دراسات هامة

 

أطياف الظهيرة" لبهوش ياسين أكبر رواية مغربية من حيث الحجم

د. جميل الحمداوي



أطياف الظهيرة" لبهوش ياسين أكبر رواية مغربية من حيث الحجم


الدكتور جميل حمداوي


تعد رواية " أطياف الظهيرة" للروائي المغربي بهوش ياسين أكبر رواية مغربية من حيث الحجم إلى حد كتابة هذه السطور حيث يبلغ عدد صفحاتها (411) صفحة من الحجم الكبير. وقد صدرت هذه الرواية في طبعتها الأولى سنة 1993م عن دار المعارف بالرباط. وسنحاول في هذه الدراسة المتواضعة أن نبرز أهم تمظهرات الرواية مناصا ودلالة وخطابا ومرجعا.

1- المستوى المناصي:

تذكرنا هذه الرواية بنصوص نجيب محفوظ في تزيين اللوحات الروائية برسوم سوداء على صفحات بيضاء تحتها مقاطع نصية وصور روائية تفسر الصورة وتشرح سياقها، و تكون الصورة كذلك في خدمة ذلك المقطع أو تلك الصور المجتزأة من الرواية بكل إمعان وتدقيق، وكل مقتبس روائي له دلالة أيقونية ولغوية تشخيصية وسياقية داخلية ومرجعية.
ويلاحظ على المستوى الغلافي الأمامي صورة أيقونية واقعية ملونة رسمها المؤلف نفسه كما رسم اللوحات التشكيلية الداخلية. وبهذا يكون قد جمع بين مهارة التشكيل البصري ومهارة الإبداع الروائي.
وتبدو الرواية أنها ذات تشكيل واقعي حيث تجسد اللوحة الفتاة التي التقاها الكاتب قرب البئر والتي أتته من أجل السقي وجلب الماء،تلك الفتاة التي تلبس الثوب الأحمر الناصع، وقد أغرم بها الأستاذ منصور كثيرا، فأصبحت عشيقته المفضلة في قرية الوعول. وتذكرنا هذه الصورة ذات الملامح الرومانسية بصور جمال قطب المزينة لنصوص نجيب محفوظ كما في " بداية ونهاية" و"اللص والكلاب" وغيرهما من الروايات الأخرى.
ويتحدد سياق اللوحة الملونة خارجيا( لوحة الفتاة ذات الثوب الأحمر) في لجوء الكاتب أثناء انتظاره لعبد الرحمن إلى البئر من أجل إرواء عطشه. وهناك صادفت عيناه فتاة البئر، فمال إليها شغفا وعشقا:" وجاءت فتاة البئر وسقت الماء. ولم تلحظني. كانت ترتدي نفس الثوب الذي قالت عنه، قرب الدار المهجورة، إنها تفضله عن كل ملابسها الأخرى على قلتها. وسألتها لماذا؟ فقالت:" إنني يوم شتمت الشتوكي أمام أهل القرية، كنت أرتدي هذا الثوب".(ص:311-312)، وهذا الثوب الملون بالاحمرار إن دل على شيء فإنما يدل على التحدي والصمود والاستعداد لخوض المعركة ومدافعة الظلم بالثأر والانتقام، أي الوقوف في وجه الحق الطبيعي القائم على القوة والغلبة والجبر والإلزام.
ويشير عنوان الرواية"أطياف الظهيرة" إلى ظاهرة متفشية في القرى والبوادي التي تحيط بالمدن وبالخصوص في عالمنا العربي وهي ظاهرة الثأر والانتقام وجنون الغضب التي تسود كثيرا في ظروف الجفاف وحالات الجدب وأيام الفقر والجوع و أثناء عطالة الشباب . لأن أغلب الدول العربية لم تهيئ المشاريع التنموية لإخراج البادية من حالة الموت إلى عالم الحركة، و تثري نشاط المقاولات ، و تضفي الحيوية على الإنتاج لتحريك دواليب الاقتصاد. وهذا سيؤثر إيجابيا على سلوك الأهل وترقيق نفوسهم وتليين مواقفهم وتهذيب ضمائرهم.

2- المستوى الحكائي والقصصي:

تصور رواية أطياف الظهيرة قرية الوعول التي زارها الأستاذ منصور مع عائلته في العطلة الصيفية في أواسط غشت لقضاء عطلته السنوية بين الأهل وسكان البادية بعد ملل الأسرة من ضوضاء مدينة المنصورة وتلوثها وصعوباتها المادية.
وصادفت هذه العطلة جفاف القرية وحزن السكان وُقحال الأرض ونقص المياه وحرمان السكان منها باستثناء البئر الذي حفره زيدان بالتعاون مع سكان القرية لإنقاذهم من العطش والموت المحتوم.
وصادفت عودة منصور إلى القرية هذه المرة وفاة أحمد الطيبي واختفاء زيدان وثراء الشتوكي وتسلط محجوب واحتيال قنفذ وبراءة رشيد قمو. كما زهقت كثير من الأرواح الآدمية بسبب تصفية الحسابات والحسد والحقد والعداوة المريرة طمعا في الثروة واغتصاب أراضي أصحابها عن طريق القتل وشهادة الزور والاحتيال على القانون. وقرر منصور أن ينبش في بعض ملفات قرية الوعول أثناء إقامته مع أسرته في البادية التي خيم عليها ضباب المحن والمآسي وأطياف الظهيرة. ومن بين القضايا التي أثارت انتباهه قضية وفاة أحمد الطيبي التي أثارت زوبعة من الشكوك حول مماته. فهناك من يقول بأنه مات موتة طبيعية، وهناك من يقول بأنه مات مقتولا طمعا في ثروته وأراضيه. فمن هو القاتل ياترى؟ ومن له المصلحة في قتله، هل هو شريكه الشتوكي أم محجوب أم قنفذ؟ حتى الفقيه الذي غسل جثته ويمكن أن يكون شاهدا حقيقيا راح إلى مثواه الأخير. وكان أهل القرية يميلون إلى التستر وإخفاء الحقائق خوفا وتجنبا من الموت والعاقبة المؤلمة. و هكذا تشابكت خيوط هذه القضية مع قضايا أخرى كقضية زيدان وسبب اختفائه، والمعلمة التي كانت تدرس تلاميذ القرية وعلاقتها بزيدان، وقضية العاهرة محجوبة وصلتها بشتوكي وقنفذ وعباس. كل هذه القضايا والملفات الأخرى تحتاج إلى الأدلة واعترافات السكان وشهاداتهم؛ مما جعل منصور يقف حائرا مشدوها أمامها بسبب الغموض الذي يلفها.
بيد أن منصور شمر عن ساعده للتنقيب في هذه الملفات بإيعاز من قائد المنطقة، وقرر التركيز بالخصوص على أسباب موت أحمد الطيبي واختفاء زيدان وتحامل القرية بالذات على هذا الشخص الخير. وقد جره هذا العمل التحقيقي إلى أن يكون مخبرا يستنطق الشهود ويخصص لهم ملفات ويصنفها حسب قضاياها وأنواعها(ملفات الإرث- ملفات الأرض- ملفات القتل...)؛ وهذا ما شجع أهل القرية ليتجمعوا حوله لما عرفوا مكانته لدى قائد المنطقة، فعرضوا عليه مشاكلهم وشكاويهم وتظلماتهم بعد أن كانوا يخافون السلطة والاقتراب منها للتظلم بسبب المتاريس الإدارية التي كانت تحول دون وصولهم إلى القائد. وقد حول منصور الغرفة الموجودة في السطح إلى مكتب لاستقبال سكان قرية الوعول والمناقشة معهم في مايثيره من قضايا واستحضار للشخوص قصد الوصول إلى الحقيقة. لكن تحقيقات الأستاذ منصور دائما تؤول إلى نتائج يحفها الغموض والريب والشك والخوف من التسرع في إصدار الأحكام اعتمادا على تصريحات المدعين أو المدعين عليهم. لأن التهم كانت صادرة عن نفوس اجتاحها الحقد والغضب وجنون الثأر والانتقام.
وقد جرته شكوكه واستنطاقه للسكان إلى صعوبات كثيرة وأخطار محدقة إلى درجة ضربه بالحجارة بعد خروجه من دار الشتوكي وإحراق سيارته ومحاولة قتله من قبل مطارديه وأعدائه الذين يريدون إسكاته ومنعه من متابعة تحقيقه. لأنه يشكل خطرا على مصالحهم بعد أن صفوا حساباتهم مع زيدان الذي أراد توعية سكان قرية الوعول أثناء شرحه لمفهوم الانتخاب ووظيفته في تنمية القرية وتحديثها على جميع الأصعدة والمستويات.
وقد دبر أصحاب الضمائر الميتة والطامعين في السلطة والاغتصاب والاستغلال مكائد عدة لطرد منصور من القرية بسبب تلفيق تهم كثيرة ضده، ولولا أحمد الطيبي الذي أسرع إلى إنقاذه من بعضها لتعرض لعقوبات شتى من قبل السلطة ستودي به حتما إلى السجن المرير، و هذا ما دفع الحاقدين إلى التخلص من أحمد الطيبي في ظروف غامضة. وقد تدخلت الأم لتقنع ابنها منصور بالابتعاد عن هذه المشاكل وإلا وقع في الوحل الذي نغص حياة زيدان. وأمرته إلحاحا بالرحيل فورا مع أخيه إلى المنصورة وإلا سيقتل بأيد إجرامية لاتعرف سوى سفك الدماء وزهق نفوس الأبرياء وإقحام الناس ظلما إلى السجن مثلما فعل القنفذ والشتوكي ومحجوب مع رشيد قمو. ولم يخرج هذا الأخيرمن السجن إلا بعد سنوات من العذاب والانتظار؛ لينتقم من أعدائه الذين أودعوه قفص الاتهام عندما لفقوا له تهمة قتل زوجته. لكن السبب الحقيقي وراء ذلك هو أن قمو كان يقوم بتوعية الفلاحين المستغلين (بفتح الغين) من قبل هؤلاء الإقطاعيين الخونة. وستجر هذه القضايا الشائكة التي خاض فيها الأستاذ منصور على غرار قمو وآخرين إلى متاهات مظلمة جدا، ربما ستضع حدا لنهاية حياته إذا استمر في عملية البحث والتحقيق. وهكذا أخبر الأستاذ منصور القائد بضرورة إيقاف رشيد مظلوم قبل أن ينفذ الانتقام في ظالميه، مما سيزيد في محن ومآس أخرى. وستتعقد ظروف البحث عن رشيد وزيدان ليجد الكاتب في الأخير علبة أخرج منها جرابا من القماش وبداخله أوراق كثيرة. وبهذا تنتهي الرواية بخاتمة مفتوحة. أي إن الرواية لها بداية بدون نهاية، أو إن نهاية الرواية بداية لرواية أخرى سيتخيلها القارئ الضمني ويكتبها وفق أفق انتظاره وتقبله الجمالي. وعليه، فالكاتب يصور البادية بكل مآسيها ومحنها وقسوة طبيعتها في أيام القحط والجفاف وندرة المياه ،كما ينقل لنا سلوك سكان القرية وهم يواجهون محيطهم في أشد فترات السنة قحولة ويبوسة وقيظا، وهم يتصارعون مع جدب الأراضي ووعورة الجبال وغضب السماء وقرحة المكان. وتذكرنا هذه الرواية برواية توفيق الحكيم" يوميات نائب في الأرياف" ورواية عبد الرحمن منيف "النهايات" ورواية مبارك ربيع" برج السعود" و" الريح الشتوية".
إذاً، لقد سجلت لنا هذه الرواية غضب أهالي البادية وجنونهم وتسرعهم في اختيار القرارات الحاسمة عبر القتل والثأر والميل إلى كتمان الحقيقة وعدم التعاون مع السلطة والحكومة. كما تشخص الرواية ظاهرة قتل كل من يحاول تنوير أهل القرية وتوعيتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور وتغيير سلوكياتهم ومواقفهم مع بعضهم البعض أو في التعامل مع المحيط تكيفا وتغييرا. ونخلص إلى أن الرواية في جوهرها المقصدي تعبير عن الحق الطبيعي والتعسف في استخدام الحقوق واللجوء إلى العنف والقوة من أجل العيش والبقاء ومواجهة الطبيعة.
ويمكن إدراج رواية أطياف الظهيرة ضمن الروايات العربية التي تناولت تيمة الريف أو البادية مثل: " زينب" لمحمد حسين هيكل و"الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوي أو" النهايات" لعبد الرحمن منيف و"الريح الشتوية" و"الطيبون" لمبارك ربيع و" يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم.
وقد اختار الكاتب شخصيات متناقضة في قيمها تنتمي كلها إلى عالم البادية. ويمكن تصنيف هذه الشخصيات إلى شخصيات إقطاعية محتالة كالشتوكي ومجذوب وقنفذ، وشخصيات مثقفة واعية كمنصور وأخيه وزيدان والمعلمة، وشخصات حكومية تمثل السلطة العامة وخدمة الصالح العام كالقائد وقواته المساعدة إلى جانب شخصيات أخرى ثانوية وعرضية كالفلاحين والرعاة والسقاءين والصيادين فضلا عن توظيفه لشخصيات نسوية
بعضهن عاهرات وأخريات عاشقات أو معشوقات أو نساء أمهات وقريبات. ويلاحظ أن مرد الصراع بين الشخصيات هو الطمع والحسد والانتقام والظلم والحب والكراهية والرغبة في البقاء وإثبات الذات وكينونتها. ولتجسيد هذه الحبكة السردية، التجأ الكاتب إلى عملية الوصف التي أحسن استخدام ريشتها أثناء نقله لبعض الشخصيات ووصفها فيزيولوجيا ونفسيا وأخلاقيا واجتماعيا مثل: زيدان والشتوكي ورشيد قمو والعاهرة محجوبة و فتاة البئر عشيقة منصور. كما وصف الكاتب بعض الأمكنة كقرية الوعول والسوق وطريق الثعبان والمغادرة دون أن ينسى وصف بعض الوسائل كسيارة منصور وسيارات الأجرة وبعض الدواب كبغلة الشتوكي. ويتسم وصف الكاتب بالاستقصاء والتوسع والإسهاب والتفصيل على غرار كتاب الرواية الواقعية الغربية والعربية أمثال: گوستا? فلوبير وإميل زولا وبلزاك ونجيب محفوظ وعبد الكريم غلاب ومبارك ربيع، حيث يستغرق الوصف لديهم صفحات كثيرة في التصوير ونقل المشاهد ورسم الشخصيات والأفضية والوسائل والأشياء. ومع الوصف يتوقف إيقاع الزمن ولحظات التوتر وتسلسل الأحداث لينقل السارد للقارئ بعض اللوحات الفنية والوقفات الوصفية المثيرة لتحريك مشاعره إيجابا أو سلبا. وتقع أحداث الرواية في فضاء عام تشكله قرية الوعول بأفضيتها الخاصة كالأسواق والمنازل والسهول والجبال والحدائق والغابات والسواقي والقيادة والمغارات
والطرقات الوعرة. ويعني هذا أن الفضاء العام ينقسم إلى فضاء الطبيعة ( الجبال، السهول...)، وفضاء الإدارة والسلطة (القيادة...)، وفضاء العمارة( المنازل والأسواق...). ويطغى على هذا الفضاء العام طابع العدائية والصراع الدرامي والتوتر الإنساني بسبب المحن والإحن والمآسي التي أغرقت سكان القرية في جداول من دماء الثأر والانتقام وتصفية الحسابات الشخصية. وتبقى مدينة المنصورة كمقابل موضوعي وفلسفي للقرية باعتبارها مجتمع الحق الثقافي وقوة الحق ونبراس العقل والقانون والحرية والخضوع للقواعد والأنظمة الثقافية والعقلية بينما تجسد القرية الطبيعة بتوحشها وصراعها اللامشروع.

3- المستوى الخطابي:

وإذا انتقلنا إلى البنية السردية سنجد الرؤية المصاحبة (مع) أو الرؤية الداخلية ( التبئير الداخلي /الذاتي) هي المهيمنة في الرواية، إذ تتحكم الشخصية الساردة في تقديم الشخصيات ذاتيا وموضوعيا. وبهذا يكون السارد شاهدا وحاضرا ومشاركا في القصة، والدليل على ذلك وجود ضمير التكلم وتطابق الكاتب مع الشخصية الرئيسية( الأستاذ منصور). ومن خلال مجهر الشخصية الساردة نرى كل الشخصيات الروائية الأخرى ونتعرف على عوالمها الداخلية والخارجية. ونتتبع زمنيا رحلة إيقاعية كرونولوجية يقوم بها الأستاذ منصور خلال العطلة
الصيفية بواسطة سيارته التي يعبر بها تضاريس القرية الضيقة والوعرة. وهو ينقل لنا على لسان السارد أجواء صيف غشت وأحداثه الدامية والدرامية حتى العثور على جورب الحقيقة أثناء الاستعداد للعودة مع أخيه إلى المنصورة.
ولا يتوقف الكاتب عند حاضر السرد، بل يعود إلى الماضي ليسترجع ذكريات الشخصيات كاختفاء زيدان ومقتل الطيبي موظفا كل تقنيات التسريع الزمني أو توقيفه عن طريق الحذف والإيجاز أو الوقفة الوصفية وذكر المشاهد الدرامية. بيد أن الرواية تتوقف كثيرا لإبطاء الزمن ووتيرة سرعته لنقل اللوحات الوصفية والمشاهد عبر تضخيم حجم الرواية بمقاطع وصفية طويلة كوصف السوق الأسبوعي ومشهد مهيون والثعبان. ويتراوح زمن القصة بين فترتي الاستعمار والاستقلال، إذ قاوم أهل البادية غطرسة المستعمر سنوات عديدة، فلم يخضعوا له إلا بعد التضحية بأرواحهم في سبيل الحرية و الاستقلال. أما زمن سرد الرواية فهو حاضر العطلة الصيفية، حاضر غشت بكل مآسيه وجرائمه.
وأما إذا انتقلنا إلى السجلات الأسلوبية فسنلاحظ هيمنة السرد على العرض على الرغم من وجود المناجاة ونقل الحوار والخطاب المعروض في إطار الأسلوب غير المباشر أو الخطاب المسرود. وتمتاز لغة الرواية بالروعة وسحر ألفاظها وفصاحة الكلمات وبلاغة الأساليب وتنوعها إنشاء وخبرا، وتضمنا وتعيينا، تقريرا وإيحاء. كما تميل هذه اللغة إلى الترميز والأسطرة والإيحاء واستعمال الاستعارات والتشابيه في مقاطع الوصف والمشاهد الدرامية على الخصوص.
وتشبه الصور الروائية ذات الشحنة البلاغية في الرواية تلك الصور التي نجدها في روايات التيار الواقعي كما في روايات عبد الرحمن الشرقاوي ونجيب محفوظ وعبد الكريم غلاب التي تتدفق بحيوية التصوير وعذوبة المجاز وصيغ المجاورة. وعلى العموم،تنقل لنا هذه الرواية مأساة البادية العربية بصفة عامة، والمغربية بصفة خاصة بكل تراجيدياتها وخاصة في سنوات الجفاف وأيام القحط العصيب، وما تعانيها من إهمال وتهميش على صعيد التجهيز والتعليم والأمن، وحاجتها الماسة إلى المشاريع التنموية الكبرى للرفع من مستوى عيش سكانها وتحفيز شبابها وتقريب الإدارة ومؤسسات التقاضي من ساكنة الأرياف لتحقيق العدالة الاجتماعية بله عن ضرورة تحقيق الإنجازات الكبرى كبناء السدود وكهربة القرى وإيجاد مرافق التطبيب ومؤسسات التعليم والشغل. وهذا ما كانت تلمح إليه كذلك رواية "النهايات" لعبد الرحمن منيف عندما قرر أهل البادية الذهاب إلى المدينة لمطالبة المسؤولين بإنشاء السد لمواجهة سراب الجفاف وموت القحط والجدب.

خاتمة:

وتأسيسا على ماسبق، فإن رواية "أطياف الظهيرة" رواية الأرياف بكل امتياز، إذ تصور بكل واقعية صراع رجل البادية مع الطبيعة القاحلة بطريقة تراجيدية؛ مما سيؤثر هذا الصراع على سلوكياته وتصرفاته الشعورية واللاشعورية وخصوصا في لحظات الجدب وجفاف الأرض. وهذا ما جعل أهل القرية يلتجئون إلى سلطة القوة وحق الطبيعة لممارسة حقوقهم دون رادع ديني أو أخلاقي أو عقلي أو ثقافي. كما أن الإنسان في هذه الأرياف وهذه الطبيعة اليابسة ذئب لأخيه الإنسان على حد التصور النظري لهوبز في كتابه"التنين" ، لأننا في الرواية نلاحظ صراع الكل ضد الكل مع تبني عدالة القوة والثأر والانتقام والأهواء والغرائز دون الاحتكام إلى قوة الحق
والقانون وعدالة الدولة وسيادة العقل والثقافة.
وهكذا نخلص إلى أن رواية "أطياف الظهيرة" أكبر رواية مغربية من حيث الحجم ، ومن النصوص الروائية المهمة التي ركزت ريشتها الوصفية على البادية لنقل مشاكلها وأدوائها ومعيقاتها الطبيعية والبشرية قصد إيجاد حلول لها ضمن تصور فني واقعي انتقادي. ويمكن إدراجها كذلك ضمن روايات الريف أو روايات الجريمة مثل رواية "الجريمة والعقاب" لدويستفسكي ورواية المغربي عبد الحي مودن" فراق في طنجة". وفنيا، تعد رواية "أطياف الظهيرة" رواية كلاسيكية من حيث الأحداث وسردها وتعاقب المتواليات السردية وتسلسل زمن الوقائع على الرغم من استفادة الكاتب من بعض تقنيات الرواية الجديدة كفلاش باك واستعمال المنظور السردي الداخلي وضمير المتكلم. وبهذه الرواية ينضم بهوش ياسين إلى معسكر التجنيس الكلاسيكي للرواية المغربية إلى جانب عبد الكريم غلاب ومبارك ربيع.


 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home