دراسات هامة

 

لبنان بوابة الشرق الأوسط الجديد

محمد البقاش



لبنان بوابة الشرق الأوسط الجديد

محمد محمد البقاش

اختير لبنان ليكون بوابة الشرق الأوسط الجديد ، اختير عن غير قصد ، بوشر ببدايات الحل فصار هو الأول وهو الأخير بسبب المقاومة أفرادا وجماعات، ظهر واقع جديد أكد شيئا مهما هو : قدرة الأفراد والجماعات على إفشال وعرقلة مخططات الدول .
ففي يوم الاثنين 14 غشت 2006 أوقفت إسرائيل عملياتها العسكرية؛ ليس استجابة لقرار مجلس الأمن رقم : 1701، بل لضرورة الاستجابة لنداء الهزيمة بغية الالتفاف على الوقائع والحوادث حتى يتسنى استبدال مخططها المؤمرك في المدى القريب نظرا لحسابات خاطئة، وتوقعات غائبة عن جهازي المخابرات الموساد والسيا.
ورايس حين رفعت يدها في مجلس الأمن عند التصويت على قرار مجلس الأمن لم تكن مستجيبة إلا لنداء الهزيمة، فلا يصح الاستمرار في حرب خاسرة تدفع بها أمريكا، وتضغط على ألمرت للسير فيها، لأنها أدركت تحت بسالة المقاومة وتكبيدها الجيش الإسرائيلي خسائر في الأرواح والعتاد؛ استحالة الاستمرار فيها، فجاءت الظروف مناسبة للتصويت على قرار لا يمنع إسرائيل من استخدام القوة، لأنه ليس قرارا ملزما، ما هو إلا شبه هدنة من جانب واحد يلتزم بها القوي لإخفاقه في القضاء على الضعيف، وما مر في تاريخ الأمم المتحدة، ولا مجلس الأمن قرار واحد تم إلزام إسرائيل به، هذا لم يحصل في تاريخ الأمم المتحدة قط، ولن يحصل في ظل الفيتو الأمريكي ..
جاء القرار الدولي ــ الفرنسي الأمريكي ــ بعد رفض كل الأطراف في المشاركة في صياغته كفرنسا مثلا، هذا كان عند بدء الدعوة لوقف إطلاق النار على سندان الهمجية الإسرائيلية وذبحها الناس، وتدميرها للبنية التحتية لدولة لبنان.. ولكن وبعد رؤية ضرورة الظهور بمظهر المتحضر غير المتغطرس وتحت تأثير الهزيمة الإسرائيلية من طرف حزب الله رأت أمريكا إشراك فرنسا في القرار، ثم أطراف أخرى فقبلت به على مضض ؛ لأنها رأت ضرورة الإسراع في الحفاظ على ماء وجه إسرائيل وإنقاذها من الورطة التي أوقعتها فيها .
القرار الدولي ليس قرارا ملزما، ولا يعنى بوقف إطلاق النار من قريب أو بعيد، ما هو إلا شبه هدنة كما قلت اقتضتها ظروف دولية وعربية، وضغط في السير فيه؛ الرأي العام الإسرائيلي، وحالة الجيش المنهزم في الميدان، كل هذا يفيد في استراحة توفر وقتا لإعادة النظر في المخطط الذي بان فساده، والقاضي في أهم بند فيه بنزع سلاح المقاومة، كما أن السير فيه متعذر جدا، بل ومستحيل فوجب استباق الأحداث الداخلية الإسرائيلية والتي كانت تدفع نحو وقف الحرب رغما عن أمريكا .
 وحزب الله كجزء من المقاومة ــ أو هو المقاومة كلها ــ قد أحسن إدارة المعركة سياسيا وعسكريا، سياسيا بعمل خطف الجنديين للالتفاف على قرارات سابقة تتبناها كل الأطراف بما فيها لبنان؛ وهي نزع سلاح المقاومة بشروط مشبوهة، وفي ذلك موت حقيقي لها، ولن تبكي عليها سماء قوى 14 آذار، فجاء عمل الخطف مفيدا، ولولا غباء إسرائيل في محاولة استغلاله، وجعله ذريعة للتدخل لكان للأمر وجه آخر . وفي الجانب العسكري قد أحسن إدارة المعركة بتسلحه بالصواريخ القادرة على ضرب العمق الفلسطيني حيث إسرائيل جاثمة على صدر شعب مكلوم، وأرض تتأذى من أقدام الدخلاء الإرهابيين الذين هجروا الناس في النكبة الفلسطينية المشهورة، وبرجال بواسل يطلبون الموت، وبتحصين الذات من الجواسيس.
لقد برهنت الحرب بما لا يدع مجالا للشك إمكانية هزيمة إسرائيل، ودللت في المقابل على دجل النظام الرسمي العربي وبروباكاندته السخيفة بأن إسرائيل لا يمكن هزمها من طرف العرب؛ كل العرب لأنها الأقوى في المنطقة، فجيشها مسلح جيدا وبأحدث أنواع الأسلحة ، إضافة إلى أنها تملك السلاح النووي الذي لا يفيد في شيء
عندما يكون العدو على الحدود، أو مجتمعا في بقعة جغرافية جامعة لطرفين .
لقد برهنت إسرائيل كديدنها على همجية غير مسبوقة، وديمقراطية مؤمركة نتنة تستخف بالناس وتستلذ بقتلهم وتشريدهم وإرهابهم .. يدعمها الزعيم الأوحد الذي بز جميع الإرهابيين والقتلة في العالم عبر تاريخ الإنسانية، وفي المقابل وقفت المقاومة في وجه المخطط الأمريكي الذي سخرت إسرائيل لتنفيذه .
لقد دل كل ذلك على أن الأفراد والجماعات أقدر على إفشال مخططات الكبار من الدول، وأقوى على هز المسارات والسياسات، وبالتالي إرباكها، وتغيير مجراها، وخلط أوراق المقامرين بدماء الناس وأرواح الشعوب.
وكيف لا وحرب الثلاثة والثلاثين يوما ــ أو الأربعة والثلاثين يوما ــ قلبت الموازين وخلطت الأوراق، بل إن 23 يوما من الحرب في أرض مكشوفة ببضعة آلاف مقاوم من اللبنانيين أنست الجنود الإسرائيليين وقياداتهم السياسية وساوس الشيطان.
وأما ما بعد وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، فإن المشهد السياسي المرشح للتكون بناء على دفع أمريكي تشرك فيه النظام العربي، فإنه هو نفس السيناريو السياسي القاضي بنزع سلاح المقاومة، ولكنه في المرة القادمة سوف يكون بعمل عربي بما في ذلك إسهام لبنان فيه، سيسهم فيه تيار المستقبل والتيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي والكتائب اللبنانية والقوات اللبنانية وحزب الوطنيين الأحرار بدعم من قوات اليونيفيل .. وستكون كارثة إن لم تنجح المقاومة في إفشال ذلك المخطط.
وأعود إلى القول أن الأفراد والجماعات أقدر في عصرنا الراهن على إفشال مخططات الكبار، وأرجح قدرتها في المرة القادمة على الإفشال.
لم يؤبه لشعب فلسطين بالضفة الغربية وقطاع غزة ليكون أرضية الوطء الأولى نظرا لفقدانها الأولوية بسبب كونها في قبضة الإسرائيليين؛ فهي حديقة لهم، فضلا عن عرب إسرائيل، فالقضية الفلسطينية محسومة في عقول المسئولين الإسرائيليين والإدارة الأمريكية، محسومة في العقل والورق، وأما ميدانيا ورغم الاستخفاف بها؛ فإنها فاعلة بالمقاومة والانتفاضة، فهما تشكلان بين الحين والآخر أداة فرملة للتمادي في تطبيق المخططات ، وأداة منع الحسم .
وباختصار حتى يتضح محيط سباحتنا نؤكد على فهمنا للشرق الأوسط الجديد بما يلي : يراد للشرق الأوسط الجديد أن يولد على حد تعبير وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس في شرق أوسطي تقليدي خال من الصراعات ، يولد تحت قبة الحل النهائي للمشاكل التالية دون ترتيب :

أولا:
قضية ما يسمى عند إسرائيل وحلفائها بالشعب الفلسطيني ويرام حلها عبر الكلمات التالية:
أ ــ الحسم في قضية الدولة الفلسطينية .
ب ــ الحسم في مصير مدينة القدس .
ت ــ الحسم في مسألة الفلسطينيين المبعدين والمهجرين ( اللاجئون ) .
ث ــ المقاومة.

جواب أ :
موضوع الدولة الفلسطينية مفروغ منه عربيا وإسرائيليا ودوليا لأنه لا يرقى إلى أن يكون اسما على مسمى ، فالاتفاقيات المبرمة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل لا ترقى إلى أن تنشئ دولة بالمعنى الصحيح للدولة، دولة تملك شيئا من مقومات الدولة، وكيف تكون الدولة الفلسطينية دولة وهي داخل دولة لا تملك عمقا استراتيجيا ولا جيشا ولا مجالا جويا وبحريا وبريا؛ حتى الضفة الغربية وقطاع غزة معزولان جغرافيا يفصل بينهما جسر وأراضي [[ إسرائيلية ]] .. ؟ ومع ذلك تم القبول به وروج لعكس ذلك في وسائل الإعلام العربية والدولية والفلسطينية حتى بدا مقبولا عند شريحة فلسطينية لا يستهان بها ، تستميت في تحقيقه السلطة الفلسطينية لولا المخذلون والمخلفون من الفئات الأخرى والشرائح السياسية المقابلة لها، فلا يبدو في واقع السلطة الفلسطينية غير التهافت على الكراسي والامتيازات في جغرافية ما يسمى بالحكم الذاتي، وأقصى ما يمكن أن تسمح بتحقيقه إسرائيل وأمريكا للفلسطينيين هو صفة الإدارة في الضفة والقطاع مع شيء مما يمكن من إخفاء المهزلة في حق السلطة الفلسطينية ، مهزلة الدولة ..
ج ب :
مشكلة مدينة القدس لم تحسم بعد، ليس لأن إسرائيل لم تضعها في مقدمة الأولويات، أو لم تختر الظرف المناسب لها، لا هذا ولا ذاك، بل لأن القدس يراد له التدويل ضدا على رغبة إسرائيل، بينما تبقى المدينة تحت السيطرة الإسرائيلية ولو أن يكون للجزء المسلم فيها مظهر ما للسلطة الفلسطينية؛ لأنه لا يغيب الظلة الإسرائيلية عن المدينة كلها، فالتداخل بين الأديان الثلاثة المسيحية واليهودية والإسلام ووجود مقدسات لكل منها فيها جعلها تتعطل في الحل النهائي، ولو أريد له أن يكون إسرائيليا خالصا لما تعطل إلى هذه المدة، ولما أبطأت إسرائيل في نقل سفارتها إليه رغم التقدم الكبير في تهويد المدينة وتغيير معالم آثار أديان أخرى فيها ورفعها عنها، وهذا الحل الذي لم تنجح إسرائيل في فرضه تمارس أمريكا تعطيله بالضغط على إسرائيل أملا في بروز ظروف مناسبة تقبل بالقدس مدولا تحت إشراف الدولة العبرية ومن ضمن سيادتها، بل لربما يفكر في جعله عاصمة للأديان السماوية الثلاثة ــ مسيحي إسلامي يهودي ــ ، ربما يجعل له مجلس للمسجد والكنيسة والأديرة .
ج ت :
اللاجئون الفلسطينيون هم أولئك المبعدون في النكبة وما بعد حرب 67 في القرن الماضي، هجروا إلى الأردن والعراق والكويت ولبنان وسوريا.. منهم من هرب من العراق وهجر تحت ضغوطات، يستوطنون مخيم القيعة شمال العاصمة الأردنية عمان، ومنهم من يقيم بمخيم الروشيد داخل الحدود الأردنية العراقية ، ومنهم من هو على حدودهما في مخيم التنف وطريبيل وهؤلاء هم من المطرودين من الكويت سنة 1991 ، ويقدر عدد هؤلاء بنحو 22 ألفا ذاقوا أنواعا كثيرة من العذاب وأصنافا متنوعة من التنكيل، وليس سرا القتل والذبح والتمثيل بجثث الكثيرين منهم على يد مغاوير الداخلية العراقية، هؤلاء دفع بهم نحو الأردن بغية استوطناهم فيه، ولكن لحد الآن ليس هناك دفع نحو تحقيق الاستيطان بسبب الظروف السياسية الهشة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وعليه ستظل معاناتهم مربوطة كغيرهم بمدى نجاح أمريكا في ما أسمته الشرق الأوسط الجديد المزداد ميتا عبر بوابة لبنان أولا.
إن الحسم في مسألة اللاجئين قد تم منذ زمن بعيد، فالدعوات إلى الدمج والتوطين والتعويض كبديل للعودة هي الأمر الواقع في النهاية، لقد ألغي عمليا حق العودة لثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني من اللاجئين ولو بقي متداولا في الإعلام وعلى لسان بعض السياسيين، سيفرض كل هذا فرضا رغم معارضة الشعب الفلسطيني والشعوب
العربية والإسلامية له، وفي فرضه مع رفضه المتوقع حياة، وهو ضمن الأولويات الإسرائيلية لا تتقدمه إلا المقاومة، وبناء عليه لا مجال لعودة اللاجئين الفلسطينيين سواء كانوا من مهجري النكبة، أو من مهجري حرب السبعة والستين، ولا مكان للعودة من جديد إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا مكان للعودة إلى ما قبل السبعة والستين أيضا، فذلك إن حصل فسيحدث خللا في التوازن السكاني على حد تعبير الإدارة الإسرائيلية، سيحدث شرخا كبيرا في ميزان القوى ديموغرافيا .
والغرب برمته ، والنظام العربي أيضا يجمعون على عدم العودة؛ وإن علت تصريحات تقول بالعكس، بل إن منهم من سيمول استيطانهم في بلدان أخرى كلبنان وسوريا.. بل إن المسئولين في السلطة الفلسطينية وعلى رأسهم محمود عباس يسوق لإرجاعهم كذبا، وعليه فإن إرادة عودة الناس إلى دورهم وأراضيهم التي أجبروا على مغادرتها لن يكون إلا بظروف أخرى تغيب وجه النظام العربي الحالي؛ لأنه لن يسمح بتغيير ميزان القوى لصالحه مادام محسوبا على الغرب يعمل لحسابه ويناصب بذلك الأمة العداء .
ج ث :
الحسم في المقاومة الفلسطينية سواء كانت إسلامية أو وطنية أو قومية لن يتم تحت أي ظرف ، ومن يعتقد العكس لا يكون واهما؛لأن الواهم قد يتبين ما توهمه فإذا به حقيقة لأنه يأخذ بشيء من الظن ويعتمد عليه ، بل يكون جاهلا بطبيعة الصراع وعناصر تغذيته وآليات تحريكه وتمكنه من وجدان الشعب الفلسطيني واختلاطه بقلبه وعقله، لا تنطفئ المقاومة ما دامت حديقتها الخلفية والأمامية وعن يمينها وشمالها انتفاضات وعمى القادة الإسرائيليين، فهم ــ أي القادة الإسرائيليون ــ لا يتصورون إنهاء كليا لرفع وصايتهم وسحب أيديهم عن الضفة الغربية وقطاع غزة ، يستخفون بالضعفاء مستندين في ذلك على قوتهم المادية التي لن تفيد في تكسير القلوب المؤمنة بعدالة قضيتها وتغيير قناعات العقول البصيرة بآفاق مستقبلها، ولا فرق في ذلك من حيث النضال والكفاح والمقاومة بين حماس والجهاد وغيرهما من الوطنيين والقوميين والتقدميين والشيوعيين .. وهذا موقد للنار يحتفظ دائما برماد ساخن لا يعدم جمرا يشعل الانتفاضات بين حين وحين .. إن المقاومة هي ما تبقى للشعب الفلسطيني، هي السندان الذي تتحطم عليه الحسابات الخاطئة.
المقاومة هي ما تبقى لهذه الأمة، فهي التي باتت مفشلة لمخططات الإمبريالية، وفي موتها موت لقضايا العرب والمسلمين الكبرى مثل تحرير البلاد والعباد، ومن حسن حظ المستضعفين والمظلومين أنها فكرة لا تتبع الجنس في رحلته؛ بحيث إن مات الإنسان ماتت معه، أو تبعته مثلما يتبعه جنسه ، بل هي حية ما دام هناك فكر يسكن قلبا أبيا، وعقلا متحررا ..

ثانيا:
قضية لبنان
أ ــ الحسم في مزارع شبعة وكفر شوبا والحدود .
ب ــ المقاومة اللبنانية.
ت ــ اللاجئون.
ث ــ ديمقراطية خاصة.

ج أ :
مزارع شبعة حسمت بتصريح وزير الخارجية السوري وليد المعلم مرتين ، مرة قبل اجتماع وزراء الخارجية العرب في بيروت إبان الحرب القذرة على لبنان في شهر يوليو وغشت الماضيين، وحسمت أيضا عند القمة، فقد قطع الوزير الطريق على أي مبرر يمكن أن تتمسك به إسرائيل؛ بحيث أعلن أنها تابعة للبنان، ومع ذلك، وبعد التصريح؛ سمعنا تصريحا أمريكيا يؤكد أن مزارع شبعة لا يزال مختلفا بشأنها، ولا ندري بين من ومن ؟ الشيء الذي يؤكد غياب النضج السياسي في التعاطي مع الأحداث لولا عجرفة القوة وغرور التفوق ، فلا يقول بذلك سياسي مبتدئ ما دام المعنيان هما لبنان وسوريا قد اتفقتا إلا أن يكون هناك طرف ثالث دخل فيه وهو غير موجود، ومع ذلك يؤخذ هذا التصريح بعين الاعتبار، فالذي يبدو يكشف أن هناك ترتيبا آخر لمزارع شبعة وتلال كفر شوبا في ذهن الإدارة الأمريكية خصوصا وأن عينها لم تزل على الحولان والذي من خلاله وفوق هضبته يمكن الإشراف على بيروت ودمشق وعمان وبغداد ..
المهم أن مزارع شبعة وكفر شوبا هما من ضمن التراب اللبناني يجب بسط السيادة اللبنانية عليهما وهذا بسيط لا يتعثر لذاته أثناء السير في تطبيقه، بل يتعثر فيه بأيد أجنبية وأخرى عميلة ويقصد به غيره وهو المقاومة ، وعلى كل حال لا حل لهما قبل حل مشكل المقاومة .
ج ب:
المقاومة في لبنان تضم حزب الله والفلسطينيين من شيعة وسنة وقوميين ووطنيين وشيوعيين.. وهي في أجندة الحل تعني أي فرد أو جماعة تحمل سلاحا غير الجيش اللبناني , والفلسطينيون بسلاحهم مؤثرون، ولكن في حدود مخيماتهم، ومع ذلك يحسب لهم ألف حساب لاحتمال توجيه سلاحهم نحو نحر إسرائيل؛ وقد حصل ، وعليه وجب نزع سلاحهم هم أيضا، ولكن نزع سلاحهم لن يكون حلا أوليا ؛ لأن رأس الحربة حزب الله وليس المنظمات الفلسطينية التي طالما صرح ناطقون باسمها في لبنان أن أسلحتها موجهة إلى إسرائيل وإسرائيل فقط ، لا يكون البدء بالمسلحين الفلسطينيين في مخيم عين الحلوة أو غيرهم، وحتى محاولة جعل السلاح الفلسطيني مقدمة لنزع سلاح حزب الله من باب كسب التأييد وإفراغ الحزب من أية ذريعة يتذرع بها بعيد جدا؛ لأنه لا يتكلم عنه إلا عند التماس مع قوات تستهدف المخيمات الفلسطينية في لبنان كمخيم عين الحلوة مثلا .
إن الظروف الراهنة جعلت من حزب الله ولبنان بوابة الشرق الأوسط الجديد، بابا لتنفيذ المخطط الأمريكي بواسطة إسرائيل، وقريبا بالاستعانة بالقوات الدولية وقوى لبنانية معادية للمقاومة، هذه الباب يجب قلع مصراعيها لتدخل منها أمريكا ، وحزب الله لم يعد شأنا لبنانيا في حياة النظام السوري ، بل أضحى حاجة سورية ملحة ، ولا يقال أنه حاجة إيرانية أيضا، لا يقال ذلك ولو أن يظهر على الساحة ما يشير إلى وجود علاقة ما ترعاها إيران وهي موجودة فعلا ؛ لأنه وإن اتخذ حديقة خلفية للمذهب الشيعي والنفوذ الإيراني إلا أنها حديقة لا تهيمن عليها إيران، ولن تستطيع الهيمنة عليها في المدى المنظور في ظل الرفض السوري الرسمي والشعبي ، ولذلك ؛ ورغم وجود غزل سياسي يتقاطع ويتواصل مع المصالح الإيرانية السورية غير أنه لا يدوم إلا بظروفه، وهي ظروف تستهدف النظام السوري والنظام الإيراني وتدفع بها إلى نشوء أحلاف، وعليه لابد من التعامل مع الحزب بازدواجية ، ومع التجمع الدولي بازدواجية أيضا ، فسوريا من جهة تمسكها بالقرار1701 والدعاية له لا تسمح لنفسها بتطبيقه؛ إذ في تطبيقه على ضوء عدم إخلاص أمريكا لعملائها وخوفهم من خيانتها واتعاظهم من مصير الشاه الذي رمته كجراد ميت كما يقول في مذكراته وقد سار معها أملا في إعادته إلى كرسيه ، كل ذلك يشرع بيبان الفوضى في سوريا وهي مرشحة لأن تكون عراقا ثانيا لا تدركه أمريكا، سوريا لا ينقصها مشاكل في تركيبة مجتمعها الكوكتيلي الديني والطائفي والسياسي والإيديولوجي .. وعليه وجب إدراك أن حياة النظام السوري في حياة حزب الله ومنه، في حياة المقاومة القادرة على إفشال المخططات، أو على الأقل فرملة العجلة الأمريكية وتعطيل دورانها مؤقتا. وفي تغيير ظروف المنطقة وميزان القوى فيها يكون التعطيل نهائيا وهو قاب قوسين أو أدنى لو يتحرر العرب والشعوب المؤهلة للتحرر، هذه الظروف تذكرنا بالظروف التي جاء فيها عبد الناصر والعالم العربي على وشك التحرر من الهيمنة الإمبريالية فحرف مساره ، وتسبب في إدخال إرادة التحرر غرفة الإنعاش في ذلك الوقت ، وهذا يطول شرحه ولا يفيد لأنه يدخل ضمن البحوث السياسية والعلوم السياسية تفيد الأكاديمي ولا تفيد السياسي إلا كمعلومات ربما يستنير بها، ومع ذلك وجب التنويه بحياة إرادة التحرر في المنطقة وعند العرب والمسلمين ولو أنها لا زالت في غرفة الإنعاش ..
إن الالتفاف على حزب الله من الحدود السورية اللبنانية في مئات لا تتعدى الثلاثة من الكيلومترات ، وعبر ممرات أربعة رئيسية ، ومن الجنوب اللبناني أيضا لا ينهي الحزب ، ولا ينزع له أسلحته ، فذلك لو أريد يقرر بأنه شأن عسكري، وليس شأنا سياسيا، ولقد جربته إسرائيل في ظرف 33 يوما من العدوان على لبنان واشتبكت مدة 23 يوما مع المقاومة في أرض مكشوفة ، ودفعت نحو تحقيقه أمريكا بضغطها على ألمرت في أن لا يعلن وقف إطلاق النار أملا في القضاء على الحزب ؛ دون جدوى ، وعليه لا ينزع السلاح إلا بالسلاح أو بالاتفاقيات . والسير في المخطط الدولي ( الأمريكي ) يقضي بتسليم حزب الله لأسلحته؛ لأنه معني أيضا بالقرار الأممي، فسيفعل في ظل المناورة ليقدم أسلحة وعتادا، ولكنه يبقي على أخرى قادرة على الردع ، و قادرة على تغيير النظرة، قادرة على استبدال الظروف واستنبات أخرى لا تشتهيها الإدارة الأمريكية، وهذا قادم ، سيوهم حزب الله
المجتمع ( الدولي ) أن ما لديه من أسلحة ليست هي التي قدمها وقاتل بها، ولقد أشار نصر الله يوم ــ 23 ــ شتنبر 2006 أن لدى الحزب 20 الف صاروخ ، أعلن ذلك تصريحا سياسيا يناور به ويخيف أعداءه الداخليين ويبعث برسائل لكل من تيار المستقبل والتيار الوطني الحر وكل قوى 14 آذار ، فهو حذر، بل إن الشاميين كلهم حذرون ، وهذا جميل إلا أن يحذر المرء من المخلصين لنفس موقفه فيضيع على نفسه وعليهم نجاح العمل ، سيخفي أسلحة وعتادا في مخابئه وعند مقاتليه ليوم الغدر المعهود في إسرائيل وفي أمريكا، وعندها سيكون للوضع وجه آخر، هذا هو السينار يو المقبول لنزع سلاح حزب الله ، أما العمل العسكري ففيه خذلان بحيث يتوقع للأوروبيين ألا ينساقوا وراء حماقات أمريكا، فلقد أدركوا أنهم إن فعلوا فسيقاتلون نيابة عن أمريكا كما يقاتل العراقيون العراقيين نيابة عنها والأفغانيون الأفغانيين نيابة عنها أيضا، لقد بدأت تستعملهم وهم واعون عليها، ولكن مصالحهم لازالت معها .. أوروبا لا تساير أمريكا مسايرة الدواب لمن يأخذ بناصيتها ، إن لها مواقف ومصالح مع كلا الطرفين، وهي مبعدة عن أي حل، وما قبول أمريكا بها عند حالات خاصة كحالة ولادة القرار1701 يتزعمها الفرنسيون ما هو إلا اضطرار يتقرر على ضوئه السلوك كالذي ظهر، وأما غير ذلك فلا تقبل أمريكا إلا بالتفرد كما حصل في إعلان الحرب على العراق والشواهد كثيرة .. إن القوات الدولية وإن وضعت للالتفاف على سلاح حزب الله، لمنع تزويده بالسلاح من الخارج يظل ثغرا مثقوبا بوجود سوريا فيه، وستكون سوريا هي الحارس الأمين؛ لأنها مستهدفة بمخطط الشرق الأوسط الجديد وذلك باستهداف لبنان في شخص حزب الله والمقاومة .
وأما الجيش اللبناني فلا يراد له أن يتسلح إلا في حدود معلومة ، في حدود لا توصله إلى مستوى قدرات حزب الله وأسلحته، وها هو بجيش يزيد عن مائتي ألف ولكنه دون أسلحة، سيظل لبنان أرضا مفتوحة للجيش الإسرائيلي وللمصالح الأمرو إسرائيلي .
إن سوريا بإعلانها إعمار أربع قرى لبنانية في الجنوب منها : قانا.. تؤكد رغبتها في التواجد حيث إمكانية خلق مفاجآت، وبناء قواعد خلفية لجيشها وللمقاومة يستعمل عند الضرورة . لقد خرجت سوريا من لبنان ولم تخرج مثلها مثل الغلام الذي كبر ولم يكبر، والثعبان الذي ولد ولم يولد في القصة الممدرية : بوشتسونامي . ذهب الجيش السوري وبقي النفوذ السياسي والأمني .. أما اقتصاديا فلبنان يعيش مربوطا بسوريا وضربه وتدمير بنيته التحتية ضرب للاقتصاد السوري المتغلغل فيه بشكل شبه كلي، صحيح أنه منذ خروج الجيش السوري من لبنان تبعه خروج أموال باهظة كرأسمال أجنبي ولبناني يقدر بعشرات المليارات؛ غير أنه سيظل معتمدا على سوريا إن في مده بالعمالة والتي تقدر ب 800 الف ، ومن التقارير ما تشير إلى مليون ونصف مليون عامل سوري، أو بموظفين وسلع وخدمات .. وهناك من أرباب العمل في لبنان من لا يصرح بعمال وموظفين سوريين يعملون لديه، بل إن انكماش الاقتصاد اللبناني في هذا العام سيرغمه على الاعتماد على سوريا رغم وعود دول خليجية وجهات دولية بتقديم مساعدات مالية من أجل إعمار لبنان ، كل هذا لا ينفي اعتماد الاقتصاد اللبناني ولو في هذه اللحظة على سوريا ، ستظل أمور خلافية مثل ضبط الهجرة السورية إلى لبنان ــ الأمر يتعلق بالعمالة ــ وترسيم الحدود وتطبيع العلاقات القائمة أصلا بين شعب لبنان وشعب سوريا ، وتبادل السفراء، ومحاولة الانفلات من هيمنة النظام السوري وتأثيره في مجريات الأمور داخل لبنان بحيث يستطيع دفع سياسات وتعطيل سياسات .. سيظل لبنان جزءا من سوريا عمليا ولو أن يظل ما ظل في الدستور والأعراف والقوانين الدولية دولة مستقلة، ولولا سايكس بيكو لذاب لبنان في سوريا منذ زمن بعيد، ولولا التأييد الدولي لفئات قليلة فيه، والتي إن تم تسويتها
بالمواطنين في حق دستوري يقضي بأن يكون رئيس الجمهورية مسيحيا مارونيا وذلك باستفتاء مثلا على تغيير الدستور فإن جهات أجنبية كأمريكا وفرنسا ستدفعان بقوة من أجل منع حصول هذا للإبقاء على صفة العنصرية في النظام اللبناني بحيث لا يحق لمسلم شيعيا كان أم سنيا أن يكون رئيسا للجمهورية اللبنانية ، ولا يعني أن اندماجه الكلي مع سوريا أمر مستحيل، أو هو مستبعد، كلا، فمكونات الوحدة وعناصرها متوفرة لا تحتاج إلا إلى تغير في الموقف الدولي بدخول دولة ما فيه جديدة تقوم بدور المنافس على مركز الصدارة وعلى النفوذ وعلى الثروات حتى تفسح المجال لبروز الجديد في منطقة الشرق الأوسط، بل والعالم .
ج ت :
اللاجئون الموجودون في لبنان فلسطينيون لن يعودوا إلى فلسطين، ولن يستوطنوا الضفة الغربية وقطاع غزة إلا على ألسن الدجالين من المروجين لفكرة العودة ــ هناك داعون للعودة صدقا وليس كذبا ــ ولا يقال بأن عودتهم متبناة من طرف منظمات وهيئات دولية وإقليمية، لا يقال ذلك لأن عشرات القرارات بشأن ذلك وبغير ذلك لم تستطع المنظمة الدولية تطبيقها ولن تستطيع في ظل ميزان القوى الحالي والذي لا يتوقع له التغيير سريعا، لا يسار إلى ذلك إلا عندما يدخل طرف فاعل مؤثر في تغيير مجرى السياسة الدولية التي تسير بها واشنطن وتستأثر بالتفرد في الـسير فيها ، لا حق لفلسطـينيي الشــتات في العودة، يمـكن أن يعودوا ولـكن كأفراد و بتصريحات إسرائيلية سواء كان ذلك للسياحة أو لزيارة الأقارب، وهذه الصفة لن تسمح لهم بدخول فلسطين إلا بعدما يدمجون في النسيج الديموغرافي اللبناني، ستثبت لهم تلك الصفة، ولكن بعدما يصيروا مواطنين لبنانيين وليس مواطنين فلسطينيين، ستمنح لهم الجنسية، وسيدمجون عند الحل النهائي، وستقبل بذلك لبنان والسلطة الفلسطينية تحت طائلة الشجب والإدانة تبريئا لذمة غير مبرئة ، وستدفع لذلك أموال من جميع الأطراف عربية وأوروبية وأمريكية، ستروض الظروف السياسية المحلية والإقليمية والدولية بعد خلقها فتفرض واقعا جديدا موجودا أصلا ، ولكنه في حاجة إلى تغطية بإبرام اتفاقيات سلام ولو أن يظل أكثر الفلسطينيين واللبنانيين والعرب والمسلمين رافضين لها، يمكن أن تتكرر كامب ديفيد تحت مسمى آخر وبوجه ممكيج يخفي آثار التشوه فيه، ولا يفهم من هذا أن ما يجري الحديث بشأنه في مسألة تفعيل عملية السلام أو انتقال الملف إلى مجلس الأمن وعقد مؤتمر دولي بشأنه أنه جدية فعلية، لا ليس هو كذلك ، ما هو إلا استراحة مقاتل جبان لا يفكر في العودة إلى المعركة، بل يفكر في الفرار من القنص السياسي الذي يطاوله من طرف المتظلمين من الشعوب والمستضعفين في الأرض، يسعى بالتأني إلى تجاوز انتخابات قادمة أواخر هذه السنة ، وانتخابات رئاسية قادمة، وكل هذا سيتم طمسه شيئا فشيئا بمسرحيات محاربة الإرهاب الذي بات أغنية بالية وسيمفونية مقيتة ..
إن اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات الفلسطينية بلبنان قد حسم أمر مصيرهم منذ زمن بعيد، ويقبل بذلك النظام العربي والسلطة الفلسطينية، وليس لهما إلا الاتفاق؛ مع مزيد من التنازلات ، وستظهر تصريحات هنا وهناك تطالب بعودة اللاجئين ولن تكون سوى حركة المذبوح سرعان ما تختفي لأنها ستكون ظرفية يقصد بها دغدغة مشاعر الناس حتى ينتهي أمر المقاومة اللبنانية لأنها، ولأن أمر القضاء عليها؛ في غاية الصعوبة ..
المقاومة اللبنانية مستهدفة من طرف إسرائيل وأمريكا وأوروبا والنظام العربي الرسمي، مستهدفة من طرف وليد جنبلاط وسمير جعجع وغيرهما من قوى 14 آذار .. لقد بدأت معالم السيناريو تظهر، فقوات اليونيفيل مرشحة للعب دور المساهمة في نزع سلاح حزب الله، ولن تتحرك هذه القوات دون دعم لبناني داخلي من سياسيين وعسكريين وأحزاب وطوائف وميليشيات، وفي منتصف الطريق إن لم يكن عند بدايته سيعود لبنان إلى الحرب الأهلية، وبها يتم فتح باب سوريا إذا تعذر فتحه بالقرار 1701 ..
إنه من غير المصادفة أن يتعرض لبنان للتدمير والتخريب وضرب بنيته التحتية منذ سنة 1978 إلى غاية سنة اندحار القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان وانسحابها الذليل وهروب عملائها من الميليشيات المنهارة سنة 2000 ، ليس مصادفة أن تضرب محطتي الجمهور وبصاليم سنة 1999، ومحطات تحويل الكهرباء في الجمهور قرب بيروت وبعلبك بالبقاع ودير نبوح بالشمال ، ليس مصادفة أن يصل رقم الخسارة إلى 15 مليار دولار حتى غاية سنة 2000 ويصل إلى 8 مليار دولار أو يزيد في حرب 33 يوما الأخيرة، ليس مصادفة أن تبادر دول أوروبا وتقترح مساعدات لإعمار لبنان المدمر في سنة 2000 بينما تقترح أمريكا 50 مليون دولار مساعدة لإسرائيل لحماية حدودها في ذلك الوقت، ليس مصادفة أن تعود نفس أوروبا ويعود نفس العرب لاقتراح مساعدات لإعمار لبنان دون الالتفات لمن دمر وخرب ويتم وهجر وأثكل .. ليس مصادفة أن يتشابه السيناريو وقد طال في سنة 2006 كما فلي السابق محطات الكهرباء والجسور والمؤسسات والدور والناس والأراضي الفلاحية والزراعية، كما ليس من الغرابة أن تعود حليمة العربية لعادتها القديمة رغم مرور عقدين كاملين من العدوان مع شيء من الإكراميات .
ج ث :
الديمقراطية الخاصة عبارة عن ديمقراطية تظهر بحسب نوعية الخطاب السياسي الجديد ، هذا لن يكون إلا عندما يقضى بشكل مؤثر على المقاومة، ستظهر ثقافة تجعل من الإدماج والتوطين وقباحة التسفير والتهجير محورا تنشط له وسائل الإعلام وتستأجر له أقلام معروفة، تنشط للدعاية له وخلق مبرراته هيئات علمية من القاهرة ودمشق والرباط وبيروت وغيرها .. ستكون ديمقراطية تستحسن التوطين في لبنان وتستقبحه في جهات أخرى لأنها ستكون ديمقراطية وصولية وهي عين الديمقراطية الأمريكية والإسرائيلية ، إنها الديمقراطية فوبيا ..

ثالثا :

قضية سوريا
أ ــ الحسم في مزارع شبعة وهضبة الجولان .
ب ــ القيادات الفلسطينية .
ت ــ اللاجئون .
ث ــ الديمقراطية الوصولية .

ج أ :
الحسم في مزارع شبعة وتلال كفر شوبا لا يحتاج إلى مقدمات ، فهي محسومة سلفا بتصريحات وليد المعلم وزير الخارجية السوري أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان ، أما ما يجري بشأنهما من طرف الإدارة الأمريكية فإنما هو ركوب على لوح مسنن يراد به استقلالا لتصريحات كاذبة . أمريكا تبقي على مزارع شبعة وكفر شوبا كمسألة غير محسومة لركوبها، فالقول أنه لا يزال مختلفا بشأنهما من طرف سوريا ولبنان قول لا يقول به لبنان ولا تقول به سوريا، بل نقول به الولايات المتحدة الأمريكية ، وسوريا ولبنان تقولان العكس ، وفي ذلك استغباء للناس والدول بجعل المسألة ذات طابع خلافي وهو غير كذلك ..
أما هضبة الجولان فإنها موقع هام جدا للإشراف على الشام بجغرافيته القديمة ــ سوريا ، لبنان ، فلسطين كلها بما فيها الأردن وإسرائيل ـ كما تصلح الهضبة للإشراف أيضا على العراق ، ولقد تم احتلاله نتيجة حرب لا تزال تثير استفهامات كبيرة ..
الجولان هضبة لا تعني سوريا وإسرائيل فقط ، بل تعني الولايات المتحدة الأمريكية أيضا، فهذه الأخيرة لا يتوقع لها أن تسعى إلى حل يرجع الجولان إلى سوريا ، لا يتوقع ذلك ، فلأن يبقى على وضعه الحالي أهم من تسليمه إلى سوريا في نظر الولايات المتحدة الأمريكية . والسيطرة الإسرائيلية عليه تعني استباحته من طرف أمريكا وهي منه الآن تشرف على المنطقة كلها بواسطة ربيبتها، وإبقاء إسرائيل مهيمنة عليه موقف تقبل به الولايات المتحدة الأمريكية لولا تفاعلاته السياسية في الموقف الدولي بسبب وضعه الذي ظل وضعا غير مقبول تشوش عليه بين الحين والآخر قوى وطنية وإقليمية ودولية ، وعليه وبحسب الظروف الجديدة التي ستساهم في خلقها الولايات المتحدة الأمريكية ، ستضغط أمريكا لرفع يد إسرائيل عنه، ستعرقل السيرنحو الحل الذي لا تتبناه مثل الحل النابع من الشرعية الدولية والقاضي بإرجاع الجولان إلى أمه سوريا، ستدفع بكل قواها لإبقائه على ما هو عليه، وإذا أريد له أن يدخل ضمن الحل الشامل لمنطقة الشرق الأوسط الجديد بسبب حرج يدفعها للماكياج وللمصداقية ستحتال على الظروف من أجل عرقلة حله من هذا المنظور ولو أن تدفع به إلى حل دولي من أجل الإبقاء على الإشراف على الشام التاريخي وعلى العراق ..
أمريكا تريد الجولان لنفسها وليس لإعادته لسوريا .
ج ب :
القيادات الفلسطينية جزء من مشكلة اللاجئين غير أن وضعها مختلف ، ولذلك أفردنا لها جوابا خصا بها ، فقيادة حماس وقيادة الشيوعيين وغيرها من القيادات التقدمية والإسلامية والقومية لا تنظر إليها أمريكا من زاوية واحدة، ولا ترميها عن قوس واحدة، ولكل مقام مقال كما يقال ، فالقوميون والتقدميون يقبلون بإسرائيل كدولة ولا يشترطون إلا رفع يدها عن دولتهم التي يتمنون قيامها على الضفة الغربية وقطاع غزة، دولة بغير مواصفات الدولة في عين السلطة الفلسطينية ذاتها وهم يروجون للعكس، فهم لا يتبنون طرد إسرائيل من فلسطين؛ كل فلسطين كجسم دخيل بالقوة سنة 1948 على حساب تقتيل وتشريد وتهجير السكان الأصليين .. وعليه فإدخال هؤلاء في العملية السلمية أمر ميسور لا يحتاج إلا إلى ظروف تكون لصالح السيناريو وليس لغيره تقبل به إسرائيل وأمريكا بعد تجاوز العقبات المتمثلة في المعارضين للحل الذي يأتي من ترتيب وتخطيط أمرو إسرائيلي ، أو أمريكي محض يرغم إسرائيل على قبوله بمسرحية ولو أن تكون المسرحيـة حرب مع سوريا ومع بعـض العرب ضمن خريطة لا تتجاوز مع الخوف الشديد من خروج التمثيلية عن السيطرة . أما قيادات حماس ومن يتبنى طرحها من الأفراد والجماعات فالالتفاف عليه يأخذ جانبين : جانب سيـقبل بالعملية السلمية، وتبرز تحت ذرائع لا ضرورة أن تشبه تلك التي استذرعت بها منظمة التحرير الفلسطينية حتى باتت في قبضة الإسرائيليين وتحت رحمة أمريكا والمجتمع الدولي رغما عن المجتمع العربي الذي لم يعد قادرا حتى على التحكم في مجريات الأمور داخل جغرافيته ، وهؤلاء القياديون سيحسبون جزءا من العملية السلمية ؛ وكنتيجة لا بد من توفير مقاعد لهم، ولا بد من إعطائهم دورا ما في المشهد السياسي الفلسطيني القادم، لا بد من استعمالهم شوكة في حلوق من كانوا إخوانهم وحلفاءهم بالأمس، وهذا ليس غريبا على الساحة السياسية الفلسطينية، فعادة التدجين السياسي تصنع سياسيين مرغوبين بمواصفات ترضى عنها أمريكا وإسرائيل ، أو ترضى عنها أمريكا دون إسرائيل .
والجانب الثاني يتمثل في القيادات التي لا تتنازل عن خطابها السياسي ومبادئها السياسية، هؤلاء لا مكان لهم في المشهد السياسي المرتقب، لا يمكن أن يقبل بهم بما لديهم وما هم عليه من المواقف والأفكار، وعليه فإن تصفيتهم مطروحة، وإن ترحيلهم مطروح ، وإن تسليمهم مطروح وتبقى السيناريوهات مفتوحة على هذه الاحتمالات ، وسيعمل بها بحسب ما تحققه من دفع للعملية السلمية من منظور لا تقبل به هذه القيادات، ولا تقبل به الشعوب العربية وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، والظاهر أن نفس إسماعيل هنية هو الذي بات يدفع إلى إحداث انشقاق في صفوف حماس وذلك بتصريحاته الأخيرة بشأن الحكومة الفلسطينية الوطنية، لقد بدت عليها مرونة من مثل قولها على لسان هنية أن المفاوضات مع إسرائيل شأن السلطة الفلسطينية، وأن دولة فلسطين يجب أن تكون على كامل تراب الضفة الغربية وقطاع غزة .. هذه التنازلات لا داعي لمقارنتها بمرونة منظمة التحرير الفلسطينية في مسيراتها الكفاحية عبر العقود الماضية حتى اتفاقيات غزة أريحا وانتهاء بأوسلو ثم مدريد ، هذا سيجعل من حماس تيارين اثنين : واحد يتبنى المرونة والتنازل شيئا فشيئا حتى يصبح مقبولا في العادة السياسية والمشهد السياسي ، وآخر سيبتعد وسينفصل ليشكل تيارا معارضا يحافظ على ثوابت ما قامت عليه حماس ، وسيجعل المقاومة بوجه آخر . هذه هي صورة القيادات الفلسطينية وخصوصا حماس ، وعليه لا يتوقع طرد القيادات الفلسطينية من سوريا ، كما لا يتوقع تسليمها إلى إسرائيل لمحاكمتها باعتبارها قيادات حركة إرهابية ، بل سيرفع عن أغلبها صفة الإرهاب كثمن مدفوع مسبقا من أجل القبول بها جزءا من المشهد السياسي الفلسطيني تنافس السلطة الفلسطينية وتتصارع معها على النفوذ وتتسابق معها على الانبطاح ، سيتم تطويع قيادات فلسطينية من حماس ومن غيرها للسير في عملية سلمية تجرى عليها عملية التجميل حتى تبدو مقبولة للكثيرين تواطؤا وانخداعا ..
ج ت :
اللاجئون الفلسطينيون في سوريا سيطبق عليهم نفس سيناريوهات اللاجئين في لبنان والأردن والعراق ولا يهجرون بنفس سيناريو التهجير الذي تم من الكويت إلى الحدود العراقية ؛ هذا كانت له ظروفه وانتفت ولن تعود ، وعليه لا يعودون إلى الكويت للاستيطان فيها، قد يتم استوطناهم في العراق أو الأردن أو سوريا أو أي بلد غير الكويت ، قد يذهب ببعض منهم إلى دول عربية أو غربية ويمنحون جنسياتها لبعثرتهم وتذويب مشكلتهم التي تقع في ذيل المشكل الأصل والذي يطوي تحته مآت الآلاف .. المهم ألا يعودوا جميعا إلى فلسطين، لن يعودوا جميعا ولا فرادى إلى ما قبل 67 ولا إلى ما بعد 67 في الضفة الغربية وقطاع غزة، لن يعودو إلا زائرين أو سائحين ، ولكن بفيزا إسرائيلية، ولا يشفع لهم، كما لا يشفع لغيرهم ممن هم في الشتات عشرات القرارات والمواثيق الدولية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة، فلا قرار رقم 194 لعام 1948 ولا قرار 302 و236 لسنة 1974 ولا المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحريات المدنية والسياسية ، لا هذا أو ذاك من القرارات بقادر على إلزام إسرائيل به ..
ج ث :
أما موضوع الديمقراطية فوبيا فهو ديمقراطية منقوصة لا تمام لها ؛ لأن في بقائها ناقصة تظل فوبيا حقيقية يخوفون بها كل معارض لهم ولمخططاتهم حتى يقبل بهم، وفي قبول السوريين بها تفكيك لعقدهم الاجتماعي العجيب، وخلق تطلعات فيدرالية من منظور طائفي تستهدف في النهاية الحيلولة دون مركزية الدولة، ولكنها
في الواقع تكون ديموقراطية غائبة، وهذا إن حصل سيعجل في القضاء على حزب الله ، على المقاومة المختلفة الفكر والمذهب والإيديولوجية .. ولكنه مرهون بتحقيق ديمقراطية فوبيا في العراق وإن كان لبنان مفتاح سوريا ، فسوريا النظام تحيا بلبنان، وتحيا بالمقاومة تحديدا.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home