وما تحصره في داخلها  " مدوّرة  " أو "قرص دائري" . عندما يشير عقرب الساعات ( القصير) إلى النقطة 1 ويشير عقرب  الدقائق إلى النقطة 12 ( يرن الجرس قليلاً) عندها يكون الوقت تمام الساعة الواحدة وليس " الساعة الواحدة تماماً " وليس  " الساعة الواحدة بالضبط " . وذلك لأنّ الساعة الواحدة هي الفترة الزمنية التي بدأت مباشرة عند تمام الساعة 12 ( أو الساعة 0 ) واستمرت لمدّة ساعة واحدة ، وتمامها كان عندما رنّ جرس الجهاز . كل هذه المدّة الزمنية هي الساعة الواحدة وليست اللحظة التي رنّ فيها جرس الجهاز. فالصحيح " أعلنت الساعة ( جهاز التوقيت ) تمام الساعة .... " . لهذه الملاحظة يجب أن ينتبه معلّم الفيزياء عندما يعلّم الطلأّب ( لم أقل طلاّبه لأنّهم طلاّب العلم وليسوا طلاّب المعلّم ، نستطيع أن نقول تلاميذه ) عن الحركة المنتظمة ، وهي الحركة التي يكون فيها التسارع ثابتاً . وبالتحديد عندما يعلّم عن السرعة اللحظية . يظن الطلاّب أنّ السرعة (اللحظية ) في الثانية العاشرة مثلاً هي المسافة التي قطعها الجسم في الثانية العاشرة وهو أمر غير صحيح . والصحيح أنّ المسافة التي قطعت في الثانية العاشرة تساوي المعدل الحسابي للسرعتين ( اللحظيتين ) في تمام الثانية التاسعة وتمام الثانية العاشرة ( أيّ  نصف مجموع السرعتين ) . 

 

 

 




  أرشيف القلم العلمي

اطبع الموضوع  

Home