القلم الفكري

 

الشعب مصدر السلطات

د.عصام شاور



" الشعب مصدر السلطات " وتصحيح لبعض المفاهيم

د.عصام شاور _ كاتب فلسطيني

 

 

" الشعب مصدر السلطات " مقطع مبتور لإحدى مواد الدستور الفلسطيني , تستغل استغلالا  غير مناسب من قبل البعض لتحقيق أغراض  خاصة لا تتوافق ومصلحة الشعب الفلسطيني .

المادة الثانية من القانون الأساسي الفلسطيني تنص على أن "الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين في هذا القانون الأساسي." , وكما هو واضح فقد بينت المادة أن الشعب هو مصدر السلطات , وقد حددت ما هي السلطات التي يعنيها القانون , فليس هناك سوى سلطات ثلاثة , تشريعية وتنفيذية وقضائية , ومن خلال ذلك يمارس الشعب سلطاته , فأعضاء المجلس التشريعي هم من الشعب ويمارسون سلطتهم التشريعية التي بينها القانون , وكذلك الأمر بالنسبة لأعضاء الحكومة الذين هم أيضا من الشعب ويمارسون سلطتهم التنفيذية وكذلك الأمر بالنسبة للسلطة القضائية .

 

إن من يرفع شعار " الشعب مصدر السلطات " في وجه الرئاسة أو الحكومة أو النواب فكأنما  ينفي انتساب من ذكرناهم إلى الشعب الفلسطيني , وهذا دليل جهالة أو ما شابه , فالقانون واضح أيما وضوح وليس بحاجة إلى عباقرة لتفسيره , والفهم الخاطئ للقانون هو ما جعل البعض_ ومنهم من يدعي الاختصاص في القانون _بان يردد تلك المقولة , وكما ذكرت فأعضاء الحكومة والتشريعي ليسوا من كوكب آخر أو دولة أخرى , كما انه ليس من المنطق أن تجعل الأمور في أيدي عامة الشعب ليفعل كل فرد  ما بدا له متحللا من كل نظام وقانون ليصبح المجتمع غابة تعمها الفوضى والفلتان كما يحدث في أيامنا هذه  , كما أن للشعب حق الاحتجاج والاعتراض على ممارسات السلطات الثلاثة بطرق حددها القانون الفلسطيني  تحت بند حرية الرأي ولكن ضمن القانون (مادة 19 ) وليس فيه أي إشارة إلى ما يسمى بالاستفتاء  , وحرية الرأي تختلف عن الحرية المطلقة غير المنضبطة والتي هي أساس كل الشرور التي يعاني منها الشعب الفلسطيني .

 

وهناك من يقول أن رئيس السلطة هو المسئول عن الشعب,  لأنه  اقسم على أن يكون مخلصا للوطن وان يرعى مصالح الشعب الفلسطيني رعاية كاملة , وهذا أمر صحيح ولكن هذا القسم لا يخول رئيس السلطة أن يتجاوز صلاحياته التي منحها له القانون وحددها بدقة,والتي ليس من ضمنها حق حل المجلس التشريعي أو الدعوة لانتخابات مبكرة أو ما شابه  , كما أن أداء القسم للوزراء هو نفسه للرئيس وهو ما ورد في المادة (52) , وكذلك فان أعضاء المجلس التشريعي يقسمون بقسم مشابه , ولا اعلم كيف للبعض أن يستنبط مثل تلك الأحكام حسب هواه و دون الاطلاع على باقي المواد .

 

والأمر الأخير هو منظمة التحرير الفلسطينية , تلك المؤسسة التي لا ينكر احد دورها النضالي في مرحلة من المراحل , والتي تحت مظلتها استشهد في سبيل تحرير فلسطين الآلاف من أبناء شعبنا , فقد كان للمنظمة دور متميز في مقارعة الصهاينة من خلال العمليات التي نفذتها فصائلها , ولكن منظمة التحرير عانت من انقسامات داخلية حادة بعد الاعتراف بإسرائيل , فهناك تيار رافض للاعتراف وتيار آخر معه , وهذا ما أدى إلى محاولة تهميش المنظمة إلى أقصى الحدود من قبل من أصبحوا في إطار السلطة الفلسطينية , وللتدليل على ذلك اكتفي بخطاب  الرئيس الراحل أبو عمار في هذا الشأن .

 

فبتاريخ 29_10_2002  ألقى الرئيس الراحل أبو عمار خطابا أمام المجلس التشريعي واعتبر حينها خطابا تاريخيا وقد وضح فيه نقاطا أهمها :

أولا: إن الفلسطينيين قد مروا بعدة مراحل أولها مرحلة الطليعة ثم الحركة الثورية الكبيرة ثم مرحلة السلطة الوطنية بانتظار مرحلة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف. أي أن السلطة هي مرحلة قائمة بذاتها وليست تابعة لشيء بل هي تطور لمرحلة الثورة .

ثانيا : إن القيادة الفلسطينية هي القيادة التي انتخبها الشعب الفلسطيني , والمتمثلة بنواب المجلس التشريعي والحكومة الفلسطينية إضافة إلى رئيس السلطة وان العنصر الأساسي في تحديد أهداف الإصلاح هو انبثاقها من الاختيار الشعبي الحر من خلال الانتخابات والقرارات والمناهج والدستور والتشريع الفلسطيني. وحسب هذا القول فلم يعترف الرئيس الفلسطيني بقادة آخرين .

 

ثالثا : إن أعضاء المجلس التشريعي هم  أصحاب  مسؤولية التشريع في وطننا، يضعون  القوانين ويعتمدون الميزانية ويراقبون التنفيذ . يعتمدون الوزارات ويساعدون بالأسس لحكم القضاء العادل في إطار نظام أساسي معتمد يحدد أسس فصل السلطات وتعاونها .

هذا ما قاله الراحل أبو عمار في خطابه ولم يتطرق إلى منظمة التحرير أو إلى  اللجنة التنفيذية أو أي شيء من هذا القبيل  كما انه لم يرد أي ذكر لمنظمة التحرير الفلسطينية في الدستور الفلسطيني المعدل .

 

ومن هنا فأننا نستغرب أن تصر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أن تتدخل في شؤون الرئاسة والحكومة والنواب , فاللجنة التنفيذية حسب أبو عمار لا تمثل القيادة الفلسطينية وهي حسب النظام الداخلي لمنظمة التحرير ليست شرعية من ناحية انتهاء مدتها الدستورية ومن ناحية فقدانها لثلث أعضائها ,   كما أن فيها من العناصر من يستحق المحاسبة لتفريطه بحقوق الشعب الفلسطيني ولتنازله عن حق العودة , وان كان هناك إصرار على تدخل المنظمة فلا مانع ولكن بعد إصلاحها وإعادة تأهيلها كما هو متفق عليه بالإجماع في اتفاق القاهرة .

 

و بعيدا عن القوانين الوضعية والاجتهادات البشرية  والتفسير والتعليل والتوضيح  , فان الدم الفلسطيني محرم سفكه , وان كل كلمة من شأنها زيادة التوتير والتحريض هي  جريمة في حق الشعب الفلسطيني , فكلنا مستهدف في هذا الوطن وعلينا التمسك بوحدتنا وبثوابتنا وبحقوقنا , وهناك خطوط حمراء لا ينبغي الإمعان في تجاوزها  , فعدو حماس هم اليهود,  وعدو فتح هم اليهود ,  وعدو كل الشعب الفلسطيني هم اليهود , وكارثة إن غابت عنا تلك الحقيقة .  

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home