دراسات هامة

 

(مذكرات دجاجة) لإسحاق موسى الحسيني

تيسير المغربي



(مذكرات دجاجة) لإسحاق موسى الحسيني،

هل هي قصة أطفال؟!!

بات من المسلّم به أدبياً في العصر الحديث أن (مذكرات دجاجة) للأديب الفلسطيني إسحاق موسى الحسيني، والتي نشرتها دار المعارف بمصر عام 1943م، كانت من البدايات التأسيسية الأولى للرواية في تاريخ الأدب الفلسطيني بعد رواية (الوارث) لخليل بيدس.

إلا أن هذه الرواية قد يكون فيها من الخصائص التي تمكِّن الأطفال من فهمها وقراءتها، بل قد تكون من قصص الأطفال الأولى في فلسطين، تكتسب أهميتها بنضجها الفني، وتاريخ طباعتها المبكر-عام1943م- ووجودها بين أيدينا اليوم بعد أن حافظت عليها دار المعارف بمصر.

واعتبار هذه الرواية قصة للأطفال يجعل من فلسطين من أولى الدول العربية –تاريخياً بعد مصر- التي كتبت قصصاً مناسبة للأطفال، ومناسبة القصة هنا للأطفال كافية لاعتبارها من أدب الأطفال، وإن لم تكن موجهة إليهم، فقد كانت أهم القصص العالمية موجهة بداية للكبار، ثم تنبه الأدباء أنه يمكن أن يقرأها الكبار كـ(روبنسون كروزو) و(رحلات جليفر)، وتعد (مذكرات دجاجة) قصة مناسبة للأطفال للأسباب الآتية:

 1- القصة من حيث الشكل تناسب قراءات الطفولة المتأخرة، فهي من القطع الصغير، كُتبت بخط واضح كبير، وتقع في 158 صفحة، مقسّمة إلى 29 مقطعاً، تسهيلاً لقراءتها، ولو قارنا هذا الحجم بقصص أخرى للأطفال، سنجد أن قصصاً كثيرة تفوقها حجماً وعدد صفحات، وهي مصنًفةّ للأطفال وتروَّج من قبل المؤسسات الفلسطينية والعالمية المعنية بالطفولة(1).

2- قصة (مذكرات دجاجة) سهلة الأسلوب، وهي أقرب إلى قصص الأطفال الموضوعة على لسان الطيور والحيوانات، وهي تستعير (أنسنة الحيوانات) من (كليلة ودمنة) من حيث أسلوب تفكير وكلام الدجاج والحيوانات فيها، وتستخدم ضمير المتكلم، وهي مظاهر أسلوبية تهدف إلى التبسيط وملاءمتها لعالم الطفولة، يقول مؤلفها في المقدمة: "هذه القصة تصف حياة دجاجة عاشت في بيتي، ووقع بينها و بيني أُلْف ومحبة، فكنت أطعمها بيدي، وأرقب حياتها يوماً فيوماً، والأحداث التي ترويها وقعت لها بالفعل، وهي لا تتجاوز المألوف في حياة الدجاج، ولو قُدّر لصديقتي الدجاجة أن تتكلم بلغة الأناسي، لما قالت غير ما تقرأ، فأنا –في الواقع-أترجم لك ما أوحت به إليَّ"(2).

 فالقصة واقعية من حيث تمثيلها لحياة الدجاجة، واقعيّة يطرب لها الأطفال، مع ضآلة الخيال فيها والذي يقول عنه الحسيني: "أما عنصر الخيال فيها فهو ضئيل، وهو لا يعدو أن يكون تعليقاً على هامش الحياة، أو تحليقاً في عالم المثل العليا"(3).

 3- أن التنبه النقدي –الكافي- لأدب الأطفال في تلك الآونة لم يكن حاضراً، إلى الحد الذي يمكن معه تصنيف (مذكرات دجاجة) مع قصص الأطفال، فكان مفهوم الرواية أكثر مواتاةً، مما دعا إلى تصنيفها ضمن الرواية، ولم تكن القضية تتعلق بـ (مذكرات دجاجة) وحدها، بل كانت ظاهرة عدم الدقة في التصنيف عامة، توسم بها العديد من الأعمال الأدبية، غير أن تصنيف بعض هذه الأعمال الأدبية بات لا يتوافق مع الاتجاهات النقدية الحديثة، فنجد –على سبيل المثال- جميل البحري يطلق على قصته التي نشرها في مجلة (النفائس العصرية) في بداية عشرينيات القرن الماضي (المتهم البريء) رواية، وهي في الحقيقة قصة قصيرة لا تزيد على تسع صفحات(4).

4- ولعل علاقة موضوع القصة بالأحداث السياسية في فلسطين في عقد الأربعينيات، زاد من أهمية القصة للكبار، إذ تناولت وجهة نظر وطنية معارضة لما كان يسود آنذاك، مما حمّل القصة دلالات سياسية وأبعاداً وتأويلات لم يشأْها مؤلفها، فيدافع الحسيني عن استقلالية دجاجته، بعيداً عن تلك التأويلات السياسية قائلاً: "وقد ظُنَّ أن للكتاب رسالة سياسية، فلم يجد طريقه إلى النشر في (دار المعارف) بالقاهرة، وفي سلسلة يشرف عليها طه حسين، إلا بشفاعة من الدكتور(بنت) -كبير المستشرقين اليهود في الجامعة العبرية-، وقد برَّأت رسالة المستشرق اليهودي (بنت) (الدجاجة الحكيمة) من تهمة المقاصد السياسية، لأنها لا تحمل أي تجريح أو تلميح لليهود(5).

إذن، فقد يكون السياق السياسي، وغياب مفهوم أدب الأطفال في وقت ما، قد ساهما في اعتبار مذكرات دجاجة رواية للكبار، واليوم نجد فيها من الأسباب التي تدعو لاعتبارها قصة للأطفال أكثر منها للكبار، ولِمَ لا، و تاريخ أدب الأطفال العالمي، يسجل أن أغلب قصص الأطفال كانت للكبار بدايةً، ثم وجد فيها الأطفال متعة وفهماً، فضمّوها إلى قصصهم المحببة، إلا أن القصة –على أهميتها- لم تتبنَ نشرها أيّ مؤسسة فلسطينية تعنى بأدب الأطفال في فلسطين، ليقرأها الأطفال، كباقي القصص الأخرى الأكبر منها حجماً، واقتصر نشرها إلى –الآن- على دار المعارف بمصر.

 هوامش:

(1) انظر على سبيل المثال: - إليزابيث ليرد، سماء حمراء في الصباح، مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، فلسطين، 2002م، وتقع في 192 صفحة. - بيفيرلي نايدو، سلسلة من نار، دار كولينز للنشر، بريطانيا، 1989م. وتقع في 190 صفحة. - ل.م.مونتغمري، آن في المرتفعات الخضراء، دار المنى، السويد، 1998م. وتقع في 382 صفحة.

(2) إسحاق موسى الحسيني، مذكرات دجاجة، دار المعارف، مصر، ط2، 1943م، ص3.

 (3) المصدر السابق ص3.

(4) انظر: الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني (الدراسات الخاصة)، المجلد الرابع (دراسة الحضارة)، ط1، بيروت، 1990م، ص131.

(5) انظر: فيصل درّاج، إسحاق موسى الحسيني: الذات المجتهدة في فلسفة الاختصاص، مجلة الكرمل، مؤسسة الكرمل الثقافية، رام الله، 1999م، العدد 61،




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home