القلم الفكري

 

المراوغون وجحور الأفاعي

سوسن البرغوتي



المراوغون وجحور الأفاعي
سوسن البرغوتي
لم تأتِ تحركات القوى الشعبية وقوى المقاومة من فراغ، وليست حدثاً يبرز اليوم، لكنها فعل تراكم ضاغط منذ سنوات، وبسبب ظهور وجوه عربية تحت أقنعة صُنعت برعاية أمريكية- صهيونية لها جولات وخبرات في أمور وفنون الفساد والانحراف، والوقوف سداً مانعاً أمام مصلحة البلد والعباد.
إن أكثر الملفات سخونة في وطننا العربي ثلاثة: في لبنان المحتل بسطوة السفير الأمريكي وتابعيه من الشخصيات اللبنانية الساقطة وطنياً، وفي فلسطين وما يعانيه الشعب الفلسطيني من موت وقهر وجوع بفعل التخريب السلطوي، وفي الوضع المأساوي للشعب العراقي وتركيبة الحكومة العراقية وقدرتها غير المفهومة استقلالياً بوجود الاحتلال الأمريكي.
هذا الثالوث المصائبي ينذر بحروب أهلية في تلك الدول، وهو صدام عنيف بين مطالب الشعب بالتحرر من القيود والوصاية الأمريكية، وبين أنصار وأتباع "إسرائيكا" العظمى.
من الواضح أن الاجتماعات والتعبئة العسكرية في مليشيات جعجع ودحلان والحكيم، سيقود إلى جرّ الأمور نحو الانفجار المتوقع في أي لحظة، وما الاستفزازات السلطوية خلال مسيرات منظمة في غزة إلا مقدمة لتصعيد مستقبلي، وبموافقة من الرئاسة العباسية، كما التصعيد نحو المواجهة في حكومة البكّاء السنيورة، وشهاب الدين أضعف من أخيه، مما زاد الطين بلّة كحركة تمويه تسعى لتدخل أمريكي-"إسرائيلي" مباشر بالشأن الداخلي للبلدين.
هذه الملفات وفّرت الفرصة لاحتلال العراق، وتغلغل قوات دولية لخرق سيادة لبنان، والضغط على سوريا للقبول بالشروط "الاستسلامية"، والتغافل مؤقتاً على قمع الشعب في مصر.
 
الجبهة الفلسطينية مفككة وغير متماسكة كما ينبغي، وهي لا تمثل لونا واحداً، وليست متوافقة على القرار الوطني. فقد ظهرت قوة جديدة  ثالثة بعد استلام حماس الحكومة، ولم يكن لها وجود قبل ذلك على مستوى التفاعل مع الواقع الفلسطيني السياسي، وظهورها التفاعلي المفاجىء، يعمل على عرقلة سير عمل الحكومة منذ اليوم الأول، وهذه القوة لم  تعمل من أجل التهدئة الفلسطينية بقدر ما تريد لفت النظر إلى أن هناك قوة ثالثة في الشارع الفلسطيني، وبدوري أسأل أين كانت تلك القوّة منذ 12 عاماً، ولماذا لم تواجه تحكّم فتح بالسلطة والمال والتنازلات، وأين كان المجلس التشريعي وقتذاك، والسرقات والمفاوضات بالتنازل عن الثوابت لم يتوقف للحظة منذ وطئت سلطة أوسلو أرض فلسطين، ولماذا بعد أن أرادت حماس المشاركة في صنع القرار السياسي الفلسطيني لتغيير مسار جملة تداعيات، أصبح لكل من تستهويه مصالحه الخاصة أن يدلي بدلوه؟.
حماس لم تحاول الاستفراد بتوجيه دفة الأمور، بل دعت إلى تشكيل حكومة وطنية، والجميع يذكر كيف وقف أعضاء المجلس التشريعي المنتميين لفتح، وأعلنوا أنهم لن يشاركوا في حكومة وطنية، ودحلان تحدى من تسوّل له نفسه من أعضاء فتح الموافقة على المشاركة في حكومة الوحدة، ثم إن الجبهة الشعبية رفعت صوتها فجأة بعد أن غفت طوال مرحلة الحكم الفتحاوي للسلطة والمنظمة، لتعترض على رفض حماس بالانضمام إلى منظمة التحرير بشكلها الحالي، تلك المنظمة التي أعلنت موافقتها على وثيقة الاستقلال بالاعتراف بـ"إسرائيل"، وبكل اتفاقيات الطرف المذبوح بالتنازل عن فلسطين الـ 48، واختصارها بالمطالبة بالضفة الغربية والقطاع..
الخلاف الجوهري هو في رفض المقاومة ما وصلت إليه قضيتنا من مهالك.. فهل حقاً كان الحصار بسبب حماس، أم أنه مرتب ومجهز لتفكيك أقوى مقاوم فلسطيني يرفض التطبيع والتصهين؟. لماذا ابتعدنا عن لب المشكلة، واكتفينا بالقول بأن الصراع بين فتح وحماس، بينما الصراع الحقيقي بين استمرار نهج تسووي أثبت عقمه في الوصول إلى حل عادل، وبين قلب الموازين لصالح القضية بشكل عام، والوضع الفلسطيني بشكل خاص.
على مدى 12 عاماً، لم نسمع صوتاً أو تحركاً جماعياً فاعلاً من غزة أو الضفة يطالب بوقف السرقة العلنية للمال الفلسطيني والفساد، بل تم تنصيب عباس كرئيس لسلطة محلية لا تحكم على الزبالة والكناسة، ثم ها هو اليوم يعلن أنه رئيس لكل الفلسطينيين!. فهل نسأل من انتخب عراب أوسلو من فلسطينيي الشتات، والمطبل والمزمر العلني لتيار مستقبل أمريكي-صهيوني في الثالوث الملتهب؟.
ليكن الرد على بعض حاملي شعار نزعة  التفرقة، إن فلسطينيي الشتات كساكن أجواء تختلف عن الواقع الفلسطيني الداخلي، وهذا ما يصرح به بعض  أشاوس السلطة وزرعوه بيننا كشعب واحد، علماً أن أكثر الجوقة الحاكمة أتت من المنافي، ولكن بفارق واحد فقد أتت على ظهر دبابات "إسرائيلية" وعلى ظهر اتفاقية تقبل بالعدو على أنه جار له الحق في امتلاك أكثر من ثلاثة أرباع أرض فلسطين، بما فيها القدس الشرقية، وكاذبون ولو صرحوا عن مطالب حق العودة والقدس، فهل دعاويهم صادقة، والمسجد الأقصى يبنى تحته "هيكلهم"الجديد، وضمّها إلى الكيان الصهيوني، بدليل حصول الفلسطينيين في المدينة على هوية وحق المواطنة "الإسرائيلية"، فكيف والحال هذه يمكن أن يطبق حق العودة على من هو صفدي أو حيفاوي أو من هو من دير ياسين مثلاً؟.
وبدل المناكفات والرفض للاقتراحات واستصدار القرارات، يجب تشكيل فرقة سياسية وطنية تعمل كمراقب على التجاوزات السلطوية، ولعودة المال الفلسطيني، والقضاء على الفساد نهائيا، المصادر الأول للمال والرواتب.
حلّ السلطة والحكومة هو الحل الأمثل، والترتيب قبل ذلك لحكومة فلسطينية ثورية مؤقتة، تنهي حالة العمالة الفلسطينية، وهو أهم بند يجب أن توجه له الجهود الوطنية لأنه العائق بجدارة أمام فعل المقاومة والنضال الفلسطيني، ولأنه يشكل نهج "إسرائيلي" يعمل على تطهير أرض فلسطين من شعبها بالاقتتال الداخلي تارة، وتناوب الأدوار مع العدو تارة أخرى، ليكمل على باقي الشعب.
أما فلسطينيي الشتات، فهم مبعدون تماماً من المشاركة في الانتخابات والترشيح كون الموضوع داخلي، والمنظمة التابعة لفتح وقيادتها، لا تمثل بأي شكل صوت أي فلسطيني بالخارج، اللهم إلا من باع الأرض والقضية من أجل مصالحه الخاصة.
عندما نطرح موضوع وقوف الجميع أمام شعبهم ومصلحته الوطنية العليا، بدل الذهاب إلى انتخابات مبكرة، نفترض أن هناك خلفية بالسلطة تعمل فعلا لمصلحة القضية الفلسطينية، وكأننا ننفخ بقربة مقطوعة، فهل دحلان وجمال نزال وعبد الرحمن والأحمد وقريع وشعث ورجوب والقائمة تطول، وعلى رأسهم عباس معنيون بالمصلحة الفلسطينية،وهل انتشار القوات الأمنية التابعة لغزة هي من أجل ضبط الأمن، أم تصعيد المواجهة الفلسطينية- الفلسطينية،وأين كانت تلك القوة خلال الاعتداءات على بيت حانون وجباليا،أم أن المذابح الصهيونية لا تعني الأمن الفلسطيني من قريب أو بعيد؟!.
قد يكون هناك مطالبون باستفتاء شامل للشعب الفلسطيني بأكمله، على أساس عدم التفريط وجبّ كل الاتفاقيات السابقة، وعلى أساس المصلحة الفلسطينية فوق كل اعتبار، ولكن من يضمن عدم تلاعب وشراء الأصوات لصالح تيار القبول بدويلة هزلية مقابل خلع كرامتنا وهويتنا ووجودنا؟!.

الشارع الفلسطيني انقسم بحالة من الفوضى على جميع الأصعدة، بين من يتمسك بفلسطين الجغرافية والتاريخية، وبين من يقبل بالتفريط والتنازل، إذن ما جدوى المشاركة باللجوء إلى صناديق الاقتراع مرة أخرى بعد أن قال الشعب كلمته وكفى؟!. لقد قال الاقتراع كلمته، وأضاعوا الوقت والمال والجهد، واستفادت "إسرائيل" من الوقت المستقطع بالانتخابات التشريعية، وظهرت النتيجة، ولم ينقضِ بعد عام على الانتخابات، أم أن لعبة الانتخابات هي البديل لإشغال الشعب الفلسطيني عن ما هو أهم!؟.
فرق كبير بين أن نخاطب ابن الشارع البسيط والمضلل، والذي لا يعرف شيئاً عن سارقي قوته اليومي، والرواتب تدفع ولم يتبقَ غير قسم بسيط خاص بقوات الأمن، وبين ما نراه من زعرنات فرق الموت من تخريب وتدمير للمجلس التشريعي، ومحاولة اغتيال وزير الداخلية سعيد صيام، بحجة الرواتب، فهل قضيتنا اختصرت على هؤلاء "الزعران"؟، ليشهد العالم ويتصور بالتعميم أن الشعب الفلسطيني رغم تقديمه الدم، يقتل ويفتك بأهله من أجل الرواتب.. ألا يقودنا هذا إلى إفساد متعمد من قبل السلطة لأجهزتها، المفترض أنهم في صف المواجهة الأول؟.
الحالة الفلسطينية متفردة، رغم أنها لم تعد تختلف عن الملف العراقي، كون أنهما بلدان محتلان بشكل مباشر، ولكن الاختلاف في التيار الذي يدعم النضال والمقاومة ويقدم دليلا على دعمه بإدخال أموال لدفع رواتب الناس قيل أنهم سارقون ومهربون، بينما حكومة العراق تعمل بإرادة أمريكية، والمقاومة ليست معنية بالسجال والقبول بالدخول في النفق السياسي.
أزمة التجويع والحصار سببها ومسببها السلطة، وأموال الشعب الفلسطيني ترتع في البنوك الخارجية أو مصادرة من قبل السلطة. لست حمساوية، ولكنني ضد نهج شلة أوسلو التي أوصلتنا إلى هذا الوضع،ومع المقاومة والثوابت الوطنية، والحل الوحيد هو قلب الطاولة على تيار "إسرائيكا" وأدواته، والإسراع بحركة عصيان مدني ومظاهرات تُسقط رأس الأفعى السلطوية.
أما لماذا هو بالذات؟، أقول لو ندقق أكثر النظر إلى مشروع قناة البحرين نتصور وكأن فلسطين دولة، أليست مفارقة عجيبة؟.قبل أن نصبح دولة لها سيادة نقيم المشاريع التجارية المبطنة بتمرير النفط العراقي عبر مشروع حفر قناة تحت البحرين لاستبعاد الموانئ السورية تمهيداً لتقوية الحصار الاقتصادي عليها، إذا لم تخضع لإرادة القطب الأوحد، وفي حال استطاعت المعارضة اللبنانية إسقاط حكومة السنيورة، سيصبح لبنان من المغضوب عليهم، ووفقاً لهذا يتم تحويل النفط العراقي عبر الأردن و "إسرائيل" إلى البحر الأحمر، ثم عبر باب المندب، دون اللجوء إلى الموانئ الخليجية، خوفاً من سيطرة إيران على مضيق هرمز، وبحجة تكرير مياه بحر نسبة الملح تفوق معامل التكرير وتفوق قدرة أموال طائلة لاستخراج مياه جوفية أو تكرير مياه نهر الأردن، لتُستقطع لاحقاً من ضرائب مصلحة المياه الأردنية والفلسطينية، وفي نهاية المطاف تتحكم "إسرائيل" بمياه الأردن وفلسطين، وفي نفط العراق، ولم ننس بعد تجربة الأردن وحكاية المياه غير الصالحة للاستعمال الآدمي التي وهبتها "إسرائيل" منّة للأردن.
أمر يدعو للسخرية حقاً، فهل نحن على هذا القدر من البلاهة والسذاجة لقبول الارتماء بأحضان "إسرائيل" مرات أخرى وبوسائل استعمارية جديدة،وهل يُلدغ من كان مؤمناً من جحرٍ مرات ومرات؟.المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، لكن المراوغ والمناور يقبل أن يلدغ ألف مرة ومرة.




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home