مقال

 

المرأة السعودية ... والتهميش

شمس علي



المرأة السعودية ... والتهميش

شمس علي الحياة - 22/11/06//

في تلك الأمسية الثقافية غير البعيدة، بدت بشائر الفرح طاغية على الأوجه، التي كستها ملامح اعتداد، وهي تصغي في جمهرة نسائية ذات أطياف عمرية وثقافية مدهشة في تباينها، بين طالبة صغيرة، وأكاديمية ذات دراسات عليا، ومثقفة، وربة بيت بسيطة، لإحدى العضوات «غير المتفرغات» في مجلس الشورى، لكن سرعان ما تلاشت الفرحة من على الوجوه ليجتاحها وجوم وقتامة، حينما شرعت المحاضرة في شرح ما تعنيه عبارة «غير متفرغة» بأنها ترمي لحق المرأة كعضو منتسب للمجلس في إبداء الرأي فقط من دون أن يكون لزاماً على أعضائه «الرجـال» الأخـذ به!
لتنطلق على إثر ذاك التوضيح، من حناجر الكثير من الحاضرات، تظاهرة تنهيدات مفعمة بالإحباط، تراكمتْ سحباً من أسئلة متذمرة، متململة في فضاء القاعة، تشي بكثير من وعي مكتنز، في حاجة فقط لفرصة مواتية ليطفو على السطح، وما لبثت غمامات تلك الأسئلة، أن أمطرت منصة المحاضرة بوابل من علامات استفهام مستهجنة.
بماذا نختلف عن سوانا من بقية البشر، ماذا ينقصنا بالضبط ؟ هل تنقصنا المؤهلات العلمية والمعرفية لنشارك في حراك سياسي للوطن، يسفر عن وجه حضاري مشرق، ويكون لنا فيه دور فاعل يحق لنا من خلاله التصويت والانتخاب والترشيح في المجالس البلدية وغيرها مستقبلاً؟
هل نعدم نحن ذوات خبرة في النشاط الإنساني، والحضور المجتمعي ألخدماتي، وذوات الاستقطاب المؤثر الفاعل، والقدرة على التخطيط السياسي السليم، وتكريس المواطنة، وغرس حب الوطن والانتماء إليه، والرغبة الصادقة في إنمائه والنهوض به.
هل نعدم الكفاءة لو أعطينا الفرصة ومنحنا الثقة، هل جربونا وأظهرنا إخفاقاً، هل المرأة السعودية مخلوق فضائي نازح، لا تمت لهذه الأرض، لا يربطها بوطنها رابط، لا تلتحف سماءه، لا تتنفس هواءه، لا تقلقها همومه، لا تؤرقها أوجاعه، لا تتحسس مواطن خلله، لا يشغلها أمر إصلاحه، حتى ُتغيّب بالكامل، وتشل يدها تماماً عن الاضطلاع والإسهام بأي دور وطني هو من أبسط حقوق الوطن عليها ككائن ينتسب له ويعنيها من أمره ما يعني شقيقها الرجل؟!
هل نظافة الطرقات مثلاً، واستصلاح الشوارع، وتهذيب الميادين العامة، وإعمار الوطن أمر يعني الرجل فقط ولا يعنيها؟!
لماذا كل هذا الإقصاء، لكم ستبقى هكذا مهمشة، معطلة القدرات والطاقات، بعيدة عن مسرح مراكز صنع القرار، والبت في أمور إن لم تختص بها فقط، فهي والرجل فيها سواء؟
ما الذي ينقص المرأة السعودية لتمثل بلدها كسفيرة أو وزيره مثلاً؟!
لقد أثبتت المرأة السعودية أنها لا تقل جدارة عن نظيراتها في الدول العربية الشقيقة من خلال الفرص الصغيرة التي منحت لها، وإن كانت جدارة لم تشحذ، ولم توضع على محك تجارب حقيقية لتتبلور كما ينبغي، وتؤتي ثمارها، وتبين عمق وجوهر أهليتها، لأنها ظلت شبه معطلة زمناَ طويلاً، تنتظر فرصاً مواتية لإثباتها.
لكن كم من الوقت ستنتظر المرأة السعودية لإثبات استحقاقها السياسي وأهليتها له، الذي لم يحرمها منه الإسلام العظيم مطلقاً، وحرص النبي «صلى الله عليه وسلم» على مبايعتها ومشاركتها الفاعلة في غزواته وفتوحاته، وتفعيل دورها النهضوي في الدولة الإسلامية الفتية وقتذاك.
المرأة السعودية في حاجة لأن تنتظر أيضاً عشرات السنين كأختها الكويتية التي فازت أخيراً بعد أربعة عقود من نضال متواصل ومطالبة حثيثة بحقها، لتفوز هي الأخرى بحقها السياسي الطبيعي كإنسانة في المقام الأول والأخير في الانتخاب والترشيح؟!
إذا كانت الأيام الخوالي احتملت ذلك الإقصاء، فهل سيحتمله حاضر يدك حصونه وبقوة حراك حضاري على جميع المستويات؟ لماذا على المرأة السعودية أن تبقى طويلاً هكذا تتجرع المرة تلو الأخرى، مرارة سؤال تغص به منذ أمد (لماذا المرأة السعودية لا؟!) في حين كل الإرث الحضاري الإسلامي المشرق، ومعطيات الحاضر وإطلالات المستقبل، تؤازرها وتقف في صفها مطمئنة أن ثمة بارقة أمل غير بعيد.





  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home