شاعر وقصيدة

 

أحمد رفيق المهدوي وقصيدة غيث الصغير



أحمد رفيق المهدوي وقصيدة غيث الصغير

•  احمد رفيق المهدوى
• ولد عام 1898 بفساطو.
• انتقل مع أسرته إلى نالوت وقراء بها القرآن الكريم، ثم انتقل إلى مصراتة ،ومنها إلى الزاوية .
• حصل على الشهادة الابتدائية بالتركية والعربية ‘ثم دخل المدرسة الإعدادية بطرابلس .
• سافر إلى الإسكندرية والتحق بالمعهد العلمي بها, ثم بمدرسة الجمعية الخيرية .
• عاد إلى بنغازي عام 1920 والتحق بالوظيفة العامة .
• شغل منصب سكرتير بلدية بنغازي ثم عزل عن وظيفته .
• هاجر إلى تركيا عام 1924 واشتغل بالتجارة، ثم عاد إلى بنغازي سنة 1934 فطرد منها، فسافر إلى تركيا ثانية، ثم عاد فعين عام 1951 عضوا بمجلس الشيوخ .
• توفي رحمه الله في أثينا عام 1961 ف ، ودفن ببنغازي .
• من دواوينه*:
• ديوان شاعر الوطن الكبير ( الفترة الثالثة ) ،المطبعة الأهلية، الطبعة الأولى عام 1962 .
• ديوان شاعر الوطن الكبير ( الفترتان  الرابعة والأخيرة ) ،المطبعة الأهلية، الطبعة الأولى عام 1965 .
• ديوان شاعر الوطن الكبير ( الفترتان الأولى والثانية )، المطبعة الأهلية ،الطبعة الأولى، عام 1971 .
• لم ينشر الشاعر دواوينه بل قامت لجنة رفيقات بجمعه أشعاره ونثره ونشرتها موزعة على فترات .

من أعظم واشد قصائده تأثيراً قصيدته الموسومة بغيث الصغير.

غيث الصغير

هو في الملجأ من دون اليتامى
دائم الصمت وقارا واحتشاما
واضح الجد قليلا مايـــــُــــــرى
ضاحكا إلا إذا استحيا ابتساما
نافذ اللــحظ تـــراه ناظـــــــــــرا
نظرة الأجْدل يرتاد الحــَـــمَامَا
يتــقي أقــرانــه صــولتـــــــــه
حين يحتد إذا اشتدوا خصاما 
رمـــوه باحتـــرام هــــــــــيبة
وقديما أورث الجد احتراما
وإذا الجد مع العزم الـــــتقى
جعلا للمرء في الناس مقاما
هو في الملجأ أذكى طالب
بَزّهم ْحفظا وفهما وانتظاما
فهو رأس القوم رأياً وهدى
شيخهم عقلا وان كان غلاما
دون تسع ناحف، في صحة
واستواء كالرّدينِّى قواما
تستحي عزة نفس شمخت
للعلا ألا يرى فيهم إماما
وإذا نفس الفتى شبت على
عزة زاحم للمجد وسَامَى
ليس غير النفس باستعدادها
سودت في سالف العصر ( عصاما )
جئت إعجابا بها اسأله
فتبسمت وأهديت السلاما
 
هب كالشبل نشاطا واقفا
وقفة الجندي وان كان غلاما
 
اطرق الرأس وحيا خافضا
طرفه منى حيا واحتراما
 
قلت ياغيث ألا تخبرني
عنك أنى بك قد زدت اهتماما
 
فيك ياغيث توسمت فتى
أروع حرا وآباء كراما
 
ابن من أنت ؟ومن قومك ؟من
لك في ذا الملجأ اختار المقاما
 
لم أكن احسب أنى باعث
منه حزنا كان في السر مقاما
 
كتم العبرة الانبرة
عرضت في الصدر عاقته كلاما
 
جاشت النفس بحزن مثلما
جالت الدمعة في الجفن انسجاما
 
وانثنى مبتسما حزنا وما
أقبح الحزن إذا لاح ابتساما
 
قال :يامولاى لو غيرك لم
ابكِ في حضرته أخشى ملاما
 
منك آنست حنانا لم أجد
بعد أمي مثله يشفى أُواما
 
إن للشاعر روحا خلقت
فوق روح الخلق حسا وغراما
 
لك يامولاي أفضي بالذي
كاد صدري منه ينشق اكتتاما
 
إن في الشكوى إلى ذي رحمة
سلوة تشبه بالصبر اعتصاما
 
رب شكوى جعلت نار الأسى
نار إبراهيم بردا وسلاما
 
فارع ِ لي سمعا فهذى قصتي
تشرح البؤس ابتداء وختاما
 
كان مسعود أبى في قومه
سيد الأعراب معروفا هماما
 
فارس الخيل غياث المحتمى
مكرم الضيف كفيلا للأيامى
 
بارك الله له في ثروة
تملأ  الوادي ثغاء وبغاما
 
وله من بنت عم اخوتى
خمسة تنتقص البدر التماما
 
مرت الأيام لم نعرف لها
كدرا من نعم كانت جساما
 
فكان الدهر إذ سالمنا
سهر السعد لنا والنحس ناما
 
ثم لما غلبت شيمته
قعد السعد وهول الخطب قاما
 
بينما الحي رقودا إذ علت
صرخة تنذر بالشر النياما
 
ثارت الأطفال من مضجعها
تملأ الرحب صياحا وزحاما
 
رجت الأرض صهيلا مفزعا
ورغاء ونباحا وخصاما
 
لبسوا ثوب الدجى ايدى سبا
يخبطون البيد في البر انهزاما
 
تركوا الأثقال والمال وما
خف حملا والمطايا والخياما
 
ورأى الأبطال إن الموت لا
شك فيه فتلقوه زؤاما
 
قيدوا أرجلهم صبرا فما
حلها غير رصاص يترامى
 
حلها من ربقة العار ومن
عيشة الذل فقد ماتوا كراما
 
هون الخطب علينا موتهم
في دفاعا كان للحق انتقاما
 
ماترى في الحي حيا بعدما
فرت النسوة يحملن اليتامى
 
سلكوا في كل شهب هربا
يستجيرون من الظلم الظلاما
 
لست أنسى إخوتي في جبل
يتضاعون من الجوع صياما
 
منذ يومين يسيرون وما
شربوا ماء ولا ذاقوا طعاما
 
ساقنا الخوف إلى غار بدا
تتوقى الجن فيه ان تناما

 
مادخلنا الغار حتى هجمت
ضبع فافترست منا غلاما
 
وانثنت في اثر ثانٍ فاقتفت
طفلة في لحظة صارت عظاما
 
وتردى ثالث في هوة
لم يزد عن قول ( يا أم )كلاما
 
أمه تجرى ولا تدرى وفي
وفي صدرها من لم يطق فطاما
 
تركت أطفالها صرعى لها
 لفتة كانت إلى القلب زماما
 
خلفتني وهى لاتعلم هل
خلفها اتبع أم(فُــتُّ ) زماما
 
خانني عزمي ورجلاي فلم
استطع من شدة الهول قياما
 
ففقدت الرشد مغشيا فما
قمت حتى هزم الضوء الظلاما
 
وفقدت الأم لا اعلم هل
أفلتت بالطفل أم ماتا هياما
 
ليتني اسمع عن موتتها
فلقد أبقت لي الهم لزاما
 
حبذا الموت ولا العيش هنا
خاضعا في ربقة الأسر مُضماما
 
وهنا أجهش غيث ناحبا
إذ رأى دمعي كالغيث رهاما
 
وارتمى بين ذراعي فما
رام عن صدري ضما والتزاما

 
بينما رحت اهدي روعه
وإذا بالقوم يبدون اهتماما
 
قيل: هذا دولة الوالي أتى
ليرى في ملجأ البر النظاما

 
خرج الأطفال واصطفوا له
للتحيات هتافا وسلاما
 
جال يستعرضهم ممتحنا
وهو يختار غلاما فغلاما
 
ماراى فيهم كغيث إذ رأى
من ذكاء عجبا فاق الأناما
 
خاطب الطفل مليئا فرأى
رابط الجأش فصيحا لا كهاما
 
قال : هذا عبقري فارفعوا
قدره إني سأعطيه وساما
 
فتلقاه بشكر مظهرا
لسرور تحته يخفي احتداما
 
وحباه بنقود قائلا
 أعط ِ  إنفاقها النفس مراما
 
قال يامولاى: أقصى غايتي
صرفها بين الإخلاء اقتساما
 
لا أحب البخل إنِّا معشر
نؤثر الغير ولو بتنا صياما
 
هكذا علمنا آباؤنا
طيب الخلق فعلا لا كلاما
 
إن أخلاق الفتى أن لم تكن
عن غريز الطبع  لم تبق دواما
 
عرف الوالي لغيث همة
ورأى جودا له يحكي الغماما
 
زاده راعيا وهل ذوي الـــــ
فضل يرعى لذوي الفضل ذماما
 
قال : خذ ياغيث هذى مائة
لك لاتسرف وكن فيها قواما
 
قال : يامولاي سمعا إنني
سوف أبقيها وان كانت حطاما
 
لا أرى المال إذا لم اكتسب
منه ذكرا حسنا إلا حراما

 
قال : ماتصنع ياغيث بها
قل لي الحق ولا تخش ملاما
 
قال غيث وبدا الجد على
وجهه يشبه ليثا أو قطاما
 
إن لي ثارا إذا أدركته
لا أبالى بعد أن ذقت حماما
 
لو تحصلت على مال به
اشترى عدة حرب وحساما
 
أدرك الثارات من قتلوا
والدي أنى أريد الانتقاما
 
هو منشودي من الدنيا التي
لي ساءت  مستقرا ومقاما
 
ليس بالتصريح بالحق وان
جر ويلا ً جرأة تكسب ذاما
 
إن حر النفس لايحجم عن
أن يقول الحق للصدق التزاما
 
نظر الوالي إلى غيث ولم
يظهر الحقد ولا أبدى ملاما

 
ورأى أتباعه ما غاظهم
فتعاطوا نظرة كانت كلاما
 
اضمروا سوءا ولكن لم يروا
سببا يوجب منه الانتقاما
 
لجئوا  ظلما  وعدوانا إلى
أفظع الأفعال إذ كانوا لئاما
 
عادة النذل اغتيال ولذا
جعلوا سرا له السم طعاما
 
ماجرى في جوفه حتى سرى
في وتين القلب كالنار اضطراما
 
خر للموت صريعا يلتوي
يطلب الماء فيبدون ابتساما
 
لم يزل ينفث من فيه دما
اسود من كبد ذابت رماما
 
يلفظ الأخر من أنفاسه
وينادي الانتقام الانتقاما
راح مظلوما شهيدا جاعلا        
لفظة التوحيد لله ختاما




 

اطبع الموضوع  

Home