مقال

 

العراق بين القبلة والقنبلة

زين العابدين الأنصاري



إذا أريد للعسل أن يراق بين أجمل شفتين ، فليس هناك سوى العراق ، شفتان لضفتين من اللهفة ( دجلة والفرات ) وإذا أُريد للقبلة أن تطبع أجمل لحظات لقاء المودة .

 

 فأرض العراق لها حظوة العناق ، لإن العراق مؤسس لعاطفة أول شوق حين حرك النسيم ظفائر اللهفة في عشق شبعاد لتعزف اول قطعة موسيقية لقبلةٍ طبعتها عشتار على خد انكيدو وهو يفارق جلجامش خله بموت إسطوري ليواجه ملك أوروك لحظة مصير البحث عن الخلود لوحده.

 

ويبدو إن هاجس (وحدهُ هذا) ظل لصيق الذاكرة العراقية وقدريتها منذ شعور الأحباط بضياع حلم جلجامش يوم اكلت الافعى العشبة المرتجاة .

 

لهذا بقي العراقيون يمتلكون الشعور الذاتي بإنهم قادرون دوما على تجاوز محنهم من خلال تلك العشبة التي ستأتي بمعجزات لاتحصى ومنها تخليص البلاد من إزماتها .

 

 

والأن أفترض أن جلجامش عاد الآن ، ولديه لبحثهِ الجديد من أجل أزل وخلود وطن تحيط به أعاصير العنف والتقسيم وشبح حرب أهلية (لاسامح الله )، طريقين .

 

واحد مؤشر بإشارة قبلة ، وآخر إشارته قنبلة .

 

الآن يأتي الخيار التأريخي للجلجامش الجديد ( بين القبلة والقنبلة ) .

 

فألأولى رقيقة ولايمكنها ان تهزم خمبابا الذي يتربع على صدر الدبابة ويستمتع بظهيرة بغدادية بصوت الفس بريسلي وهو ينشد تحت أجفان مارلين مورنو : قدر عيناك قادني من تينسي الى هنا ..

 

ولكنه قدر قاتل حتماً.

 

ورغم هذا فالعراقي ومنهم الملك السومري يدركون أن القبلة مساحة لصناعة الأمل وعليها أن تسلك بعاطفتها الطريق الأجمل لزرع مواسم ربيع عراق خالٍ من مفخخات الموت والخراب ( والنعي ) لهذا توكل على الله وأبي الحسنين وأشراف طرائق المدرسة البغدادية ومضى يحمل قيثارات الحب ويصنع منها القبلات والأمنيات ، وجال مثلما إبن بطوطة في رحلته الموسومة ( تحفة النظار في غرائب الاسفار وعجائب الأمصار ) ليرى العراق ويصفهُ : ( بلاد زينها الله بالحسن الغريب وأعطاها كل شيء )..

 

ومشى يوزع قبلاته في مضاريف الرسائل وعلى باقات الورد ، في بطاقات التموين وقوائم الراتب وأرغفة الخبز وحتى على دموع الأمهات المغدورات ، ومرات تجرأ وأستسمح وزراءا وقادة شرطة ومترجمين ليطبع على خدودهم رغبته التي حملتها القبلة بمعنى أن يبقى الوطن ..وطن للجميع وليس ( بطيخة للبيع ) .

 

جال ومشى ..زار الزبير وعين كاوه والشنافية والحي وبيجي وسوق الشيوخ والفلوجة والمقدادية ووصل حتى آخر دكة حدودية في قضاء بنجوين .

 

 وعاد ليكتب تقريره الى الالهة وليس الى كوفي عنان ، وكان في العين دمعة وفي الحلق غصة إن القبلة لم تعطي مفعولها .

 

ولهذا أُقترحَ عليه أن يبدلها بالقنبلة .

 

 ولأنه لم يتعود على عنف الداناميت ، إلا إنه جربها مغلوبا على حسرته فرآها تقتل الأمريكان والعراقيين معا ، ولانه يرى في الجسد العراقي ( راسمالاً لايعوض ) .

 

ودع القنبلة وجلس مع حيرته .

 

أغمض عينيه لينام تحت سدرة آدم  ع في القرنة ملتجأً الى حكمة من ولدنا من صُلبه ..

 

آدم ع ...سرب طيفه خياراً لحلم الأنبياء وهجس اليه بالعودة الى درب القبلة فهو الأمل الذي قد يوصل أمنية الإنسان ليكون تحت ظل خيمة وطن ، لاتحت ظل خيمة بدن ممزق بالمفخخات .

 

مرة أخرى تعود القبلة خياراً لجلجامش الجديد ولكنه زرع فيها هاجسين .واحد للربيع ، وآخر للصيف ..وسيظل يجرب حظه مع الفصلين لحين يفرجها الله على الناس والوطن .

 

 إن كان الهوى ربيعيا عند أهل الشورى والامر أعطاهم الربيع بقبلاته ووروده وسماحته وتقواه ..

وان أحس بأن العراق مع القبلة والورد سيظل ناعساً كل عمره وموزع بين دبابة المحتل ورؤى قندهار فأن الصيف اولى ليكون لهبا على كل الذين يريدون في العراق شراً ومسخاً لذاكرته وحضارته وتأريخه ..

 

العراق بين القبلة والقنبلة ..

 

ترى كم من الصعب إن تكتب مقالة بهكذا عنوان ! 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home