قصة

 

فاطمة

اشرف الخريبي



                             فاطمة الأولى

في هذا اليوم تحديدا يا سيدي كنت أقف في منتصف الحزن في أول الماء و النار أعرف أن المسألة تتعدى حدود عقلي , و تتشنج فوق لساني و تعصرني غما -
نعم
شكرا يا سيدي
شكرا لك
أجلس
سوف أجلس ...
سوف أقول لك كل شئ ...
سأشرح يا سيدي ..
نعم ... كانت المقاعد مرصوصة أمامنا - كانت لنا أنا و فاطمة تلك التي ظلت تتساند على و أتساند عليها فى الحارات و الأزقة و وعدتني أن تنجب لي أبطالا, وعدتني يا سيدي أن تنجب لى رجالا يعملون و يقفون بدلا منى على عربة الكشرى اسمعني يا سيدى لا تلوح بيدك . سوف أقول لك كل شئ ..
لا أعرف متى بدأ العراك كانت الراقصة ترقص .و الناس تهيج و تقعد و تزيط و ذرت الريح و تناثر التراب و عل و دار و لف ..و حط ...آه ... و لكن أحدا من هذه المقاعد المرصوصة طار فى الهواء و استقر فوق رأسي تماما لا أعرف من بدأ ، و من هو الذى فعل ؟ و لا متى بدأ أنا لا أتهم أحدا و لا أستطيع التخمين فنحن كنا فى منتصف الليل و الولد الاعرج قال لى : " هتحصل شكلة " قبلها بدقيقة و لم أهتم و رجحت وقتها أن الموضوع بسيط أكثر مما أتوقع ..لم أكن أعرف أن فاطمة ... لا.. لا ..تكتب اسمها يا سعادة البيه فاطمة هذه دنياى.. و نعيمي و هنائي نعم هى .. ستنتظرني هناك , لا تقول لأحد أنها ستنتظرني يا سيدى- أي شك .. و أى فعل يعوضني الآن ؟ انها فاطمة يا سيدي ألا تعرفها لو سألت الطير و الشجر و السواقي و فدادين الذرة , و النجوع و القرى و كل أهل البلد يعرفونها سيقولون لك عنها ..سيحكون لك - أنا لا أخفى شيئا لا أبدا و هذا الرجل النتن الذى تتحدث عنه لا أعرفه و لكنى سمعت عنه من فاطمة كانت تذكر اسمه بتقزز فأشعر برائحته العفنة و كم لعنته أمامي و لعنت الزمان الذى نعيش فيه و لعنت كل أهل القرية كانت وحيدة يا سعادة البيه , لا تعرف من حياتها غير بيع الجرجير و الكسبرة الخضرة بعدما ..
اسمها فاطمة بنت الشيخ إسماعيل عبده ربه أمها زينب بنت عيد بائع الابائيب و أمشاط الشعر المصنوعة من العظم ألا تعرفها..... و قريتي المظلمة كانت دافئة رغم لسعة الشتاء البارد لما هجعت العيال و تفرقت ثم تجمعوا عند الجامع الكبير , فوق شط الترعة الراكدة المياه وقفوا خلعوا الغاب و شذبوه حملوا الصفيح الملقى من الخرائب و مضوا يخبطون " يا سيدنا يا بلال فك شنقة الهلال " هكذا يا سيدى على دكة الشافعى شيخ الناحية ظلوا صامتين و عيونهم تتعلق بالسماء يطرحون الأمر و يقلبون الحكايات القديمة و القمر محطوط فى المدار عند الساقية المهجورة جلس على أبو محمود مع زوجته الحامل فى الأشهر الأولى منتظرا أن تأتيه بالولد والسماء كانت غائمة كأنها ستمطر " يا سيدنا يا عمر فك شنقة القمر " وقفت الكلاب على أقدامها الخلفية و هاجت القرية بالبسملة و التراتيل و الدعاء و معرفة الله زامت البيوت و تكدرت البهائم فى الأجران و ناحت , أطلت الضفادع من شقوق الماء فى المصارف و الترع و سكنت زحفت الثعابين و التفت فى دائرة جماعية كبيرة و بينهم الأقرع الكبير هل هكذا عرفت ؟ لما خرجت النسوة لأسطح الدور لحلب النجوم و نمنا عاريات على بطونهن غير انه فى المسجد الكبير تجمع أهل العلم و الخبرة لفهم الأمر الراديو فى قهوة خليل يذيع الأنباء ,كانت الأذان متعلقة و لاهثة لكنا لم نسمع شىء مهما مر رجال ملثمون لا أحد يعرف هويتهم يحملون البنادق ازداد اختناق القمر و اسودت الدنيا و وقفت العيال فوق الصفائح مشدودين توقف صوت الشيخ عيسى فى منتصف الأذان أطلت عيون من خلف دهاليز و عيون من أمام مواخير الجاز مصمصت شفاه و انداحت دموع وسقطت بلاد وناحت قبائل ... و تحجرت مآقي كان ميكرفون الجامع الكبير يأمر الناس بالتزام الهدوء و الصمت و الدخول الى بيوتهم و غلق الابواب على النسوة و الأطفال الصغار لأنه....
وساد الصمت ياسيدى لم يعد أحد يعرف ماذا ؟ أو ماذا سوف يحدث بعد لحظة كانت فاطمة تضحك , و كانت يا سيدي المقاعد مرصوصة فى انتظار أهل قريتي يهنئونى أنا و فاطمة التى ظلت تتساند على و أتساند عليها فى الأزقة و الحارات و وعدتني أن تنجب لى رجالا ،أبطالا يا سعادة البيه.لكن أحدا من هذه المقاعد لف و دار و استقر فوق رأسي تماما و كلوبات الجاز ترنحت و سقطت , الضوء كان خافتا و لم أر و عل صراخ و عويل , الدنيا كانت برد , و طين ، مددت يدى أتحسس فاطمة التى كانت فى جوارى . لكن أهل القرية ظلوا صامتين و أنا تصلبت فى حوش الدار أبحث عن فاطمة ألف قنديل أبحث به عنها ألف عمر وعمر كى أراها ...هى يا سعادة البيه كانت تنام , رائحتها عفية ، وجهها مالح و شعرها متهدل , و فخذها عارى , و أحمر و شهى سوف أقول لك كل شئ
نعم سوف اقول كل شىء .. اسمع ... ليلة شجية ممطوطة كضحكة صفراء , هبت الريح بعنف و تعكرت بالتراب مالت الأشجار و زئرت تذمر الذليل و ابن السبيل و السبع و الأرعن و الخائف و الضعيف همدت النار فى المواقد و الأفران و من فوق المعسل القص طارت و نكشت شعور الرجال والنساء .. هكذا هاجت الدنيا لكنى عند أول الماء وقفت أنادى فاطمة , أظافر مخبريك الأغراء لهفتنى ,

وفاطمة فى الماء تضحك , أيدي رجالك سحبتني وفاطمة كانت تضحك نعم رأيتها بعيني هذه حين يتوقف العرق قليلا عن التهام جسدى اليقظان , لأن البوظة طبقة كثيفة من هواء رطب و الجواميس تحلب لبنا رائبا الأبقار تبقر بطون بعضها ، تنطح أولادها . و البلد تتحاكى و تحكى . فى هذا اليوم تحديدا يا سيدى هجم الدود على لوز القطن و على ساق الرجل , و على صدر المرأة غير أنه تزوج فاطمة غصبا .كانت ليلة مليئة بالشجن و السعال و صياح الديوك فى غير موعدها استعجالا للنهار .كان جسدى مكدودا أغيب فى غياهب جروحي . يدكني الذعر أنادى ..فاطمة ...فاطمة .. كنت أعود يائسا بشكل محزن أحصر الجماجم ,  يصطف الرجال و النساء و العاطلون/ الشحاتون و الأطفال و العيال و الغرباء على فم الترعة الراكدة المياه .أيدي رجالك تسحبني و ميكرفون الجامع الكبير يعلن وفاة فاطمة يا سعادة البيه و لا عزاء للسيدات

 

-----------------------------------------------

اشرف الخريبي

روائى وناقد مصري عربي

safircompany@hotmail.com


 

 




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home