مقال

 

أكتب بقلم العقل على لوح القلب

خالد العلوي



http://www.alwatanvoice.com/images/ko0tab/4372427670.jpg

بقلم : خالد العلوي

الأشياءُ تُعرف بأضدادها وقد درسنا التفاضل ليس من أجل ِ التفاضل وإنما من أجل التكامل ومُشاركة الناس عقولهم واحتواء أحدنا للآخر مِن باب »إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق« ومن باب »الحكمة ضالة المؤمن« ومن باب »إذا غضب الجاهل تكلم وإذا غضب العالم عمل« , ولكل منا حصيلته الخاصة وتجربته الخاصة ورؤيته الخاصة , فأحدنا لا يرى أبعد من أنفه و آخر يضرب ببصره أقصى القوم وأحدنا يرى بعين التمساح و آخر يرى بعين الصقر , من الأضداد والنقائض تُعرف الأشياء كما عرفها من سبقنا .

هكذا تُعرف الأشياء وعلى هذا العرفان كان أمر الله في اجتماع هذه الكينونات و الاختلافات والتمايزات والمعرفات على طاولة واحدة للنقاش والحوار والتسوية والتفاهم وهذا أيضا ما حرص عليه رسوله التزاما لطاعته تعالى وأمره ووجه الناس إليه حين قال صلوات الله عليه وعلى آله " أعقل الناس من جمع عقول الناس مع عقله " لتتشارك هذه الكينونات المختلفة مع بعضها البعض ولتصل إلى نقاط تسوية توحد وتقرب النظرات والرؤيات المتفرقة المختلفة.

ما أريد قوله هنا أننا حين نريد أن نتحدث عن أي أمر ٍ خطير ٍ يخص الأمة الإسلامية والعربية كلها علينا أن نضع في اعتبارنا أن الحكم يَجب أن يكون حُكم العقل وحكم الدين وحكم »جادلوهم بالتي هي أحسن« وحكم »الله الله بمشاركة الناس عقولهم وإلا انكسرت عصا الطاعة«, الحكم يجب أن يكتب بقلم العقل على لوح القلب ليكون القرار قرار الرشد والحكمة والرؤية البعيدة كل البعد عن الأهواء والرغبات وشهوات النفس بما فيه صالح الأمة الإسلامية والعربية وصالح شعوبهم من دون أن يسقط القرار العقلاني مشاعر الناس من حسبانه خصوصا في مثل أمر ٍ حدث و بات يلفنا من الجهات الأربع " كالفتنة التي تفشت اخيرا تفشي النار في الهشيم«.

الفتنة التي قال عنها رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله "دعوها فإنها نتنة " ولكم أن تتخيلوا الآن نتانتها بعد المسلسل الدامي الذي شهدناه وعشناه مؤخرا من تخبط القيادات والجماعات والشعوب في الرؤية العقلانية إلى الأحداث الواقعة مما أدى إلى امتناعهم عن الجلوس إلى طاولة ٍ واحدة ٍ للنقاش والحوار بأسلوب ديني حضاري يصبح فيه الحوار حوارا له نتيجة ترضي الله ومن بعد الله رسوله وترضي إسلامنا وأمتنا الإسلامية والعربية والذي أدى بهم إلى قبول نظرية الخوار والمؤامرة وكل من ليس معي فهو ضدي .

ففتنة مثل التي حدثت مؤخرا في لبنان أو في العراق أو في أي بلد ٍ من بلداننا العربية والإسلامية  كانت تحتاج منا لحوار حضاري وأخلاقي وإسلامي بين كل الجماعات الإسلامية أولا حوار يتجاوز التعصب والفتنة والدمار والخراب والحرق ننطلق منه من صلب عقيدتنا التي علمتنا كيف نخاطب وكيف نجادل وكيف نعاقب, وفي حوادث التفجير والاغتيالات الأخيرة في لبنان أو العراق كنا بحاجة إلى حديث العقل لنعرف من المستفيد الحقيقي من هذه الفواجع التي تحدث, نحن بحاجة إلى حوار ٍ عاقل يخبرنا عن المستفيد الأول لهذا الشتات الذي بات يملأنا وعن المستفيد لهذه الفرقة التي باعدت بيننا ولهذه الفتنة التي بتنا نحملها في أقوالنا وأعمالنا نحن بحاجة إلى مائدة أخرى غير مائدة " نصلي وراء علي ونأكل على طاولة معاوية " لتجمعنا .

نحن بحاجة ٍ لمائدة الإخاء والاحتواء وإلى مائدة " الله الله في مشاركة الناس عقولهم" عوض كل هذا الخوار الذي حدث والذي زادنا فرقة وشتات وإحباط وخيبة والذي جعل من المستفيدين الحقيقيين لهذه الكوارث أن يستغلوا ضعفنا الثقافي والديني وتوظيفه في مكاسب ٍ سياسية بعيدة كل البعد عن الدين والأخلاق والإنسانية


يا أمة المليار لسنا بحاجة ٍ لخيبات جديدة ومجازر جديدة وتفجيرات جديدة نحن بحاجة ٍ لحلول جذرية بحاجة إلى حل واع يعالج الأساس فينا نحن بحاجة إلى تنشئة أبناء المجتمع الإسلامي من جديد على النشأة الطيبة الصالحة التي علمنا إياها رسولنا الأعظم صلوات الله عليه وعلى آله وفق تعاليمه التي تلقاها من السماء .

نحن بحاجة لكل شيخ دين وعالم وخطيب حين يعتلي منبره أن يعلم الناس كيف يتجنبوا الغش ويتجنبوا الرذيلة ويتجنبوا الجهل, وأن يتفقهوا في أمور دنياهم ودينهم وأن يتجنبوا إثارة الفتن والتعصب المذهبي وأن يرحمونا مما قد يشعل نار الفتنة بيننا خصوصا أن ديننا قائم على إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق,, نحن بحاجة ٍ لكل مصلح فينا أن يدعو الناس إلى منهج الوسطية والاعتدال من باب " خير الأمور أوسطها " نحن لا نحتاج إلى الفساد وإلى الكساد نحن بحاجة لكل مصلح نشط وواع وقلبه على الأمة الإسلامية والعربية جميعا يثقف أبناءها ثقافة حسنة عمادها الأمة الإسلامية الواحدة وأصلها إما إخاء الدين أو نظارة الخلق نحتاج إلى هذا العماد الذي ينبذ المذهبية والعصبية القبلية والفتنة.

نحن بحاجة لكل قيادة وحكومة عربية وإسلامية أمينة وناصحة وخائفة على مستقبلها ومستقبل إسلامها وشعبها وأرضها البعيدة كل البعد عن سياسة الانحياز والعصبية والجور والظلم والمصالح الشخصية.

نحن بحاجة إلى وسائل إعلام عربية وإسلامية هادفة, فيها مساءلة ومحاسبة وفيها حقيقة يجب أن تطرح أمام القيادات العربية والإسلامية وأمام الرأي العام والعالم أجمع,صورة تخالف صورة ترديد الأخبار المكررة والمعتادة صورة تساعد على توعية الشارع العام وتثقيفه لكي لا ينجر وراء كل ناعق ينعق وكل قاتل يقتل وكل فتنة تقوم .

نحن بحاجة إلى أن نشعر بالمسؤولية تجاه ديننا وإسلامنا ورسولنا وأنفسنا وأهلنا وأوطاننا, نحن بحاجة لتحمل هذه المسؤولية لأنها مسؤولية كل فرد وكل قيادي وكل متعلم ومثقف في عالمنا العربي والإسلامي هذه مسؤولية يجب أن يتحملوها لأنهم خلفاء الله في أرضه وفي دينه وفي أمته, ولينقذوا الناس مما باتوا فيه, هذه مسؤوليتنا جميعا في أن نعمل على إنهاء التعصب المذهبي والمدني والقروي والقبلي فنحن أمة إسلامية واحدة, ندين بالولاء لرب واحد وندين بدين نبي واحد .

لذا هي مسؤوليتنا جميعا في أن لا نخاف إلا الله سبحانه وأن لا نتبع إلا سنة محمد صلوات الله عليه وآله وأن لا نقول إلا كلمة الصدق وكلمة الخير التي تجمع عوض أن تفرق والتي تقرب ولا تباعد والتي يكون لها أثر و مفعول داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية تحقيقا لتعاليم الله ورسوله فإن أردنا أن نصلح فعلينا أن نبدأ بأنفسنا قبل أن نبدأ بغيرنا فما فائدة أن نتهم الغير بالوساخة ونحن أنفسنا تغلبها الوساخة, ما فائدة أن نقول للغير امتنع عن التعصب والتحيز والتطرف ونحن أنفسنا نتعصب ونتحيز ونتطرف .

أخوتي في الدين ونظرائي في الخلق لعل البعض يفسد البعض الآخر بنفسه حين تتجسد الصور في رأسه على خلاف ما تتجسد في قوله وفي عمله إلا أني واثق تماما أننا نملك كل الصور وكل الحقائق وكل الإمكانات وكل الأفكار والأقوال والعمل وكل الكوكبة والتشكيلة الرائعة من علماء الدين ومن رجال الأدب والثقافة الذين يزخر بهم عالمنا العربي والإسلامي من الفئة الواعية المثقفة المصلحة التي لن تسكت ولن تصمت والتي ستسعى حتما لتحمل هذه المسؤولية والأمانة إرضاء لربها عز وجل ولنبيها صلوات الله عليه وعلى آله إن عجز غيرهم عن حملها لأننا بحاجة ٍ إليهم حقاً ولن يخذلونا إن شاء الله .

خالد العلوي
أديب وإعلامي ومفكر عماني
كاتب صحفي حر في جريدة السياسة الكويتية




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home