مقال

 

الدماء... يا عراق !

زين العابدين علي الأنصاري



الدماء التي تتدفق في كل حارة وشارع ومدينة ليست شيعية أو سنية كما نريد أن نتوهم وفقا لنظرية الدمار والضياع والخراب والتمزق. إنها دماء عراقية عربية تشهد أن لا إله إلا الله محمدا رسول الله, تسفك باسم الدين والمذهب وغير ذلك من مستور العجب.

دماء يتم بواسطتها الإجهاز على وطنية الإنسان ودينه وعروبته وإنسانيته ومبادئه.

وللأسف الشديد صار (المسلم) الجاهل المنفعل المغفل يحارب دينه أشد حرب ويشوه معالمه وقيّمه أكبر تشويه ويصيب المسلمين بخوف وذعر من دينهم. وبسبب ذلك ربما سيخرجون من الدين أفواجا كما دخلوه أفواجا! فما قيمة أي دين عندما يكون مصدرا لقتل صاحبه بواسطة ابن الدين نفسه الذي أفتت أباليس الشر النكراء برأسه وحشدته لقتل أخيه بالدين وحولته إلى منتقم متوحش مسعور.

ولأن الانفعال الأهوج الأعمى قد طغى على النفوس وأذهب البصائر وشل العقول, فقد حلت الطامة الكبرى التي يبدو أن الجميع يسعى إليها في غاية الغفلة والنوم وضيق النظر وبنشوة الإعماء وسوء الفِكر وحمى الكراسي.

وأصبحت مصيبتنا في ديننا!؟

ويا للخزي والعار والشنار, ترانا قد فعلناها وصرنا على بعضنا أعداءا. وعلى ديننا نفخر بالعداء.

فالناس يكفرون بعضهم البعض وما عادت الدنيا تشغلهم وما يحيطهم من المخاطر لا يعنيهم بقدر ما يعنيهم الإمعان في تدمير بعضهم لأن في ذلك عبادة وتقرب إلى الله وشهادة وفقا للمنظور الأسود الذي يغلف الأذهان ويعمي البصر ويلغي العقل ويعلن الضياع والبهتان.

وكأنهم في مسيرة انتحار جماعية, وهوس دموي مروع سيقضي على وجودهم ويذهب بريحهم ويأتي بغيرهم بسبب هذا السلوك الفجائعي الذي لا يرتقي فوقه كل مَن يتصدر المواقع المختلفة, بل لا نرى إلا مَن يسعى إلى المزيد من المآسي والملاحم الدامية المهينة التي يندى لها جبين التأريخ وترتعش من فظاعتها الأرض بأكملها. وما سمعنا أو رأينا موقفا حضاريا متطورا خارج مفردات لعبة الدم والدمار وتوريث الفتن والأحقاد لأي من رموزها.

"ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" الأنفال 46

و"ما ظفر من ظفر الإثم به"

الأبرياء الضعفاء الفقراء يتساقطون بالعشرات والمئات, والكراسي تتبختر في العرين وتتباهى بالكلام الغاضب الحزين وتنعم بالأضواء وأكل السمين والثمين.

و "الولايات مضامير الرجال".

 فيا فقراء بلاد الرافدين, المعذبين الصابرين الطيبين برغم الجراح والدموع وقسوة الضربات وشراسة الصولات, لا خيار عندكم إلا بالاتحاد والتكاتف والتحول إلى يد واحدة وقلب واحد ووجود متلاحم لا تكسره الهجمات. استلهموا القوة من النهرين ومن النخلات الباسقات الداعيات إلى المحبة والسلام. أخرجوا من صندوق الآلام وعذاب الأيام. أخرجوا من عباءات المذاهب السوداء الخانقة إلى آفاق الدين الفسيحة الطيبة الرحيمة الودودة المطلقة.

"إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي"

وهل نفعت صرخة:  ( أيها الناس الحذر الحذر -و" مَن حذرك كمَن بشرك "-  مِن نواقيس الشر والخطر وتجيشكم على بعضكم ونسيانكم بلادكم الكبيرة ودخولكم في نفق الماسي والكدر, فانظروا العراق والمستقبل والتأريخ ولا تحاصروا أنفسكم بدخان مسموم يكاثر الأحزان والهموم. تكاتفوا ولا تخالفوا, استعينوا ولا تنافروا واستيقظوا ولا تناموا, إذا اشتد البلاء, فلابد أن يطغى التعاون والصفاء, فتلك طبيعة الأشياء.

"واشدد يديك بحبل الله معتصما       فإنه الركن إن خانتك أركان"

أيها الناس لا تجعلوا السيف سباقا للعذل, والدماء أرخص من الماء, وقتل البشر اسهل من صيد عصفور على الشجر.

أيها الناس, تحابوا ولاتباغضوا, واشكروا واذكروا ولاتحاسدوا, وأعينوا بعضكم على البلوى وشمروا سواعد الإيمان والتقوى. فالدين المحبة والألفة والخير والدين النصيحة والعمل. والدين عند الله الإسلام وليس الطائفة أو المذهب.

"إن الدين عند الله الإسلام"آل عمران 19

أيها الناس, كفاكم ما أتاكم , فلا تشاركوا في تثمير بلواكم, فيسروا ولا تعسروا, وابصروا بعين العقل واليقين, وحاصروا نوازع الغضب والاندفاع اللعين إلى حيث لا يحمد عقباه في متاهات الكمين, وتخيروا أهون الشرين عندما يغيب الخير عن النظر , وتوسطوا حتى تميلوا إلى ما تريدون, فالصراع اليوم صراع أراء وأفكار ومصالح, وتفاعلات العقول تصنع المراد وتفيد العباد.

أيها الناس, تعلموا كيف يكون الضعيف قويا ويبقى الإنسان أبيا, وتأملوا سلوك الرسول الكريم في صراعه مع قريش قبل وبعد صلح الحديبية, ولكم في ذلك عِبر وسياسات, تعين في الوصول إلى مسرح الغايات.

أيها الناس إن المذاهب والمدارس في الأديان نعمة وبركة وقوة لديمومة الدين وتجدده وتفاعله مع متغيرات الحياة فلا تجعلوا من هذه النعمة الإلهية نقمة بشرية تأكل الحياة وتحولها إلى جحيم. فاتقوا الله فيما تأخذكم إليه النوازع المحمومة, الرغبات المسمومة, والاتجاهات المرسومة والمكائد المكتومة, فتسقطون في وادي "سعيد من اكتفى بغيره" فأين المفر.

و "ويل لأمة كثرت فيها الطوائف وقل فيها الدين"

 إن القلوب تصرخ ألما, والعيون تنزف دما, والأرواح تصعد إلى بارئها وتعود ألف مرة كل يوم, فقد تشظى البشر, وتباكى الحجر, واستغاث النخل والشجر, فيا سماء أنظرينا واذكرينا, أ ترقبينا ونحن في جحيم الخطر, فإلى متى هذا القهر وعدم المستقر. يا الهي بردا وسلاما. فارحمنا يا مغير الأحوال من حال إلى حال. يا الهي قد عرفناها سقر..!!)




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home