مقال

 

عيادة المخيم

زياد آل سليمان



 (من صور الصمود)
 
زياد آل سليمان

ارتفعت حرارة ابنتي فسألت أحد أقاربي عن مستشفى أو عيادة أو طبيب، فقال لي: تعال معي إلى عيادة أبو الخير هناك في المخيم، ذهبت إلى العيادة فوجدتها عبارة عن غرفتين صغيرتين، الأولى للانتظار وهي مكتظة بالمراجعين من النساء ومعهن أطفالهن المرضى، والثانية غرفة الدكتور أبو الخير، وكلا الغرفتين جزء من منزل
الدكتور المتواضع في داخل المخيم.
سرعان ما يحين دورك ويشخص المريض ويعطيه الوصفة الطبية ، قلت له : كم الثمن، قال: ثمن ماذا؟ قلت : الكشف والتشخيص، فقال: دعوة لي ولوالدي ــ رحمه الله .
قلت : بارك الله فيكم ولكنني معي نقود، وأنا لست من هنا بل جئت زائراً من الخليج ولدي مقدرة على الدفع، فقال: حياك الله من أي مكان جئت، لا أريد منك سوى الدعاء.
ذهبت إلى الصيدلية وأنا متعجب من موقف الطبيب، رجعت إلى قريبي وأخبرته بما جرى وسألته عن الطبيب، فقال لي: أن الطبيب يعمل في الصباح وحتى العصر في مستوصف حكومي ويتقاضى على ذلك راتباً، وبعد المغرب إلى ساعة متأخرة من الليل يعمل في عيادته الخاصة مجاناً، بل بعض الأسر الفقيرة يعطيها الدواء إن كان متوفراً لديه، ولربما دفع ثمنه لهم.
لقد كانت هذه العيادة في مخيم فلسطيني في قطاع غزة، والطبيب اسم على مسمى، فعائلته اسمها أبو الخير وهو أبو الخير.
ليس هناك حدود للأفكار والطرق والوسائل لنصرة هذا الدين العظيم والمستضعفين من المسلمين، هذا الطبيب هو نموذج من نماذج الصمود والثبات في أرض الرباط ، نموذج آخر لكم أشعر بالحياء الشديد بمجرد تذكره إنه نساء (بيت حانون) اللواتي ذهبن لفك الحصار عن أكثر من سبعين مجاهداً حاصرهم اليهود في مسجد (أم النصر)، وكيف استطعن أن يُشغِلنَ الجنود والآليات والطائرات، ليتمكن المجاهدون جميعاً من الانسحاب من المسجد المحاصر، الذي هدمه اليهود لاحقاً. إحداهن بعد أيام نفذت عملية استشهادية بالرغم من أن عمرها ناهز (57) عاماً لتكون أم الاستشهاديات رحمها الله.
لا أريد هنا أن أمارس جلد الذات، أو أتكلم عن الاخوة الإسلامية أو حتى الرجولة والنخوة، ولكن اسمحوا لي أن أقول لإخواني الكرام وأخواتي الكريمات في كل مكان أن بأيدينا الكثير من الوسائل لنصرة المسلمين المستضعفين.
ولنطرح سوياً بعض الأسئلة: كم ننفق من أموالنا لشراء ما يُسمى بالكماليات؟ كم من المشتريات ما لم نستخدمه أو نستفد منه شيئاً؟ كم مرة فكرنا بنصرة إخواننا أو على الأقل رفعنا أكف الضراعة للمولى عز وجل لينصر إخواننا المستضعفين؟ كم مرة ذكرنا أنفسنا وأبائنا وإخواننا وأزواجنا وأبنائنا بحال المسلمين في فلسطين وغيرها ... أسئلة كثيرة حائرة، إنني على يقين أن نفوسكم اللوامة ستطرحها وتطرح غيرها ، وستجد جواباً عملياً لها، بالقيام بأفكار وسلوك طرق متعددة للقيام بواجب الاخوة والنصرة.
لقد أقام نساء (بيت حانون) الحجة ، لقد ضربن المثل الأروع، كنا نتحدث عن خنساء فلسطين ، فغدون اليوم خنساوات.
كان (شارون) يفكر في ظاهرة الخنساء ــ أي وداع الأم لابنها وإعطاءه البندقية قبل تنفيذ العملية ــ وشكل لجنة لدارستها والقضاء عليها، بل وأمر بدراسة إبعاد أولئك الأمهات! بل وقصفت الطائرات بيوتهن!.
إنها دروس عملية للأمة لرجالها قبل نسائها في التضحية والبذل والبطولة والشجاعة والفداء.
نساء (بيت حانون) قلن: أن بأيدي النساء الكثير مما يقدمنه، وأن باستطاعتهن المشاركة والنجاح والتأثير والتغيير والانتصار وهن متمسكات بحجابهن.
لم تكن مجزرة بيت حانون الأولى ولن تكون الأخيرة، ولم تكن تلك التضحية هي الأولى للمرأة الفلسطينية العظيمة بإيمانها، ولن تكون الأخيرة، ولكن ينبغي ألا تكون آمالنا منسية لنا لآلام إخواننا، ولتبقى تلك الصور حاضرة في الأذهان لتوقد العزيمة وتجدد الهمة للعمل على نصرة المسلمين في فلسطين وفي كل مكان، قال تعالى: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون،وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون }.

 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home