القلم النقدي

 

تجلّيات الرّفض في ديوان (لوعة الهروب)، للشّاعرة (فاطمة الزّه

وفاء العمراني



 [كسرت المصير الدائريّ المغلق
الشّمس الخالدة وهبتني أريجها الباذخ
اجتـثـتّني من الشّرعة الإقتباس المثال
أسلمتني لموج السّؤال... ]


تجلّيات الرّفض في ديوان (لوعة الهروب)، للشّاعرة (فاطمة الزّهراء بنّيس)

وفاء العمراني

يكاد ( الرّفض ) يكون اليوم: هو العنوان العريض المستجدّ بهذه المرحلة، و مرجعيّة الوقت المضادّة التي تداعب أحلام أقلّية من (الرّافضين )، أمام ما يمور به عصر ما بعد الحداثة من تخاذل و انهزاميّة على جميع الأصعدة (أستثني من هنا الجانب الفنّي
و الأدبيّ).
لا أريد أن يفهم من كلامي الدّعائيّ للرّفض على أنّه دعوة أخرى للإلتزام كتلك الدّعوات الماركسيّة التي كانت رائجة في منتصف ستينيات و سبعينيات القرن الفائت والتي طالت باسم الواقعية الإشتراكية مختلف جوانب الحياة السّياسية و الإجتماعية و الفنّية و الثّقافية... رغم أنّني و بشكل أو بآخر لا أحيد كثيرا عن هذا الطّرح، فما أتحدّث عنه (الرّفض) هو في آن واحد: أسلوب حياة جديد و طريقتي تفكير و إبداع مختلفتين، (و كي لا يظل كلامي مجردا أسوق هنا نموذج: الحركات المناهضة للعولمة كأبرز وجه من وجوه الرفض الذي ما يزال الشعر و الأدب عموما متأخرا عن رصد جوهر هذه الحركات الرافضة) و إذا ما كنت أسوق هذا الكلام هنا في سياق قراءتي لديوان [ لوعة الهروب ] فلكون الشّعر أوّلا و أخيرا فعل رفض، و لكوننا ـ للأسف ـ نعدم حتى الآن، في المنجز الشعريّ للشعراء المغاربة الشباب وجود أصوات لها قدرة التّغريد خارج العشّ، أصوات بنفَسٍ جديد تحتفي بموضوعتي: الرّفض و الخروج، و الّلتان ظلّتا شبه غائبتان إلاّ إذا استثينا بعض النّتف المتناثرة هنا و هناك. الغياب الّذي يعكس وجها من أوجه الأزمة الّتي يتخبّط فيها الجيل الجديد من الشعراء.

-لوعة الهروب:

وسط زحام من نماذج شعريّة يغلب عليها الإحتفاء بتفاصيل الحياة الصّغيرة (و أنا هنا لا أقيّم و لا أفاضل ) أطلّ علينا ديوان [ لوعة الهروب ] للشّاعرة[فاطمة الزّهراء بنّيس] كنسيج متفرّد و كصوت أنثويّ له قدرة تجاوز الطّابويات و الخطوط الحمراء و التّفكير (شعرا ) بصوت مرتفع. قد يبدو لنا من خلال العنوان: لوعة الهروب ـ باعتبار أيّ عنوان اختزالا و تكثيفا لمجمل قصائد ديوان أو (كما هو الحال هنا ) عنوان قصيدة يرتئيها الكاتب من زاوية نظر معينة أنها الشجرة التي تغطي الغابة أو بتمثيل أدق: (الوردة التي تحمل في داخلها البستان ) وفق تعبير جلال الدين الرومي ـ يبدو لنا أنّنا أمام امرأة منكسرة و هاربة، لكنّنا و نحن نرحل بين دفّتي هذه الأضمومة الشّعرية نجد أنفسنا أمام عنوان مضلّل حدّ التّيهان و هروب من نوع آخر، هروب مفخّخ بالجمر و مسقوف بحلقات الدّخان المتطاير من حرائق هذا الديوان:
(فأهرب... أهرب... أهرب...
لأعانق ما توقّد من الجمر ) ص 103
نجد أنفسنا أمام قصيدة لا تعرف كيف تحابي و لا كيف تضع مساحيق الزّينة فوق ملامحها، قصيدة رفض بهويّة أنثويّة باذخة، هويّة أنثى تعي كينونتها: تحبّ... ترفض... تغضب... تجدّف... و تركع (عكس الخراب ).

-تجليات الرفض:

إذا ما حاولنا تقصّي حضور (الرّفض ) داخل ديوان [لوعة الهروب ] في مجمله، فإننا سنعدم ـ على المستوى السّطحيّ المبسّط ـ توظيفه بين ثنايا القصائد الثمانية و العشرين، ذلك أنه لا يمكن رصد هذه التيمة البؤرية في هذا المتن الشّعري إلاّ كبنية تشتغل في العمق و تقوم بدور المحرّك، لكنّنا و من جانب آخر إن عملنا على استقصاء تمظهراتها و تفرّعاتها المختلفة فإنّنا نستطيع على الأقلّ رصد ثلاث صور من صور الرّفض المركزيّة بهذا المتن
و هي:
 1 ـ رفض سلطة الرجل
2 ـ رفض سلطة الأعراف
3 ـ رفض القهر السياسي

1 ـ رفض سلطة الرجل:

قد يكون موضوع رفض سلطة الرّجل هو أحد المواضيع الأثيرة لدى المرأة العربيّة الكاتبة، و رّبما يعزى الأمر إلى ما تراكم من سنوات القهر التي دفعت فيها المرأة و لا تزال ثمنا باهظا دون حتّى أيّ مبّرر يذكر، و من هنا نجد الشّاعرة [فاطمة الزّهراء بنّيس] كغيرها من المبدعات و قد أضحت النّاطق الذي يعبّر عن ما يختلج في صدر المرأة من رفض لهذه السّلطة والرّغبة بالصّراخ في وجهها:
( أنا ما كتبت
إلاّ لأخترق جدار الصّمت
لأهب طوقا آخر للأنوثة ) ص 41
هي رغبة الجهر بالموقف الغاضب، رغبة الإنتقال من إطار البوح الخافت و المونولوغ الدّاخلي إلى أفق الحوار و المساءلة، رغبة الخروج من دور المرأة / القربان إلى المرأة / الرّفض:
( لا تستغربوا...
إذا اندفعت من البكم
صرخات تتخبّط في اللّعاب ) ص 55

2 ـ رفض سلطة الأعراف:

تعتبر سلطة الأعراف و التّقاليد المتحكّمة في آليات تحرّك أيّ مجتمع هي الأخطر إطلاقا، لما تمارسه هذه السّلطة من ضغوطات على الفرد: ذكرا كان أو أنثى، و لما لها من قدرة التّشويه والتّدمير للذّوات المبدعة التي تمنح نفسها حقّ الشذّوذ عن القاعدة و السّباحة ضدّ التّيار، و انطلاقا من هذه الرّؤية، ينبعث صوت [فاطمة الزّهراء بنّيس ] في [لوعة الهروب ]
و كأنّه جملة اعتراضية تدمن مشاكسة المحظور و العبث بمراسيم القبيلة:
( أتنكّر لماضيّ
الموعود بالخرافات
فيرحّب بي الحاضر ) ص 106
تكتب [فاطمة الزهراء بنّيس] رافضة لقيم مجتمعية تسوس المرأة باسم العرف تارة
وباسم الدّين تارة أخرى، قيم تجبرها أن ترتكن إلى الغرف المظلمة و تمنعها أن تنقل حبّها من الكواليس إلى مستوى من التّداول حرّ و طبيعي:
( أنوثتي جوارح
تضرب مسمار العقيدة
فأنبجس
طوفانا من الصّواعق ) ص 99

3 ـ رفض القهر السياسي:

يكاد هذا الجانب يكون أحد الجوانب الأكثر تغييبا في المنجز الشعريّ للجيل الجديد في كلّيته، فالحديث عن القدس و عن الوطن و همومه في الشّعر، أضحى عند الذّائقة المكرّسة صرعة شعريّة بائدة، لذا يبدو صوت [فاطمة الزّهراء بنّيس] في القسم المعنون ب
[قصائد للوطن] و كأنّه قادم من زمن آخر: زمن جيل 68، جيل مساءلة المتعاليات
و رفض الظّلم بأوجهه المتعدّدة و منطلقاته المختلفة:
( عاشقين أن نقاوم العويل
على صهوة
اكتسبناها من النّضال القديم ) ص 83
نحن هنا أمام امرأة لا تني تحارب ـ انطلاقا من خندق الشّعر ـ على جميع الجبهات،
و تطلق طلقات الرّحمة على عالم شائه يحاول بشتّى الوسائل أن يجرّدها من أبسط حقوقها: الحرّية، هي الواقفة مع ذلك فوق الحطام، عزلاء... عارية القدمين... تطلب اللّجوء من (وطن العراء )... و تصرخ:
( آه... يا أخي
هيّا نقطف ثمر الجريمة
و ليكن
ما يكون ) ص 85

بيت القصيد:

أكيد أنّ هناك زوايا أخرى في ديوان [لوعة الهروب ] لم نتمكّن من رصدها و مقاربتها، فما حاولنا استقصاءه هنا، استثنائيّة هذه التّجربة من حيث ما تضمره من طاقة رفض و تحريض، خاصّة و أنّ الشّاعرة استطاعت منذ محطّتها الجماليّة الأولى أن تجترح لنفسها مسلكا مغايرا، نتمنّى أن تعمل في اقتراحاتها الشّعرية اللّاحقة على تعميقه و تكريسه و تطويره بعيدا عن طوفان قصيدة التّشابه و النّمط، السّائدة و المعمّمة للإحتفاء بالغياب و بذات مكتفية بذاتها.
 
 منير بولعيش
طنجة ــ المغرب

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home