كتاب العدد

 

محاولة البقاء على قيد الحياة

جان فرانسوا دونيو



محاولة البقاء على قيد الحياة
  تأليف :جان فرانسوا دونيو 

  مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والسياسي الفرنسي المعروف جان فرانسوا دونيو، ومعلوم أنه كان وزيراً مهماً في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان. كما وكان نائباً في البرلمان الفرنسي ومفوضا عالي المرتبة في الاتحاد الأوروبي حيث مثل بلاده في لجنة بروكسل.
 

وقد شهد كافة العهود السياسية المتعاقبة: من عهد ديغول، إلى عهد جورج بومبيدو، إلى عهد جيسكار ديستان ولكنه ترك حلبة السياسة بعد أن أصيب بمرض عضال شلّه شللا في بعض المراحل وأقعده. ولذلك عنون كتابه تحت اسم: محاولة البقاء على قيد الحياة. فهو لا يحيا إلا كما يحيا المرضى المقعدون.
 

ولكنه استغل هذه الفترة أحسن استغلال عندما كرسها للكتابة والتأمل في حياته السابقة عندما كان وزيرا قويا يحسده الناس على صحته وتفوقه ومسؤولياته العالية.
 

وفي هذا الكتاب يتحدث عن ذكرياته الشخصية ويقول: أبدا لن أنسى آخر جلسة لمجلس الوزراء في عهد الرئيس جورج بومبيدو. ومعلوم أنه كان مريضا جدا بعد أن أصيب بالسرطان وهو في عز رئاسته أو حتى أولها. وقد انتفخ وجهه كثيرا إلى درجة أقلقت الفرنسيين عندما كانوا يرونه في الصورة أو على شاشات التلفزيون. وبعد أن انتهت جلسة مجلس الوزراء الفرنسي نظر بومبيدو إلى وزرائه وقال لهم وكأنه يودعهم الوداع الأخير:
 

أيها السادة، ليس من عادتي أن أتحدث عن مشاكل شخصية أمامكم أو أن أخلط الخاص بالعام. ولكني مضطر إلى ذلك الآن. وحتى لو لم أتحدث عن الموضوع (أي موضوع مرض الرئيس) فسوف تتحدثون أنتم عنه بعد خروجكم من هذه القاعة في قصر الإليزيه.
 

بل وربما سألتكم زوجاتكم: كيف هو الرئيس؟ كيف هي صحة الرئيس؟ وبالتالي فمن الأفضل أن أخبركم أنا وألا أتحاشى هذا الموضوع الشخصي الحساس الذي يؤلمني.
 

ثم اعترف جورج بومبيدو أمامهم بأنه تصرف بشكل سيئ جدا أحيانا في حياته السياسية. وقال: لقد هاجمت خصومي بشكل سافل ووجهت إليهم ضربات من تحت الزنار، وأنا آسف على ذلك. فلا تفعلوا مثلي أيها السادة الوزراء. كونوا شهمين وكراما حتى أمام خصومكم السياسيين. ففرنسا لا يمكن أن تحكم عن طريق الضربات الواطئة أو الشخصيات الدنيئة.
 

ثم تغيرت لهجته فجأة وأصبح يتحدث إلينا وكأنه يحتضر على فراش الموت. وران الصمت في القاعة حتى وكأن على رؤوسنا الطير. وقال لنا: لا أريد أن أموت أيها السادة، لا أريد أن أموت. لأن ذلك سوف يسعد كثيرا بعض الأشخاص ومن بينهم بعض من يجلس الآن حول هذه الطاولة!!
 

وعندئذ ارتعب وزراء بومبيدو وراح كل واحد منهم ينظر إلى الآخر ويتساءل: من هو يا ترى المقصود بهذه الملاحظة الصريحة أكثر من اللزوم. وطأطأ البعض رؤوسهم لكيلا يرى زملاؤهم آثار الانفعال عليهم فتفضحهم وجوههم. فهل كان يقصد فاليري جيسكار ديستان مثلا، ومعلوم أنه هو الذي خلفه على الرئاسة وكان من ألد أعداء الديغولية؟ أم أنه يقصد أشخاصا آخرين أيضا أو وزراء مهمين؟ ربما...
 

ثم يضيف المؤلف قائلا: من المعلوم أن الأميركان كانوا يكرهونه. وقد صرح كيسنغر بكل وقاحة لإحدى الصحف بأن الرئيس الفرنسي لن يعيش أكثر من بضعة أسابيع. ولذلك أمسك بومبيدو بكتف وزير خارجيته ميشيل جوبير وراح يهزه قائلا: قل لهذا الشخص الحقير كيسنغر بأني سوف أكتب له بعد بضعة أشهر رسالة ولن أموت.
 

ولكنه مات بعد بضعة أيام. لقد مات والحسرة في قلبه لأنه كان في قمة السلطة وفي عز مجده. ولم يكن مضى عليه في الرئاسة أكثر من ثلاث سنوات في حين أن المدة القانونية كانت سبع سنوات، وفراق السلطة غال على ما يبدو، وكذلك فراق الأحبة والأصدقاء.
 

ثم يتحدث المؤلف عن علاقته بالجنرال ديغول ويقول بما معناه: كانت هيبته الشخصية ساحقة بالنسبة لمن يراه أو يقابله. وكنا نعرف أنه شخصية تاريخية أو شخصية غير عادية عندما نقابله. كنا كالأقزام أمامه. وكنا نخاطبه عموما بسيدي الجنرال أكثر من فخامة الرئيس. أليس هو الذي أنقذ فرنسا من الاحتلال الألماني أثناء الحرب العالمية الثانية؟
 

كان ديغول شخصية مهابة ومحترمة حتى من قبل أعدائه أو خصومه. ولم يكن أحد يتجرأ على تحديه وجها لوجه. كان قد أصبح فوق المنصب وفوق السياسة، كان يتحدث إلى التاريخ أكثر مما يتحدث إلى الفرنسيين.
 

ولم تكن تهمه مصلحته الشخصية أبدا. فقط مصلحة فرنسا كانت تهمه، وكذلك مكانتها بين الأمم. كان يريد لها أعلى مكانة، ولذلك بذل كل الجهود لدخول النادي النووي. وعندما فجرت أول قنبلة ذرية فرنسية شعر بسعادة قصوى لأنه أصبح في مرتبة الكبار: أي واشنطن وموسكو. كان ديغول مهووسا بالعظمة مثل كل القادة التاريخيين. والواقع أنه يمثل أحد الخمسة الكبار في تاريخ فرنسا: أي الملك هنري الرابع، والملك لويس الرابع عشر، وجان دارك، ونابليون بونابرت.
 

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن زياراته لأفغانستان والمهام الرسمية أو شبه الرسمية التي قام بها هناك لصالح دولته ويقول: بعد أن حقق الطالبان الانتصار السريع على خصومهم اعتقدت بأننا خسرنا الحرب هناك. أقصد بأن الاتحاد الأوروبي والجماعة الدولية كلها خسرت المعركة.
 

صحيح أن الطالبان وحدوا البلاد تحت رايتهم وأنهوا حالة الفوضى في البلاد، ولكنهم فرضوا نظاما ظلاميا صارما لا يستطيع أحد أن يتنفس فيه. فقد منعوا الألعاب، واللهو، والموسيقى، والغناء، وحتى أصوات العصافير! كما ودمروا تماثيل بوذا الرائعة التي كانت موجودة في أفغانستان منذ آلاف السنين دون أن يؤذيها أحد. وكانت تجذب السياح بكثرة إلى البلاد. كما وخنقوا كل الحريات الفردية وليس فقط حرية المرأة. هذا ما فعله الطالبان في أفغانستان. لقد فرضوا ديكتاتورية دينية لا مثيل لها في التاريخ.
 

وهذا نظام مضاد لكل قسم الغرب وحضارته، ومع ذلك فقد كان مطلوبا منا أن نتعامل معه! ثم يضيف المؤلف قائلا:
 

وأتذكر أني كنت مع وفد فرنسي في مدينة جلال أباد يوما ما، وقد رأيت الخوف في عيون الأفغان عندما مرت قوافل القاعدة من أمامنا. لقد خافوا علينا بكل بساطة من بعض المتشددين الذين قد يقتلوننا إذا ما عرفوا أننا غير مسلمين. ولحسن الحظ فلم ينتبهوا إلينينا لأنهم كانوا مشغولين بشيء آخر على ما يبدو. وفهمت عندئذ أن هذا التطرف والغلوّ غريب على الشعب الأفغاني، فهو شعب يفهم الإسلام الحنيف بكل طيبة وتسامح ويرحب بالغريب أيا كان، وليس من عادته قتل الغرباء أو الضيوف باسم الإسلام!
 
منقول
 




  أرشيف كتاب العدد

اطبع الموضوع  

Home