القلم الفكري

 

الشعر ما كان ديوان العرب ولن يكون أبدا

محمد البقاش



الشعر ما كان ديوان العرب ولن يكون أبدا

محمد البقاش


الشعر ليس ديوان العرب . الشعر ديوان عرب معلومين في التاريخ . ليس للعرب بعد أي ديوان ، وسيكون لهم ديوان مستقبلا ، ولكنه لن يكون شعرا .
القول بأن الشعر ديوان العرب يقضي بسريان التتويج في كل وقت وحين ، يقضي بجعله قائما في جميع العصور، بارزا في جميع الأزمنة، وهذا غير مطابق للواقع .
صحيح أن الشعر قد اقتعد أعلى القمم في كلام العرب، ولكنه اقتعدها في الماضي . فالقرنان الأخيران للعصر الجاهلي كانت فيه اللغة العربية في أعلى مراتبها، وكان الشعر يمثل قمة البلاغة والفصاحة والبيان حينها، وإلى جانبه كان هناك نثر لا يقل روعة وسموقا عنه، نثر راق يتمثله العرب في كلامهم غير المنظوم، انحسر كله في لهجة قريش التي أخذت من كل اللهجات فسادت في وسط العرب، وكان إلى جانب شعرهم نثر الخطابة والرسالة الشفهية ..
في خضم هذا ظهر نثر جديد متميز عن الشعر؛ وهو غير معقول، إذ كان يجب أن يكون من جنس الشعر ، وليس من جنس النثر، وهو ما لم يكن، الأمر يتعلق بالقرآن العظيم، فدل ذلك أولا على أن اللغة العربية لن يتوج فيها جنس كلامي من جنس الشعر، بل يجب أن يكون من جنس النثر؛ وقد كان ذلك متمثلا في القرآن الكريم فحق أن يكون القرآن ديوانهم؛ لأنه نثر يوماوي يذهب فيه الناس ويأتي آخرون وهو هو باق، غير أن الأمر شاذ بسبب كون القرآن ليس من كلامهم ، وحتى القول ببشريته ليجعله منهم وإليهم ولو انحسر في شخص محمد؛ لأنه عربي ينوب عنهم، لا يستقيم، لأنه قد دل العقل على كونه ليس كلامهم، ولا كلام محمد، ولن يكون كلام بشر وهذا موضوع آخر، فتأكد بما لايدع مجالا الشك أن القرآن ليس اختراعا عربيا، أو تأليفا بشريا، فقضى ذلك ألا يكون ديوانهم ماداموا لم يخلقوه أو يبتدعوه، كما قضى منطقيا أن يبحثوا عن ديوان لهم في النثر، وليس في الشعر، يبحثوا عن جنس كلامي يخترعونه ولا يعمر مئات السنين ؛ أو آلاف السنين ، بل يثبت في عليينه ثباتا مادامت السموات والأرض حتى يكون بحق ديوانهم، قضى ذلك أن يأتوا بكلام
يومـاوي يظل يوماويا لجنس البشر ، ومن البشر العرب حتى يكون بحق ديوانهم، وهو لحد الآن غير موجود .
في القرنين الأخيرين للعصر الجاهلي، وفي صدر الإسلام، ثم القرون التي تلته بالعصر الأموي والعباسي ظل الشعر فعلا ديوان عرب، ديوان أولئك العرب، لأنه كان مناط التتويج، وعمر بعد ذلك ولم يزل، ولكن على شكل منحسر في أفراد، وحتى لو صار محل اهتمام الجماعات والمجموعات الناطقة بالعربية ، وبنفس الصورة القديمة اليوم، أو أرقى منها، فلن يكون مع ذلك ديوان العرب بأل التعريف .
ديوان العرب يجب أن يكون نثرا، وليس شعرا، ودليلي على ذلك باستقراء عقلي لنثر موجود بيننا وهو القرآن الكريم الذي لو علم الله تعالى بقدرة الشعر على الإحاطة بجميع المعاني لجعل كلامه شعرا ، وليس نثرا ، لجعله من جنس الشعر ، وليس مـن جنس النثـر ، ولكان شعرا متميـزا لن يقدر أحد على الإتيان بمثله ، مثله مثل القرآن بنثره، لو ..
ولكن الله تعالى لعلمه بما تقدم وما تأخر قضى أن يكون كلامه نثرا، وليس
شعـرا، قضى أن يكون من جنس النثر، فكان كلاما عربيا بحكمة إنسانية، وليس بحكمة عربية . كان كلامه بلغة وضعها البشر، ثم عجزوا أن يأتوا بمثل القرآن، أو بسورة مثله؛ وهو غير معقول عقلا كما ورد في الممدرية (في النظرية والتقنية) ولكنه كائن فعلا وواقعا، فكان ذلك بحثا آخر يقودنا إلى الإعجاز، وهو ليس موضوعنا .
أقول : بما أن القرآن الكريم قد بز الشعر ، وبز جميع أنواع النثر وهو نثر من نوع خاص ، فإن ديوان العرب يجب أن يكون نثرا محاكاة للقرآن العظيم ؛ يستظل بظله ، ويتعلق بحياته ..
هذا النثر قد جرت محاولات عديدة لإيجاده مثل المقامات ، وقد صعدت سلم الإبداع درجة مرموقة لم تبلغها الرواية مثلا ، ولن تبلغها ؛ لأنها ليست من خلق العرب وإبداعهم حتى تكون ديوانهم ..
وعند استقرائي لأنواع وأجناس كثيرة من النثر تبين لي أن النثر الذي سيتوج ديوانا للعرب عبر العصور القادمة ، عبر التلبس باليوماوية والممدرية سيكون سردا، والسبب في ذلك أن السرد يكاد يكون طبيعة إنسانية، بل هو كذلك من جهة الخلق وليس الخلق، إذ لا غنى للإنسان عنه، وهو نتاج التجمع الإنساني ، وعليه يمكن القول أن ديوان العرب يجب أن يكون سردا ، كما يمكن القول أيضا أن ديوان أي شعب أو أمة يجب أن يكون سردا ؛ لأن هذا الأخير كما أسلفنا حاجة إنسانية أساسية في حياتها الاجتماعية ، فوجب أن تظهر دواوين الشعوب والأمم بلغتها في نثرها ، وليس في شعرها .
 
هذه هي البداية . ثم ماذا بعد ذلك ؟
بعد ذلك :
أولا : اختيار جنس سردي موجود في تاريخنا بشرط أن يكون عربيا خالصا .
ثانيا : اختراع جنس جديد نراعي فيه حياته الجنسية ( أي نراعي فيه كونه يحيا مع الجنس البشري وليس مع فرد بعينه ) حتى إذا مات الإنسان ذهب معه جنسه ، ولكن الجنس الإنسـاني يظل معمرا هذه الأرض بحكم غريزة البقاء ، وعليه يجب أن يظل مع الجنس الإنساني ، وربما يصطحبه معه إلى آخرته ..
ثالثا : البحث في السرد القرآني عن منارات تنير طريقنا نحو خلق جنس سردي يحاكي القرآن الكريم في حياته مع البشرية ، يقلده من حيث جعل الجنس لكل زمان ومكان، جعله يوماويا من حيث الخلق والإيجاد مع أهمية غيره بدرجات ..
رابعا : ركوب الممدرية في خلقها لأجناس متميزة قد تتطور فتصبح فعلا ديوان العرب ، ربما يتعلق الأمر بالقصة الظليلة أو غيرها .
هذه نظرة متطلعة إلى التتويج ، وسؤال عن الجنس والنوع ، ولكن التاج لم يصغه الصائغ المبدع بعد .
.. ترى هل يظهر ذلك في الممدرية ؟
--------------------
 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home