قصة

 

الصمت المفقود

خالد الخراز



كنا ننتظر الحافلة التي عادة ما تتأخر،كنت أنظر إلى داخل ذاتي، مسترجعا بعض

اللحظات الجميلة التي قضيتها مع حنان الصيف الماضي، وأ حاول أيضا أن أفهم

. لما أنا مخدر الأحاسيس هكذا ؟ يندفع صديقي ليـوقظني بثرثرته الفارغة

. ـ لقد كان أبي . . . وأخي . . . كما أن عمي . .

أحاول تتبع بعض التفا هات التي يلفظها، راسما على شفتي ابتسامة اعتدت على

رسمها كلما اضطررت لسماع ثرثرة هذا الصديق ـ مرغماـ لأن القدر يشاء أن ننتظر

. معا حافلة تأتي أو لا تأتى

أعود إلى شرودي وملا مح حنان تداعب مخيلتي ، أطارد خيوط قصيدة تلوح في الأفق

. . أجمع كلماتها . . أركبها. . أحاول إمساكها في ذاكرتي كلوحة زجاجية ،

: فيهشمها صديقي فجأة

ـ رشيد لماذا لا تنصت لي ؟

. ـ أنا أنصت تابع ما كنت تقول

. ـ نعم . . قلت لك بأني سوف . . . و سأفعل . . . و سأسافر . .

أعود مرة أخرى إلى شرودي و أ لملم شظايا قصيدتي التي تناثرت . . أحس بألم

في رأسي . . وبأني ما عدت أطيق قصف هذا الصديق لذاكرتي بكلماته الفارغة

.

كنت كتمثال ، نحت عليه صانعه ابتسامة زائفة . . يتشوش ذهني و أستيقظ . . أجد

كلمات هذا الصديق تحاصرني ، أحس بالاختناق . . بالرغبة في هواء نقي . . أقوم

من مكاني و أعتذر له بأني أريد المشي قليلا ، فيلحق بي وتلا حقني كلماته

التي ما عدت أستطيع تمييزها ، وما عدت أدري كيف أرسم ابتسامة على شفتي ،

أرغب في إسكات هذا الصديق الذي يطلق قذائف صوتية يرتج لها رأسي . . ولكني

أجد نفسي محرجا . . فأعود إلى الجلوس ممسكا رأسي بين راحتي وأنا أحسه يكاد

. ينفجر

تأتي الحافلة أخيرا ، نركب متجاورين , وأمني نفسي بالوصول إلى المنزل , حيث

سينتهي هذا القصف ، وأرتاح من ثرثرة صديقي . . طوال الطريق كنت أجد صعوبة

: في استجماع خلاصة لما يقوله صديقي ، فإذا توقف أسارع للقول

ـ نعم وماذا أيضا . . و ماذا بعد؟

: و أنا أحوج ما أكون لأقول له

! ـ يكفي لا تضف حرفا آخر

ولكني كنت مضطرا لأ شعره بأني أتابع حديثه ، تصل الحافلة أخيرا ، أودعه وأصعد

درجات السلم متثاقلا . . أرمي أمتعتي وأستلقي على السرير ، أحس براحة كبيرة

: ، أفتح التلفاز

. ـ وقع زلزال . . نشبت حرب . . اندلع حريق . .

: أغير المحطة تلو المحطة ، كلها تقول

. ـ بلا بلا بلا . .

: أفتح المذياع

. ـ بلا بلا بلا . .

أرى صورة صديقي وصوته في مقدم نشرة الأخبار . . في المغني . . وحتى في المغنية

، صارت الأصوات تثير جرسا حادا في ذما غي . . أغلق التلفاز . . أغلق المذياع

. . وأغلق النافذة لأن الشارع مليء بضجيج السيارات ، وأغلق أذني بالقطن

لأن جاري يطلق أنغاما صاخبة . . أدس رأسي تحت الوسادة ، وأحس أخيرا بأني

. ارتحت من الضجيج و الثرثرة ، وفجأة يرن ـ تحت وسادتي ـ هاتفي النقال .

: أفتحه

. ـ بلا بلا بلا . .

أحس بالدوار وأحس بالاختناق . . أغلق الهاتف دون أن أدري من المتصل و لا ماذا

كان يقول ، أقوم من فراشي وأتجه إلى الحمام , وأصب ماءا باردا على رأسي الذي

وصل حد الانفجار . . كان الصمت مطبقا وأنفاسي تتلا حق تحت الصنبور. . يرن

جرس الباب ، أفتح وفجأة أسقط مغشيا علي . . لقد كان الطارق . . صديقي الثرثار

.




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home