القلم السياسي

 

المستقبل دائما يبدأ الآن

رابح فيلالي




                        المستقبل دائما يبدأ الآن
                                                          
 رابح فيلالي

بوعي أوبغير وعي وفي غفلة من الجميع
تذهب المنطقة العربية  في اتجاه المزيد من المخاوف من المستقبل القادم بعد أن تأ كد للجميع وبصورة بلغت اليقين أن جميع  الخيارات المحّلية والدولية في المرحلة السابقة  لم تحقق أغراضا بالصورة التي تجعل الأطراف المعنيّة بايجاد حالة من الاستقرار قي منطقة الشرق تصل حالة من الاطمئنان على خياراتها وتوجهاتها.
 
فالمنطقة التّي اتجهت بصورة شبه كاملة إلى ايقاع إصلاحي تغييري في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سيبتمبر تعيد النظر في هذا الخيار أو على الأقل تعيد النظر في تفاصيله المعلنة من أن الحل الوحيد في المنطقة هو التوجه إلى حالة من الديمقرطية الشاملة والكاملة لكافة الحكومات والمجتمعات ولكن هذا الخيار أوجد متاعب كثيرة على الأرض لم تكن الأولويات بصددها واضحة بالصورة التي تجعل من عملية الإنتقال في المنطقة ليست هي العملية التي سعى إليها المتحمسّون إلى  حركة التغيير الشاملة في المنطقة  ومازاد في تعقيد الصورة أن النّمادج التي وضعت مقاسات للتحول في المنطقة لم تجد بعد النّجاح الذي يمكن أن يحولها إلى علامات للاحتفال بها .
 
لقد سعت جميع الأطراف الغربيّة والعربيّة المناصرة لحالة التحول إلى الحديث عن التحول التاريخي في المجتمع العراقي باعتباره أكثر الحالات  العربية تركيبا وتعقيدا في المشهد سابقا لقد سعت إلى جعل التحول الديموقراطي في العراق إلى حالة تاريخية يمكن أن ينسحب عليها الكثير من النماذج اللاحقة في المنطقة العربيّة.


ولكن الّّذي اتضح لاحقا أن التجربة العراقية لم تحقق معادلة الأمن والديموقراطية مع اعادة خلط كامل للأولويات في التفكير الاستراتيجي للحالة العراقية هل الحل هو في اعتماد حالة من الديمقراطية؟ والتي كانت نتيجتها على الأرض حالة من الفوضى التي يمكن أن ترتقي في بعض فصولها إلى حالة من الحرب الطائفية وبالتالي هذا واقع مرير لايمكن أن يسعد بأية صورة من الصور جميع أنصار التغيير في المنطقة العربية في الحاضر والمستقبل كما أنه فسر على أنه انتصار تاريخي لوجهة نظر خصوم التغيّير كل التغيير .
 
إضافة الى هذه الحالة الحكومات العراقية المتعاقبة على المشهد لم تسلم من اتهامات النقص في ممارسة المفهوم السليم للمواطنة فكل الاتهامات الطائفية ارتبطت بحكومتي "المالكي" حاليا ومن قبله "الجعفري" بل إن الاتهامات العلنية تقول إن أعضاء من الحكومتين متورطين في عمليات تصفيات دموية ضد الطائفة السنية التي وجدت نفسها في مواجهة  حتمية فبالعودة إلى الخيار الديموقراطي يقال لها إنها الأقلية ومن ثمة عليها القبول بحكم الأغلبية الديموقراطية وبالعودة إلى  السابقة التاريخية فلقد  حملت جميع أوزار النظام البعثي السابق في العراق حتى وإن كانت هذه الطائفة هي أيضا ضحية لهذا النظام في زمن عزته وحضوره الطاغي .

 الحل الأمثل الذي بات في الأفق وتؤكّده جميع الشواهد العراقية في الحالة العراقية هو العودة إلى الدولة الوطنية التي تملك القدرة على تجاوز التفاصيل الطائفية وتضع جانبا الإنتصار لطرف على حساب الآخر وتعمل على اعادة بناء مفهوم المواطنة الايجابية .
 
في الحالة العراقية أيضا صورة أخرى خلطت الحسابات لجميع أنصار التحوّل في المنطقة العربية وفي مقدمة هؤلاء جميعا الأمريكيين طبعا.
 إنتهت الأحداث في المنطقة إلى تحقيق مكاسب بالجملة لايران في معادلة صراعها مع الخصوم العرب وغير العرب في الرؤية الحالية والمقبلة للمنطقة العربية.

فايران اليوم تقول إنها تملك جزءا من الحل في العراق وفي لبنان وفي فلسطين بطريقة ما وهو ما يؤشر إلى المعنى الأكيد انه لامستقبل للتعامل مع المنطقة من غير الطرف الايراني وفي المقابل أيضا تدير ايران دفة صراع مباشر مع الأمريكيين بشأن مايعرف بطموحها النووي وهو الأمر الذي يجعل من المنطقة العربية في حالة الخسارة الأكيدة سواء توصل الطرفان الامريكي والايراني الى تسوية أو انتهى النزاع إلى مواجهة مكشوفة في المنطقة فالتوصل إلى التسوية في معناه الضمني سيكون بالضرورة على حساب الطرف العربي لأنه هو الطرف الأضعف في الحلقة في المرحلة الحالية على الأقل.

ايران سوف تكون في هكذا حالة القوة النووية الثانية في المنطقة إلى جانب اسرائيل طبعا أما في حالة المواجهة فالطرف العربي سيجد نفسه في حالة حرب إضافية في المنطقة في وقت  تعاني فيه من حالة اكتفاء من حالات التوثر الكبيرة والأكثر من ذلك على الطرف العربي أن يحسم خياره في أية جهة سيكون وحينها- حتما- سيكون في صف الشرعية الدولية تماما كما حصل في الحالة العراقية وهو الأمر الذي سيؤدي إلى خلق المزيد من الاضطراب في علاقات الحكومات بشعوبها المزدحمة المشاعر بواجبات الإنتماء الديني والجغرافي والتاريخي وحسابات الحكومات في الطرف الآخر المؤمنة بلعبة السياسة وحسابات المصالح بالإضافة الى دورة الرياح
 
ربما سيكون من الصعب القبول بفكرة أن الإيرانيين حاليا  يشكلون الطرف الأقوى في المنطقة وأن التسويات العاجلة في العراق ولبنان وبصورة أقل ستحتاج بطريقة ما إلى إرادة ايرانية متعاونة كما هي الصورة في العراق وفي لبنان .
 
هذا الوضع لم يكن أنصار التغيير في المنطقة العربية يتمنون أن تنتهي الأحداث إليه بعد أن كان الخيار السابق هو إلى التغيير في العراق ومن ثمة إملاء النموذج على بقية المنطقة العربية والعمل في نفس السياق على إيجاد نماذج مماثلة في لبنان وفي فلسطين ولكن النموذج اللبناني اقترب بصورة أكثر من أي وقت سابق في الأيام الأخيرة من الحالة العراقية. أما النموذج في غزة ورام الله  فلقد انتهى إلى حالة من الشلل لم تكن مسبوقة في التعاطي الدولي والإقليمي مع الملف  الفلسطيني .
 
إذن هذا هو الوضع الذي يحكم حركة المتغيرات المتتابعة في الأيام الأخيرة في المنطقة العربية وفي مشاهد الدفع الديبلوماسي الرباعي الأمريكي باتجاه التحريك من خلال إرسال  نائب الرئيس" بوش" إلى الرياض ولقاء"رايس" مع  أبومازن إضافة إلى لقاء آخر بين" بوش"و"المالكي" في العاصمة عمان إضافة إلى كل هذا الزيارة الخجولة التي  قادت الرئيس الطالباني إلى الجارة طهران وفي الأفق حديث عن لقاء ثنائي وربما ثلاثي بين الأسد من دمشق والوسيط الايراني وفي الظهر سيكون الرئيس العراقي وهي سلسلة من الحركة كانت مسبوقة بإشارات متراكمة في الأسابيع الأخيرة ومنها   عودة العلاقات بين دمشق وبغداد وتحذيرات ملك الأردن من أن المنطقة تتجه إلى ثلاثة حروب أهلية في الأفق في العراق ولبنان وفلسطين وهو تصريح يحمل الكثير من الإشارات في وقت كان فيه ملك الأردن يرتقب زيارة "بوش" وقمة عراقية أمريكية فوق الأراضي الأردنية
 
إذا كانت هذه هي الحسابات التي تحكم المشهد الحالي في المنطقة العربية فإن الأكيد أن حركة في الخرائط والمواقع ستكون أكيدة وفي معالمها عدم الممانعة الصادرة من الرئيس"بوش" بأن العراقيين أحرار في إمكانية تقدير المصلحة من التعاون مع السوريين والايرانيين في شؤونهم الأمنية وهذا موقف ابتعد فيه الرئيس الأمريكي بإدارته عن أي قرار يمكن أن يؤخد في هذا الاتجاه كما أنه جعل الأمر يبدو وكأنه مسألة عراقية بحتة وأنه لاعلاقة للطرف الأمريكي بالمسألة لامن قريب ولامن بعيد وهذا بكل تأكيد ما تقضي به معطيات التحول في المعادلة .

المتغير الآخر أيضا هو توزيع الأدوار في المنطقة فبالنظر إلى التحركات الجديدة يتضح أن هناك رؤية جديدة فالدور السابق الذي أعطي للمحور الجديد في المنطقة والمشكل من السعودية ومصر والأردن سيتراجع قليلا لمبادرات جديدة لاتستبعد حالة من التفاوض مع الايرانيين وسوريا بشأن العراق ولبنان وفلسطين وفي المؤشر على ذلك ما قاله الرئيس الامريكي الأسبق" جيمي كارتر" من أن التفاوض ليس بالضرورة أن يكون دائما مع من يتفق معنا .
 
مما سبق يتضح أن الأطراف التي وضعت على الهامش في المرحلة السابقة سيكون لها حضور في المرحلة الحالية ولكنه ليس ذلك الحضور الذي سيؤمن المصالح الدائمة ولا  الذي سيقيم الخرائط المحورية إنه ذلك النوع من الحضور الذي سيحاول استعادة التوازن المفقود في المشهد الشرق الأوسطي ويحقق بعض التقدم الأمني في العراق كما أنه يخلق حالة من الاطمئنان  في العلاقة إلى الطرف الايراني في انتظار التوصل إلى حالة من التسوية للمسألة النووية وأكثر من ذلك ايجاد مناخ مناسب لحركة ديبلوماسية جديدة في القضية الفلسطينية وفي أول معالمها تصريحات فلسطينية وإسرائيلية تقول إن الجميع يعمل على ايجاد مبادرات جديدة للمرحلة المقبلة .
 
ما لايجب أن تفوت الاءشارة  اليه وسط هذا الاءزدحام الدببلوماسي هو أن جميع هذه الأحداث يخدم أجندة أميركية يحاول من خلالها الجمهوريون اءيجاد نقاط إنتصار في سجلهم الإنتخابي المتدهور جدا أملا في إنقاذ ما  يمكن انقاذه
في الإنتخابات الرئاسية المقبلة
 
أي بعد سنتين من الآن فالقاعدة هنا في واشنطن  تقول إن المستقبل يبدأ دائما الآن .

           
 
اعلامي جزائري واشنطن

 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home