مقال

 

في الهم العراقي

محمود سعيد




 في الهم العراقي.

محمود سعيد.
روائي عراقي.

قبل الاحتلال الأمريكي لم نكن نسمع نحن العراقيين داخل العراق، أو خارجه، لا بل لم نكن نعلم بشكل كامل أن هذه المدينة سنية أو شيعية، ولم نكن نعرف نسبة الشيعة أو السنة في مكونات الشعب العراقي. وبعد ثلاثة أيام من الغزو، أخذنا نسمع.
فوجئنا نحن الذين نعيش خارج العراق بما سمعناه. هذا المثلث سني. هذه محافظة شيعية. هذه الضاحية سنية.. الخ. ماذا جرى؟ ما هو الجديد في الأمر؟ لماذا هذا التقسيم؟ ما حدا مما بدا؟
لمن ندرك الأمر حق الإدراك. قلنا مع أنفسنا لابد أن هذه القوة العظمى، بكمبيوتراتها، وجامعاتهما، وأبحاثها المتطورة التي أوصلتها إلى القنبلة الذرية والهدروجينية والقمر، تعرف خيراً منا. ثم قرأنا أن الشيعة 60 بالمئة، وأن الأكراد 17% وأن السنة 20 بالمئة والباقي تركمان ويزيدية وصابئة ووو الخ. ثم أعدوا للانتخابات بسجن مئات الآلاف وتصفية عشرات الآلاف وقائمة طويلة من التزوير. كشفوا هم أنفسهم ثلاث شاحنات قادمة من إيران تحمل هويات مزورة لتوزيعها على الإيرانيين الذين لا يملكون هوية عراقية كي يستخدمونها بالانتخابات، ترى ما عدد الشاحنات التي أخفوها؟ ثم سمعنا أن هناك مليوني إيراني جلبوا إلى العراق، وهناك ثلاثة أرباع مليون كردي إيراني وتركي جلبوا إلى كركوك والمنطقة الكردية، ثم رأينا صور مئتي ألف عربي يرحلون من المنطقة الكردية، ثم أعلن التركمان أن السلطة قللت عددهم وغمطت حقوقهم، وكذلك أعلن الصابئة، ثم جرى تصفية المسيحيين وتهجيرهم، ثم بدأت إبادة الفلسطينيين واغتصاب نسائهم وأطفالهم وتسفير ما تبقى منهم.
وفي هذه الأثناء كانت قوات الاحتلال في حرب إبادة لا مثيل لها على طائفة معينة هي السنة.
ثم كشف الأمريكان اللثام هم بأنفسهم فأعلنوا أن هناك 150 ألف جندي أمريكي + 250 ألف جندي عراقي+   300 ألف من أعضاء المليشيات السود للقضاء على المتمردين السنة المجرمين السفلة الصداميين العفلقيين النواصب التكفيريين الإرهابيين الوهابيين القاعديين، أتباع ابن تيمية وتلاميذ ابن لادن، ناكري حق آل البيت الخ.. . وانصب سلاح العالم كله على بضعة مدن عراقية لم يكن لها أهمية قط في تاريخ العراق الحديث أو القديم، وجرى تدميرها بآلاف أطنان المتفجرات والقنابل، وقتل مئات الآلاف من السنة، وتقول الهيومن رايتس إن القتلى يتراوحون بين 650 الفاً وبين مليون.. هل هذا يعقل؟
الجيش الأمريكي كله، والمليشيات الصفر والسود والحمر والخضر، والحرس الثورين الباسدران، والجيش العراقي والشرطة العراقية كلهم لم يستطيعوا القضاء على محاربي عشرين بالمئة من الشعب؟ أ هذا معقول؟
لننظر إلى عدد المقاتلين السنة ولنرَِكم يبلغ؟ هل هو بحجم العدو؟ لا مستحيل؟
هل هو بحجم نصفه؟ لا مستحيل؟
هل هو بحجم ربعه؟ لا مستحيل؟
كم عددهم إذاً ؟
يقولون مرة ألفين ثم يرفعون مرة العدد إلى عشرة آلاف. أهذ منطقي؟ أينتصر عشرة آلاف على أربعمئة ألف؟ أهم ملائكة أم عفاريت؟ أم أسندهم الله بملائكة يحاربون معهم كما فعل مع المسلمين يوم بدر؟ أهم أقوى محاربين في العالم لينتصروا على كله هذه الجحافل؟ أكل فرد فيهم رامبو؟ لا أدري ما أقول؟
كيف صمدوا ثلاث سنين وبيوتهم تقصف؟ أولادهم يبادون؟ نساؤهم يقتلن ويغتصبن؟ وحصار قاتل حولهم يمنع عنهم لا اللقمة والماء حسب بل حتى نسمة الهواء؟ كيف صمدوا وهناك نحو 50000 سجين من الرجال منهم، ونحو 10000 سجينة من النساء من هذه المنطقة وحدها، وهناك مليونا مواطن منهم اختاروا الرحيل من أجل أطفالهم الأبرياء.
إذن كيف كانوا عشرين بالمئة وقاوموا هذه المقاومة كلها؟
إذن كيف كانوا عشرين بالمئة وهاجر منهم 6.5 مليون عراقي كما تنقل صحيفة القدس العربي 14/12/2006؟
إذن كيف كانوا عشرين بالمئة وقتل منهم مليون ومازالوا يقاومون ومدنهم ما زالت تقصف؟
كيف يكونوا عشرين بالمئة والسيستاني والطالباني والبارزاني، والحكيم، والبول اني، والشهرستاني، والعامري والباسدران الإيراني، ومليشيات بدر ومليشيات الأسود الصدر، والأشيقر الجعفري القوي جداً جداً والذي قدم سيف علي ابن أبي طالب الذهب إلى أعظم وزير حرب في العالم \"رامس فيلد\" العتيد، العادل، يرجوه باسم السيف أن يرسل طائراته ودباباته ومدافعه لدعمه؟
كيق يخاف هؤلاء الحيادرة \"أبطال آل البيت وصناديده وهم أكثرية من أقلية بتعداد لا يزيد على عشر قواتهم، ويستعينون بالأمريكان ويقولون لهم إننا مستعدون لا لتقبيل أحذيتكم بل للحسها هي ومؤخراتكم. أبقوا فالبلد بلدكم وأنتم الأعلون، ولا تنتسحبوا بحق الله وعلي بن أبي طالب وكل آل البيت، وها نحن نعطيكم سيفه لتحاربوا المجرمين.
إن كانوا عشرين بالمئة فلماذا يلتجئ هؤلاء ويلجؤون لاستعمال كل الأساليب القذرة لأبادتهم والقضاء عليهم؟
أيعقل أن يخاف 80 بالمئة من عشرين بالمئة؟ لماذا لا يطالبون بالانسحاب؟
أي أكاذيب حشوا بها رؤوس الأمريكان، وورطوهم في معركة صوروها لهم نزهة؟
أي أكاذيب حشوا بها رؤوس مؤيديهم فباتوا يرددونها كالطبول ليل نهار.
أي أكاذيب مسخوا بها عقول مثقفيهم فباتوا يرددونها كالببغاوات أو ينهقون بها كالحـ..
ما أشبه الليل بالبارحة، في سنة 1730 هاجم نادر شاه وكان أقوى قوة في عصره مدينة الموصل ليبيد السنة فيها، ثم ينطلق منها إلى باقي مدن العراق، وكان قسم من أحفاد ابن العلقمي قد ورطوه أيضاً، فاكتسح كركوك بأربعة أيام واحتل قلعة اربيل بأربع ساعات، لكنه غطس في مستنقع الموصل، صمدت الموصل أمامه مدة لم يحتسبها لا هو ولا مرجعيات السوء التي ورطته، ولا مقاتلوه، لقنه المواصلة درساً قاسيا، وحينما انتهى طعامهم أخذوا يأكلون الجلود، ويطبخون الأعشاب، ومات منهم من الجوع أكثر ممن مات من القنابل وإطلاق الرصاص، وكان الفرق كبيراً كما هو اليوم بين الطرفين، فالمدافعون عن الموصل ما كانوا يتجاوزون خمسة عشر ألفاً والمهاجمون 350 الفاً.
كان أكبر فرق بين فئتين متحاربتين، فئة أقل من العشر معظمها من المدنيين، لم تعرف حمل السلاح من قبل، يقابلها أعظم جيش في التاريخ، جيش مدرب اعتاد الغزو، فتح أفغانستان وبلاد السند \"الباكستان\" وبلوشستان، والهند، وأذل الجميع. لكن المعجزة حلت، انتصر خمسة عشر الفاً برغم الجوع، والمرض، وعدم التمرين على الحرب، انتصروا على 350 الف، انتصر المواصلة واندحر نادر شاه، انتصر المدافعون واندحر الغزاة مهزومين.
كرس انتصار المواصلة على نادر شاه عروبة العراق وبلاد الشام كلها والجزيرة العربية، فقد كانت الموصل آنذاك أكبر مدينة سنية في الشرق، وكان نادر شاه يريد أن يحتلها ليصفو الطريق أمامه إلى بلاد الشام ثم إلى مكة لتصبح قاعدة للشيعة. نسينا تلك النزعات المذهبية الخرقاء، ونبذنا جيفتها، وطمسنا معالمها، وعشنا شعباً واحدا كأخوة، اندمجنا كلياً، تزاوجنا، وانسجمنا، واحتفلنا وغنينا معاً، ورقصنا معاً، وسافرنا معاً، وتخرجنا معاً، وأصبحنا ماعون سلاطة عراقية زاهية تثير اللعاب، يختلط فيها الخيار والطماطة والخل والملح والبصل وحب الرمان. أصبحنا شعباً لا يعرف التفرقة، وعاش جيل منا وهو لا يعرف أنه شيعي أو سني إلا عندما يصلي، أما بعد ا لصلاة فكان أفراده أخوة متحابين، فما بال الاحتلال يعيد تلك الجيفة؟
ما بال الاحتلال يعيد ذكرى نادر شاه والمواصلة!
يعيد تذكيرنا باختلاف القوتين كما هو الآن بالضبط. فالعدو الذي يعلن الحرب على السنة يعلنها على العراقيين الأصلاء كما أعلنها نادر شاه على العراقيين المواصلة.
معادلة مستحيلة لا تقبل الحل مطلقاً.
معادلة فرضت نفسها منذ هولاكو حينما استعان برأس الخيانة ابن العلقمي ومرجعيته السوداء ومريده المجرمين ضد أناس أبرياء لا يعرفون الحقد، ويريدون أن يحيوا بسلام.
عدو أجنبي مع عملاء متمرسين بالمذهبية والهراء ضد جماهير لم تكن تريد غير الحياة.
يعيد التاريخ نفسه مرة بعد مرة ولكن يغير زيه وطقوسه ومراسيمه. لكن ذلك لم يقطع الأسئلة:
ما بال نفر ضال منا يحملون الجيفة في مذهبهم، ومعتقداتهم، و سحناتهم وملابسهم وتصرفاتهم؟
ما بالهم يحرقون الأخضر واليابس.
أيها الأمريكان.
أيها الصفويون.
أيهما المتحجرون السود.
خذوا النفط وأعطونا عراقنا الواحد المتآخي.
خذوا النفط وارجعوا لنا انسجامنا وروحنا الوطنية.
خذوا ثرواتنا كلها لكن أبقوا على أطفالنا، ونسائنا وشرفنا وشيوخنا البسطاء، وعجائزنا الرائعات.
خذوا كل شيء وأعيدوا الابتسامة إلى وجوه الأبرياء.
لا تتحججوا بقال فلان وقال فلان وفلان وفلان، فما قالوه مضى وانقضى، ولا تسيئوا إلى أهاليكم.
ولا تركنوا إلى الأجنبي فلا عز لأخ يرى أخاه يقتل بيد أجنبي، ولا عز لخائن يكشف
عورات أهله، ولا عز لسياسي يتغنى بمجد يحققه له محتل. فما زلنا عراقيين.
ومن لا يؤمن بالعراق لا يؤمن بشيء.
وكفوا عن ادعاءاتكم الباطلة.
وقليل من الصدق يا سادة.
وانتظروا الغد فإن الغد صادق. وإنه لقريب.




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home