القلم النقدي

 

ملاحظات نقدية حول البيان الإسلامي- العالمي لحقوق الانسان

زهير الخويلدي



 ملاحظات نقدية حول  البيان الإسلامي- العالمي لحقوق الانسان
زهير الخويلدي

"الحق تعبير عن النشاط البشري في حين أن القانون تقييد لهذا النشاط"

يحتفل العالم بالذكرى 58 للإعلان العالمي لحقوق الانسان يوم 10 ديسمبر 1948 ورغم كون هذا الإعلان يعد مكسبا هاما في تاريخ البشرية وقيمة ثابتة نادرا ما يجود بها علينا المجتمع الدولي ودليل على وصول الوعي البشري الى مستوى الرشد و تحكيم إرادته الطيبة في تنظيم العلاقات بين الدول والأفراد تنظيما عقلانيا بنبذ الحرب والسعي لتثبيت السلم الدائم إلا أننا نشهد على صعيد الواقع انتهاكات خطيرة لمنظومة حقوق الانسان وحرمان لشرائح كبيرة من التمتع بهذه الحقوق الأساسية التي لا يمكن التصرف فيها وهي الحياة والحرية. وقد شهدت المنظومة الحقوقية ثورة كبيرة في السنوات الأخيرة بحيث صار البعض ينادون بحقوق الشعوب في تقرير مصيرها وحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة والأقليات المنبوذة وحقوق الحيوان والنبات وحق الإجهاض والموت الرحيم والاستنساخ من أجل تهذيب النوع الآدمي وحق التمتع بالتعديل الجيني من أجل التخلص من الأمراض الوراثية والمزمنة بالنسبة للأجيال المقبلة .غير أن هذه الثورة عانقت سماء التجريد وتميزت بمثالية مفرطة تقودها ثقة ساذجة في الانتصارات التي حققتها علوم الحياة في الآونة الأخيرة فهي قد أهملت حجم أشكال الفقر والظلم والحيف التي تسلطت على الانسان في العالم النامي وتكاثر موجات الهجرة السرية والعودة الفاضحة للرق والعبودية ولتجارة الأطفال واستغلالهم للعمل في المنازل أو للسياحة الجنسية ,ونسيت كذلك تراجع الحماية الاجتماعية للدولة للأفراد فقد تدهورت الخدمات الصحية في العديد من بلدان العالم وأضعفت مردودية التعليم المجاني وبرزت دعاوي تميل الى خوصصته مما يعني عودة التخلف والأمية بشكل مغاير كما أن فرص الشغل التي تمنحها بعض السياسات للأيادي النشطة نادرة هذا إن لم نقل معدومة مما يشجع ظهور الفساد والجريمة والسرقة وبعض الأنشطة الطفيلية كالسمسرة والشركات الوهمية التي تتاجر بالعباد والأعراض.
إن منظري حقوق الانسان لم ينتبهوا الى هذه المعضلات ولم يقرؤوا ألف حساب الى التباعد بين سماء التجريد وأرض التطبيق وبين الشعار والممارسة اذ يا ترى لماذا ظل هذا الإعلان العالمي مجرد نداء؟ ولماذا بقي الإعلان العالمي لحقوق الانسان حبرا على ورق ولم تلتزم به الأطراف الحكومية الموقعة عليه والداعية الى احترامه؟ ألا ينبغي أن ننتقل من الحديث عن حقوق الانسان الى الحديث عن حقوق الشعوب وأن نميز بين حقوق الانسان وحقوق المواطن؟ وألا يجب أن نبحث عن محصنات وضمانات تمثل شروط إمكان احترام وتطبيق المنظومة الحقوقية المتكاملة على صعيد الممارسة اليومية؟ ماهي عوائق احترام حقوق الانسان؟ ألا يمثل الدين حجرة عثرة أمام قيام حقوق الانسان؟ لماذا عارض النظام السعودي المعروف بتبنيه المرجعية الوهابية سنة 1948 الإعلان العالمي لحقوق الانسان؟ هل يمكن أن تكون الأسباب سياسية وليست دينية؟ كيف نفسر تحفظات الاتحاد السوفياتي الذي يتبني العقيدة الماركسية؟
أليست سياسات الدول غير الديمقراطية هي أكبر حاجز يمنع احترام منظومة حقوق الانسان؟
ما نلاحظه اليوم أن حقوق الانسان ليست سوى حقوق الانسان الغربي المتفوق الذي أخذته العزة بنفسه فصار يرى ذاته المرجعية الوجودية العليا ومصدر الحضارة وبوصلة التقدم التاريخي ,والحق أن الانسان الغربي هو عضو المجتمع البرجوازي الرأسمالي الأناني المفصول عن الانسان في براءته الأصلية .
زيادة على ذلك إن حق الحرية والحياة ليس في النهاية سوى مظهر لحق الملكية وحق الملكية الفردية يتعارض بطبعه مع المساواة والعدالة والأمن,اذ ليس ثمة إذن أي حق من حقوق الانسان يتخطى الانسان الأناني المنطوي على ذاته والمنشغل فقط بمصلحته الشخصية والمستجيب لتحكمه الفردي الخاص. "فالإنسان ليس منظورا إليه في
هذه الحقوق بمثابة كائن بشري اجتماعي بل على العكس تماما فإن الحياة البشرية نفسها أي المجتمع تظهر بمثابة إطار خارجي عن الفرد بمثابة تحديد حريته." إذا عدنا الى وضعية حقوق الانسان في حضارتنا فإننا نلاحظ العديد من التعثرات والإخفاقات سواء في قبول الرأي العام لهذه الفكرة أو عند تعامل الأنظمة الحاكمة معها,فقد تراوح شعار حقوق الانسان بين التوظيف لخدمة الدعاية السياسية الرائجة والتبني الصادق كحبل نجاة أخير لبعض الكفاءات المعارضة, دون أن نهمل حالة الجمود التي تعيشها بعض الجمعيات القطرية والقصور الحراري الوظيفي التي هي عليه بسبب غياب الديناميكية الداخلية وهيمنة الشيوخ المؤسسين عليها أو نتيجة تدخل السلطات في عملها ورغبتهم في احتوائها واختراقها ,ولكن رغم كل هذا التضييق والتأخر فإن الجمعيات والرابطات التي تعنى بشؤون حقوق الانسان قد تكاثرت والندوات والمؤتمرات المنظمة في هذا الشأن قد ازدهرت والبيانات العربية والإفريقية حول حقوق الانسان والمواطن قد تعددت دون أن يرافقها تحسن وازدهار على مستوى تمتع الناس بحقوقهم في الحياة اليومية . ولرفع الشبه ومن أجل تبيئة هذا الخطاب الحقوقي في الحضارة العربية الإسلامية فان البعض من المفكرين التنويريين أكدوا على عدم وجود تعارض مطلق بين الإسلام ومنظومة حقوق الانسان فقد جاء في البيان الإسلامي- العالمي لحقوق الانسان الذي أعلن في مقر اليونسكو بباريس سنة 1981 ما نصه:
"بسم الله الرحمان الرحيم
مدخل
شرع الإسلام - منذ أربعة عشر قرنا- "حقوق الانسان" في شمول وعمق,وأحاطها بضمانات كافية لحمايتها,وصاغ مجتمعه على أصول ومبادئ,تمكن هذه الحقوق وتدعمها. والإسلام هو ختام رسالات السماء التي أوحى بها رب العالمين الى رسله-عليهم السلام- لبلغوها للناس,هداية وتوجيها,الى ما يكفل لهم حياة طيبة كريمة,يسودها الحق والخير والعدل والسلام. ومن هنا كان لزاما على المسلمين أن يبلغوا للناس دعوة الإسلام امتثالا لأمر ربهم:"ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر",ووفاء بحق الانسان عليهم,وإسهاما مخلصا في استنقاذ العالم مما تردى فيه من أخطاء,وتخليص الشعوب مما تئن تحته من صنوف المعاناة.ونحن معشر المسلمين - على اختلاف شعوبنا وأقطارنا - انطلاقا من عبوديتنا لله الواحد القهار...ومن:إيماننا بأنه ولي الأمر كله في الدنيا والآخرة,وأن مردنا جميعا إليه,وأنه وحده الذي يملك هداية الانسان الى ما فيه خيره,وصلاحه,بعد أن استخلفه في الأرض وسخر له كل ما في الكون. ومن: رغبتنا الصادقة,في الوفاء بمسؤوليتنا تجاه المجتمع الإنساني كأعضاء فيه ...
ومن: حرصنا على أداء أمانة البلاغ التي وضعها الإسلام في أعناقنا... سعيا من أجل حياة أفضل تقوم على الفضيلة,وتتطهر من الرذيلة..يحل فيها التعاون بدل التناكر والإخاء مكان العداوة..يسودها التعاون والسلام,بديلا من الصراع والحروب.
حياة يتنفس فيها الانسان معاني:الحرية والمساواة والإخاء والعزة والكرامة..بدل أن يختنق تحت ضغوط: العبودية والتفرقة العنصرية والطبقية والقهر والهوان. وبهذا يتهيأ لأداء رسالته الحقيقية في الوجود:عبادة لخالقه تعالى.وعمارة شاملة للكون تتيح له أن يستمتع بنعم خالقه وأن يكون بارا بالإنسانية التي تمثل- بالنسبة له- أسرة أكبر يشدها إليها إحساس عميق بوحدة الأصل الإنساني التي تنشئ رحما وموصولة بين جميع بني البشر.
انطلاقا من هذا كله: نعلن نحن معشر المسلمين حملة لواء الدعوة الى الله في مستهل القرن الخامس عشر الهجري- هذا البيان باسم الإسلام عن حقوق الانسان مستمدة من القرآن الكريم و"السنة النبوية" المطهرة.
ومن: تصديقنا بوحدة الدين الحق الذي جاءت به رسل ربنا,ووضع كل منهم لبنة في صرحه حتى أكمله الله تعالى برسالة محمد صلعم فكان كما قال صلع:"أنا اللبنة(الأخيرة"وأنا خاتم النبيين..".
تسليمنا بعجز العقل البشري عن وضع المنهاج الأقوم للحياة مستقلا عن هداية الله ووحيه.
ومن: رؤيتنا الصحيحة-في ضوء كتابنا المجيد- لوضع الانسان في الكون وللغاية من إيجاده وللحكمة في خلقه.
ومن: معرفتنا بما أضفاه عليه خالقه من كرامة وعزة وتفضيل على كثير من خلقه.
ومن: استبصارنا بما أحاط به ربه-جل وعلا- من نعم, لا تعد ولا تحصى..
ومن: تمثلنا الحق لمفهوم الأمة,التي تجسد وحدة المسلمين,على اختلاف أقطارهم وشعوبهم.
ومن: إدراكنا العميق,لما يعانيه عالم اليوم من أوضاع فاسدة ونظم آثمة.
وهي - بهذا الوضع- حقوق أبدية لا تقبل حذفا ولا تعديلا..ولا نسخا ولا تعطيلا.. إنها حقوق شرعها الخلق-سبحانه-فليس من حق بشر -كائنا من كان- أن يعطلها أو يعتدي عليها ولا تسقط حصانتها الذاتية لا بإرادة الفرد تنازلا عنها ولا بإرادة المجتمع ممثلا فيما يقيمه من مؤسسات لأيا كانت طبيعتها وكيفما كانت السلطات التي تخولها. إن إقرار هذه الحقوق هو المدخل لإقامة مجتمع إسلامي حقيقي:
1- مجتمع: الناس فيه سواء: لا امتياز ولا تمييز بين فرد وفرد على أساس من أصل أو عنصر أو جنس أو لون أو لغة أو دين.
2- مجتمع: المساواة فيه أساس المتمتع بالحقوق والتكليف بالواجبات.. مساواة تنبع من وحدة الأصل الإنساني المشترك:"يا أيها الناس إنا خلقناكم ذكر وأنثى"(الحجرات 12) ومما أسبغه الخالق-جل جلاله- على الانسان من تكريم" ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقناهم تفضيلا"(الإسراء 80).
3- مجتمع: حرية الانسان فيه مرادفة لمعنى حياته سواء,يولد بها,ويحقق ذاته في ظلها,آمنا الكبت,والقهر والإذلال والاستعباد.
4- مجتمع: يرى في الأسرة نواة المجتمع,ويحوطها بحماية وتكريمه,ويهيئ لها كل أسباب الاستقرار والتقدم.
5- مجتمع: يتساوى فيه الحاكم والرعية أمام شريعة من وضع الخالق - سبحانه- دون امتياز ولا تمييز.
6- مجتمع: السلطة فيه أمانة توضع في عنق الحاكم ليحقق ما رسمته الشريعة من غايات وبالمنهج الذي وضعته لتحقيق هذه الغايات.
7- مجتمع: يؤمن كل فرد فيه أن الله -وحده- هو مالك الكون كله..وأن كل ما فيه مسخر لخلق الله جميعا عطاء من فضله دون استحقاق سابق لأحد ومن حق كل إنسان أن ينال نصيبا عادلا من هذا العطاء الإلهي:"وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه"(الجاثية 13).
8- مجتمع : تقرر فيه السياسات التي تنظم شؤون الأمة وتمارس السلطات التي تطبقها وتنفذه بالشورى:"وأمرهم شورى بينهم" (الشورى 28 ).
9- مجتمع : تتوافر فيه الفرص المتكافئة ليتحمل كل فرد فيه من المسؤولية بحسب قدرته وكفاءته وتتم محاسبته عليها دنيويا أمام خالقه:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"(رواه الخمسة).
10 - مجتمع: يقف فيه الحاكم والمحكوم على قدم المساواة أمام القضاء حتى في إجراءات التقاضي.
11 - مجتمع: كل فرد فيه هو ضمير مجتمعه ومن حقه أن يقيم الدعوى -حسبة- ضد أي إنسان يرتكب جريمة في حق المجتمع,وله أن يطلب المساندة من غيره..وعلى الآخرين أن ينصروه ولا يخذلوه في قضيته العادلة.
12 - مجتمع: يرفع كل أنواع الطغيان ويضمن لكل فرد فيه: الأمن,والحرية:والكرامة,والعدالة بالتزام ما قررته شريعة الله للإنسان من حقوق والعمل على تطبيقها والسهر على حراستها.. تلك الحقوق التي يعلنها للعالم :"هذا البيان".

إذا نظرنا الى هذا البيان بعيون نقدية معاصرة يمكن أن نستخرج مجموعة من الملاحظات الأولية:
- يتضمن البيان حنينا الى الماضي ونوع من الوثوقية التي تعتقد في الوصول الى المعرفة المطلقة والفهم الصحيح وادعاء مسلما به منذ البداية يزعم أن الإسلام التاريخي كما مورس منذ أربعة عشر قرنا احترم بشكل مطلق حقوق الانسان ومثل هذا الادعاء ينبغي التحري من صدقيته وتنسيبه حتى لا نقع في العديد من المغالطات
ويمكن أن نتخلص من ثقل الموروث ونتجه صوب المستقبل.
- الصيغة التي كتب بها هذا البيان وشكل عرضه لا تشير صراحة الى الانسان ولا تذهب مباشرة للحديث عن حقوقه ولا تفصل المسائل فيها بالتدقيق والتحقيق بل اهتمت بالمجتمع على حساب الفرد والآخرة على حساب الدنيا وبالغيب على حساب الحياة وبالإلهيات على حساب الإنسانيات بينما الإسلام إذا فهم فهما موضوعيا نراه يدعو الى تحقيق التوازن والاعتدال بين هذه الثنائيات.
- كتب البيان بمنطق النصيحة والشورى والدعوى من جهة وبمنطق الإلزام والفرض والواجب من جهة ثانية وانه يصلح ليكون بيانا عالميا للواجبات التي ينبغي أن يقوم بها المسلم تجاه مجتمعه والكون الذي يحيا فيه وليس ليكون بيان حول الحقوق التي ينبغي أن يتمتع بها في هذا الكون ويعمل مجتمعه على صيانتها.
- لم يشر البيان صراحة عن العلاقة الوثيقة بين منظومة حقوق الانسان ومسألة الديمقراطية ومحور المجتمع المدني والاشتراكية كمذهب إنساني ينسخ الرأسمالية البشعة بل انه لم يميز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي فلقد تحدث عن الحاكمية والاستخلاف والتسخير وعن المساواة والمسؤولية وترك المحاسبة الى يوم القيامة لكل من يخل بالبيان دون أن يفصل العلاقة بين السلطات ودون أن يبين مصدر السلطات وكيفية ممارستها.
- في البيان هناك أشارة واضحة أن العقل البشري عاجز عن البت في العديد من المسائل وأنه غير قادر عن الحكم الصحيح ولكن هناك إقرار بأن النبي محمد صلعم هو آخر الأنبياء ونحن نعلم أن من استتباعات ختم النبوة هو وصول الانسان الى مرحلة الرشد وإعلان ميلاد العقل وتشريع بضرورة أن تعول البشرية على العقل في تدبير أمورها الدنيوية بالاستفادة من النصوص الدينية المقدسة فكيف نفهم مثل هذا التناقض والإجحاف في حق العقل؟
- الخطاب الذي يرتكز عليه البيان هو الخطاب الهووي المولع بالوله الذاتي والذي لم ينقطع عن الافتخار بالأمجاد ومدح الأجداد وذلك حرصا منه على الخصوصية ودفاعا عن الهوية ومميزات الدين الإسلامي والثقافة العربية وعيب هذا الخطاب أنه متشبث بعرض البديهيات والكلام عن المحصلات واللف والدوران في المقدمات والأوليات بينما هذه أمور يمكن غض الطرف عنها والالتفات الى ماهو جوهري وخاصة الواقع الموضوعي والحياة المادية والنشاط الفعلي للبشر الذي ينبغي أن نتحدث عنها بلغة علمية مباشرة وليس بخطاب أخلاقي تبشيري.
- كان من الضروري تأصيل العلاقة بين القوانين الإلهية والقوانين الطبيعية والقوانين السياسية والتمييز بين الأسس الطبيعية الإلهية والأسس التعاقدية الاتفاقية التاريخية لحقوق الانسان لأن مثل هذا التمييز سيكفل لنا تجنب الوقوع في النزعة الفوضوية الهدامة التي تدافع عن الانسان في المطلق من جهة والابتعاد عن تبرير ممارسات الأنظمة الشمولية الكليانية التي تمارس الحكم المطلق باسم حاكمية الله أو الشعب أو التاريخ بوصفه نفوذ الأمس الأبدي.
- لم يتطرق البيان الى واجبات الحاكم تجاه المجتمع عامة والأفراد كل بعينه خاصة ولم يهتم بحدود سلطة الحاكم وبمستوى علاقات الدين بالسياسة بل لم يخرج عن تقاليد الفكر السياسي الإسلامي الهشة التي أولت عنايتها على وحدة الجماعة وحرمت المعارضة لكونها سبب الفتنة والتشرذم واهتمت بخصال الحاكم المثالية ولم تهتم بكيفية تنصيبه ومدة حكمه.
- وقع البيان في العديد من المفارقات والتناقضات مما يجعله فاقدا لأي تماسك داخلي ولا يحكمه أي منطق حجاجي وبالتالي يكرس الصعوبات ويبقي على الأبواب موصدة عوض أن يعمل على حلها ويبذل الجهد لتجاوزها وإيضاحها ومن بين التناقضات الملكية بين الله والإنسان والسلطة بين الله والإنسان و التناقض بين العدل الإلهي والحرية الانسانية.
 
عندما نراجع اليوم هذا الإعلان نراه خطوة حاسمة الى الأمام ينبغي التنويه بها والإشادة بمن وضعها وعمل الى إخراجها للنور لما نجد فيها من تطرق لحقوق الحياة والحرية والمساواة والعدالة والحماية والمشاركة والتفكير والاعتقاد والملكية والكرامة والتربية والإقامة والهجرة ولكنه بيان في حاجة الى مراجعة من أجل المزيد من التدعيم والإضافة لأن المشكلة ليست في البيانات بل في ضرورة تأسيس مؤسسات حقيقية محايدة ومستقلة عن كل الدوائر الحكومية والدولية تعمل على غرس ثقافة حقوق الانسان في تربة الإسلام,كما أن مضمون البيان كان فضفاضا وعموميا تغلب عليه النزعة الوعظية الإرشادية وهو أشبه بخطبة جمعة أكثر منه بيان حقوقي قادر أن يؤثر في ما يزيد عن مليار وثلاثة مائة مليون معتنق للديانة الإسلامية يهتم بالإنسان بصفة عامة كفكرة مجردة من جهة التكليفات والعبادات دون أن يشخص حال المسلم كما هي في الواقع المعاش ودون أن يركز على المعاملات والجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
من هذا المنطلق لا نقول إننا في حاجة أكيدة الى إعلان عالمي إسلامي جديد لحقوق الانسان ينسخ سلفه ويقوم ما اعوج منه بل نرى أننا في انتظار تأصيل نظري وعملي حقيقي لحقوق الانسان داخل الحضارة الإسلامية والعربية بالتحديد إذا كانت الدائرتان يتكاملان ويستوعب الواحدة منهما الأخرى ولا يتناقضان أو يفترقان كما يريد البعض من الضالين.هذا التأصيل النظري والعملي ينبغي أن يتجاوز كل خلط بين المسطحات وكل التلفيقات الغائمة التي لن تنتج إلا أقوالا مغشوشة تزيد من الفصام وتبعد الفكر عن عالم الحياة وتغرقنا في الأوهام وتسبب التوتر بين الأديان والفتنة بين المذاهب والطوائف,كما يجب أن يرتكز على عملية تأويلية اجتهادية شاملة تعيد تأصيل الأصول بحيث يصبح الدين مجالا للتفاهم والتساكن بين الأنا والآخر والهوية والغيرية تختفي من مفرداته لغة الإقصاء والتهميش والتكفير لتحل محلها لغة المحبة والتكاتف والتصالح والصفح والعمل الصالح لما فيه خير الوطن والملة والإنسانية جمعاء ويكون هذا التجديد الاجتهادي في إطار القيم البشرية الكونية التي اتفقت جميع الأديان والفلسفات والموروثات الثقافية على وجاهتها وحاجة النوع البشري إليها من أجل الاستخلاف والتسخير والائتمان والتعمير في الأرض.
على ضوء هذه الملاحظات النقدية يمكن أن نقترح بعض الاستشرافات تعتمد بالأساس على بعض الآيات الكونية والأحاديث النبوية الشريفة وعلى بعض المأثورات الأساسية التي تمثل نواة الإشكال الحقوقي الإسلامي والتي نذكر منها ما يلي:
- لا إكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي.
- المؤمن هو من أحب لغيره ما يحب لنفسه.
- اذهبوا فأنتم الطلقاء.
- لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
- في أموالكم حق معلوم للسائل والمحروم.
- شركاء في ثلاث:الكلأ والماء والنار.
- متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
- أنتم سواسية كأسنان المشط.
- لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.
- أنت مذكر وليست علهم بمسيطر.
- بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة.
- عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه.
- المسلم هو الذي لا يخاف في الله لومة لائم ويقول الحق ولو كان مرا.
- التوقف عن القتل وإزهاق الأرواح عمدا وذلك لقداسة الحياة التي وهبها الله للإنسان.
- إلغاء الرق والعبودية الجديدة التي تتمثل في الاستغلال الاقتصادي والاستعباد الاجتماعي.
- استهجان الغش والفساد والمحسوبية لأنها اعتداء على قيم الجدارة والاستحقاق والأهلية.
- الكف عن الظلم والتسلط لأنه يؤدي الى القمع والكبت والخوف ويسبب خراب العمران وزوال الدول.
يترتب عن ذلك أن الإسلام دين الحق ويدعوا الى الحق ولا يعارضه بل يفرض على الانسان أن لا يتنازل عنه إذا امتلكه وأن يدافع عليه وأن يطالب به إن افتقده وأن حقوق الانسان تمثل الكليات الكبرى التي تعتبر عن مصالح الناس ومقاصد الشرع وهي حرمة النفس والعرض والمال والحياة والدين.
"إن كل تحرير ليس إلا إعادة العالم الإنساني والعلاقات الانسانية الى الانسان ذاته...ولا يتحقق التحرر الإنساني إلا حين يقر الانسان قواه الخاصة بوصفها قوى اجتماعية وحين ينظمها."
إننا في حاجة أكيدة اليوم زمن العولمة الى بلورة نظرية متكاملة حول حقوق الانسان تستند على أسس فلسفية كوسموبوليتية لا تتعارض مع المبادئ الكونية التي نادت بها الأديان وأكد عليها الإسلام بوصفه الدين القيم والمصير الذي انتهت إليه الروح في حركتها نحو وعيها بذاتها. فماهي الشروط الفلسفية لظهور حقوق الانسان وتمتع الجميع بها على الصعيد الكوسموبوليتي؟




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home