مقال

 

الزمن في واشنطن للنساء فقط

رابح فيلالي



الزمن في واشنطن ...للنساء فقط
 
رابح فيلالي

ثمة سؤال يملأ السّاحة السياسية الأمركية في الأيّام الأخيرة مفاده هل تتجه التركيبة البشرية للقيادات السياسية في العاصمة واشنطن إلى أن تكون نسائية بامتياز ؟
 
الأمريكيون يواجهون هذا السؤال لاعتبار النقاش داخل المجتمع الأمريكي المزدوج الصّورة فهو في الخارج مجتمع يقدم النّمودج الأعلى للتفتح وللقوة المادية والإعلامية والاجتماعية لعنصر المرأة بل والأكثر من ذلك أنه مجتمع يتبنى الدّفاع عن حقوق هذا الكائن في البقية المتبقية من أجزاء العالم بالكثير من الشجاعة والحماسة إضافة إلى الكثير من الصرف المادي الكريم في أكثر من نقطة واحدة في العالم .
 
ولكن هذا البلد الذي يقدم هذه الصّورة الكبيرة عن نفسه في بقية العالم لايزال وحتى هذه اللحظة يواجه السؤال الكبير صمتا وجهارة بين أروقة مؤسساته السياسية وفي مختلف جلساته العائلية اليومية عن مدى استعداد الأمركيين لان تكون حاكمة البلاد لأول مرة في تاريخهم امرأة .
 
بالتأكيد هناك الكثير من المناصب القيّادية الرائدة التي مارستها النساء في التاريح الامريكي وبالكثير من الاقتدار بلغلت مداها الأقصى في رئاسة المؤسسات الديبلوماسية سياسيا كما هو الحال مع رايس  في إدارة الجمهوريين حاليا وكما كان الحال مع سابقتها السيدة أولبرايت في آخر إدارة للديموقراطيين سابقا ولكن مع ذلك لم تسمح تركيبة المجتمع الأمريكي في  يوم ما بأن تكون إحدى المترشحات للمنصب الأول في البلاد من الجنس الاخر.
 
هل الأمركيون غير جاهزين لهذا التحول التاريخي الكبير في حياتهم ؟

هذا سؤال لايجد الأمريكيون الحرج في طرحه وعاد السؤال إلى الواجهة مجددا وربما بالمزيد من الإلحاح في الأيام الأخيرة عندما وجد الأمريكيون أنفسهم في مواجهة الحقيقة الجديدة وهي أّن  الشخصية الثالثة في البلاد بحسب البروتوكول الدستوري أي بعد منصب الرئيس ونائب الرئيس يأتي منصب رئيس مجلس النواب هي حاليا  السيدة بيلوسي .
 
الإنتخابات الأخيرة أوجدت السيدة نانسي بيلوسي في المنصب الثالث أكبر بكثير من الخارجية وأكثر بالكثير من رئاسة المجلس الأمني القومي كما جرت عليه العادة حتى الان بين النّساء الأميركيات.
 
بيلوسي سليلة عائلة سياسية تقليدية مارست السياسة في عهد مبكر من حياتها عملت إلى جانب ذلك كناشطة مميزة في مجالات حقوق الإنسان وانتمت اءلى الحزب الديموقراطي  بالثوارت العائلي.
 
السيدة نانسي اختارت الأمومة في مرحلة من العمر عندما تفرغت لتربية أبنائها الخمسة في واحدة من مقاطعات  ولاية فلوريدا قبل أن تعود إلى مجلس النواب ليتم انتخابها أربعة مرات متتالية عن نفس المقاطعة وليتم اختيارها في الإنتخابات ما قبل الأخيرة رئيسة للكتلة الديموقراطية في المجلس والتي كانت توصف حينها  بالأقلية.

السيدة بيلوسي وبعد الإنتخابات الأخيرة وجدت نفسها في مواجهة أشد خصومها عنفا الرئيس جورج بوش هذا الأخير اختلفت معه في الكثير من القضايا في السّياسات الدّاخلية والخارجية .

فالخلاف داخليا مثلا كان عنيفا في مسائل الضمان الاجتماعي وقضايا  الهجرة إضافة إلى مسالة رفع الحد الأدنى من الأجور.
 
أما بشان السّياسات الخارجية فقد حملت السيدة نانسي دعوة حزبها القوية إلى ضرورة أن تلتزم الإدارة الحالية بوضع جدول زمني للانسحاب من العراق مع التأكيد المتجدد على أن استتراتيجية الرئيس بوش في التعامل في العراق سوف تؤدي إلى المزيد من التأزم هنا في واشنطن وهناك في بغداد.
الخلاف بين الطرفين بلغ أشّده في الأسبوع الأخير من الحملة الإنتخابية عندما قال الرئيس جهارة أن نانسي لن تحكم المجلس في مستقبل الأيام ولكن بوش وفي الساعات الأولى من يوم الثامن من نوفمبر وجد نفسه مرغما على أمرين لم يكن كلاهما محببا إلى قلبه الأول أن يتوجه بالتهنئة إلى الغريمة نانسي والثاني أن يدعوها إلى مائدة الغداء في البيت الأبيض للبحث في مستقبل العلاقة بين حزب الرئيس والديموقراطيين في ضوء المعطيات الجديدة في العاصمة واشنطن .

السيدة نانسي التي تحتفظ دائما بابتسامتها الهادئة وبألوان لباسها الغارقة في الألوان الدّاكنة باستمرار أظهرت نوعا من المرونة في أعقاب فوزها عندما قالت للأمريكيين أنها وحزبها على استعداد للتعامل مع الرئيس في سبيل ما هو في مصلحة الأميركيين بصفة عامة .
 
ولكن ماهو في مصلحة الأمريكيين
يختلف حتما بين فهم السيدة نانسي وحزبها والرئيس بوش وحزبه في الضفة الأخرى.
 
ما يتضح جليا أن السيدة نانسي ستكون وبامتياز سيدة القرار الأمريكي في العاصمة واشنطن خلال السّنتين القادمتين أما في حالة فوز حزبها بالرئاسيات المقبلة العام ألفين وثمانية فإن سّيدة فلوريدا ستكون مع مزيد من التوهج السياسي في  مستقبل المؤسسات الرسمية الأمريكية وهذه واحدة من محطات التحول النسائية البارزة في العاصمة واشنطن في هذا الخريف السّاخن جدا سياسيا.

في الصورة أيضا امرأة يزداد حضورها من يوم لآخر وتعمل الأحدات لخدمة اتجاهها بصورة تدعو إلى الإلتفات إليها .
 فاذا كانت السيدة نانسي تأتي من خلف الأضواء فان السيدة التي أقصد هنا سيدة أولى لثمان سنوات في حياة الامركيين وفي ذاكرة بقية العالم إنها السيدة هيلاري كلينتون .
 
السيدة هيلاري حافظت على مقعدها النيابي عن ولاية نيويورك بالكثير من السهولة وبالفارق المحترم عن خصومها الأمر الذي جعلها تساند الكثير من زملائها المرشحين للكونغرس كما فعل زوجها العائد الى واجهة الديموقراطيين مسجلة سخاء استثنائيا في الصرف على حملتها الانتخابية بلغ الثلاثين مليون دولار .

زوجة الرئس في طريقها اليوم إلى أن تكون السيدة الرئيس لأول مرة في التاريخ الأمريكي .
 
تجد السيدة كلينتون الكثير من الأنصار كما تجد الكثير من الخصوم ولكن ثمة اعتراف معلن من قبل الخصوم قبل الأصدقاء بأن المرأة قادرة على إحداث أول تحول جدري في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة عندما يقول نائب الرئيس الأمركي ديك تشيني وهو أحد الصقور الجمهوريين علنا إن السّيدة هيلاري قادرة على الفوز بمنصب الرئاسة الأمركية في الإنتخابات المقبلة.
 
السيدة هيلاري امرأة لاتحتاج الى التعريف بالنسبة للأمريكيين ولكن العناصر الجديدة في مواقف آخر سّيدات البيت الأبيض السّابقات أنها اقتربت أكثر من االتجمعات اليهودية لاعتبار ثمثيلها لولاية نيويورك ولأنهم يمثلون قوة ضغط هائلة في صياغة التوجه الإنتخابي الأمريكي.
 
ولكن من هنا إلى العام ألفين وثمانية هناك الكثير من العقبات التي على هيلاري أن تتجاوزها بين الديموقراطيين أولا وفي العلاقة مع الجمهوريين ثانيا .
 الصدف خدمت السيدة هيلاري بقوة عندما ارتكب السيناتور جون كيري خطأه الشهير في الحملة الإنتخابية عندما مازح الطلبة الجامعيين وقال إن من لايؤدي عمله بامتياز ستكون عقوبته الإرسال إلى العراق الأمر الّّذي اعتبره الجمهوريون  تهكما من الجنود في العراق وطولب المرشح الرئاسي الديموقراطي السابق وربما القادم ايضا بالاعتذار عما بدر منه  مما اضطره إلى الاختفاء عن الأنظار في بقية الحملة الإنتخابية وهذه إضافة أخرى في رصيد هيلاري .
 
السيدة هيلاري تحظى بالكثير من القبول بين الأمركيين وسيزيد من حظها حالة الرفض الكبيرة التي يحياها المعسكر الجمهوري بين قلوب الامريكيين
إذن هذه امرأة ثانية تبرز عاليا في المشهد السياسي الأمريكي حاليا وقد تكون هي سيدة السنوات المقبلة في سماء الولايات المتحدة ومن ورائها العالم .
 
إلى غاية هذه اللحظة الحديث يدور عن امرأتين ولكن كليها من الحزب الديموقراطي فما ذا عن الحزب الجمهوري ؟
 
المشهد لايخلو من امرأة أخرى توصف بأنها امرأة دائمة الحرص على أناقتها ويقال إنها تحتفظ بمرآتين في مكتبها من عائلة متوسطة حلم لها أبوها يوما عندما أتى بها من إحدى الولايات الجنوبية إلى العاصمة واشنطن بانها ستصبح  سّيدة أمريكا في يوم ما وهذا اليوم قد لايكون بعيدا جدا على نظر رايس .
 
إنها السيدة كونزاليزا رايس التي يجمع الأمريكيون على أنها اءمرأة الثقة الأولى بالنسبة للرئيس وأنها ملهمة الكثير من أفكاره السياسية ولايتردد الرئيس شخصيا في الثناء عليها في جميع المناسبات ويقول الأمريكيون مزحا أن رايس لو كانت جميلة أكثر مما هي لأثارت حتما الغيرة في نفس السّيدة الأولى لورا بوش.
 
هذه رايس تخلصت وفي صمت من نفود نائب الرئيس القوي جدا في الثأثير على السياسة الخارجية كما عملت خلال الفترة السابقة على التقليص التدريجي لقوة حضور وزير الدفاع المستقيل رامسفيلد  في السياسة الخارجية قبل أن يرغم هذا الأخير على الاستقالة ويكون البديل الذي جاء به الرئيس هو أحد الأصدقاء المقربين جدا ايديويولوجيا وإنسانيا من السّيدة رايس وهو ما فسر على أنه انتصار آخر للدكتورة رايس .

وعند الحديث عن السيدة رايس التي توصف كذلك رغم عزوبيتها وهي في سن الخمسين فإن الحديث هو حديث عن واحدة من السيدات القويات في العاصمة واشنطن والتي تمّ اختيارها في أكثر من استفتاء عالمي على أنها أقوى نساء العالم من حيث قوة التأثير في القرار السياسي العالمي .
 
أما الحديث عن السيدة رايس في المرحلة الحالية فيتجه إلى أنها المنفردة بالمطلق بعقل الرئيس في المرحلة المقبلة من دون قوة تشيني ومن دون قوة رامسفيلد المغيب .

وأما عن الرئاسيات فالأمريكيون يقولون إنها الشخصية الأكثر شعبية بينهم عند الحديث عن رجال الإدارة الحالية ولذلك ذهب البعض إلى درجة مطالبة الرئيس بالتخلي عن تشيني وتعيين السيدة رايس نائبة له .
 
وهناك حديث أخر  يقول إن رايس هي واحدة من أقوى الشخصيات المرشحة في المعسكر الجمهوري لرئاسيات العام ألفين وثمانية. 

أما اذا أختار الجمهوريون شخصية نسائية لمقارعة الديموقراطيين فلن تجد السيدة رايس منافساً لها من من نساء الحزب ولكن عليها قبل ذلك أن تتخلص من قوة المحارب السابق والجمهوري البارز جون ماكين الذي يعّد نجم الجمهوريين الأوحد بل ومنقدهم الوحيد في الإنتخابات المقبلة.
 
ألم أقل في بدء الحديث إن الزمن الآن في العاصمة واشنطن للنساء فقط .

                             
                                                                                                                                           إعلامي جزائري مقيم في واشنطن       




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home