دراسات هامة

 

لقاء / يوسف العقيد 2

أحمد طايل



بلوجرافيا

يوســـف القعـــيد     
كاتـب وروائـي
- يوسف القعيد .
-       روائى واديب و كاتب صحفى .
-       عضو نقابة الصحفيين .
-       عضو اتحاد الكتاب .
-       عضو نقابة السينمائيين " شعبة كتاب السيناريو " .
-       عضو لجنة القصة بالمجلس الاعلى للثقافة .
-       عضو لجنة الثقافة بالمجالس القومية المتخصصة .
-       ولد فى 2 ابريل 1944 بقرية الضهرية مركز ايتاى البارود محافظة البحيرة
- التحق بكُتّاب القرية ثم مدرسة عسران بعد الكريم الابتدائية ، ثم مدرسة انصارى سمك الاعدادية ، فمعهد المعلمين بدمنهور الذى تخرج فيه عام 1961
- عمل بمهنة التدريس اعتبارا من عام 1961 فى مدرسة الرزيمات الابتدائية المشتركة ، ثم فى مدرسة الوحدة المجمعة بقرية الضهرية .
- جُنِّد بالقوات المسلحة فى ديسمبر 1965 وظل بها حتى ابريل 1974 اشترك فى حروب يونيو 1967 وحرب الاستنزاف وحرب اكتوبر 1973 .
- عمل محررا أدبيا بمجلة المصور وتدرج بها حتى صار نائب رئيس تحرير مجلة المصور ، وذلك منذ إبريل 1974 حتى 8/2/2000 ، حيث قرر أن يصبح كاتبا مستقلا عن المؤسسات عامة كانت أو خاصة .
-       فى رواياته تجارب أساسية كتب عنها فى نصوصه الأدبية رواية كانت أم قصص قصيرة ، أولاً: تَشكّل عالم الرواية عند القعيد عبر مجموعة من الرؤى اختطها لنفسه بوعى وتفهم من خلال معايشته الكاملة للقرية المصرية باعتباره أحد أبنائها المخلصين الذين عاشوا أيامها الصعبة ورضعوا آلامها المُرة ، وأيضا من خلال مواجهته لواقع الهزيمة وإرهاصاتها المُلحّة التى دخلت كل بيت فى مصر والتى تأثرت بها القرية المصرية تأثرا بالغا ، ووضحت آثارها على جيل كامل من أهلها ، وكانت بواكير الرواية عند يوسف القعيد تعبيرا عن مكونات الزمان والمكان خلال فترة من اهم فترات حياته هى فترة تجنيده وخروجه من قرية " الضهرية "وولوجه عالم المدينة مجندا فى صفوف القوات المسلحة عام 1965 ، وكذا تشكيل وعيه الأدبى من المخزون الثقافى التراثى والمعاصر من خلال قراءات ذكية وملحة فى الأدب القصصى المحلى والعالمى، وقد لعبت هذه القراءات دورا مهما فى تشكيل رؤية القعيد وفهمه لطبيعة الفن فكانت رواياته ومجموعاته القصصية:
-       الحداد - منشورات كتاب الطليعة 1969 .
-       اخبار عزبة المنيسى - هيئة الكتاب 1971 .
-       ايام الجفاف - مكتبة مدبولى - 1973 .
-       البيات الشتوى - 1974
-       فى الاسبوع سبعة ايام - هيئة الكتاب - أكتوبر  1975 .
-       طرح البحر - رويات الهلال 1976 .
-       يحدث فى مصر الآن - 1977.
-       الحرب فى بر مصر - دار بن رشد - بيروت 1978 .
-       حكايات الزمن الجريح - وزارة الاعلام والثقافة - بغداد 1980 .
-       تجفيف الدموع - هيئة الكتاب 1981 .
-      شكاوى المصرى الفصيح  (ثلاثية) - الجزء الأول نوم الاغنياء - طبعة أولى - دار الموقف العربى 1981 . الجزء الثانى " المزاد " طبعة أولى - دار المستقبل العربى 1983 . الجزء الثالث " أرق الفقراء " طبعة أولى دار المستقبل العربى 1985.
-     قصص من بلاد الفقراء - مجموعة قصصية - طبعة أولى روايات الهلال 1983 .
-      من يذكر مصر الأخرى - مختارات قصصية طبعة أولى وزارة الثقافة - سوريا 1984 .
-       من يخاف كامب ديفيد - قصة طويلة - طبعة أولى اتحاد الأدباء العرب دمشق 1985 .
-       الضحك لم يعد ممكناً - قصص قصيرة - طبعة أولى - مختارات فصول - هيئة الكتاب 1987 .
-       القلوب البيضاء - طبعة اولى - دار الشروق 1987 .
-       بلد المحبوب - طبعة أولى - دار الشروق عمان الأردن 1987 .
-       وجع البعاد - طبعة أولى روايات الهلال 1987 .
-       أصوات الصمت - حوارات أدبية - مكتبة مدبولى 1991 .
-       مرافعة البلبل فى القفص - مجموعة قصصية - روايات الهلال 1991.
-       من أوراق النيل - يوميات - طبعة أولى دار سعاد الصباح 1992 .
-       الكتاب الأحمر - رحلاتى فى خريف الحلم السوفيتى - طبعة أولى دار سعاد الصباح 1992 .
-       خد الجميل - قصة طويلة - طبعة أولى - دار المدى - دمشق 1994 .
-       لبن العصفور - رواية بالعامية المصرية - روايات الهلال مايو 1994 .
-       الفلاحون يصعدون الى السماء - مختارات قصصية - مركز الانماء العربى - حلب - سوريا 1996.
-       أطلال النهار - رواية - دار شرقيات - القاهرة - 1997 .      
-       أربع وعشرون ساعة فقط - رواية - رويات الهلال مارس 1999 .
-       البكاء المستحيل - مجموعة قصصية - دار سحر - تونس 2001 .
-       مفاكهة الخلان فى رحلة اليابان - أدب رحلات - دار الشروق - 2002 .
-       محمد حسنين هيكل يتذكر : " عبد الناصر والمثقفون والثقافة " - دار الشروق 2003 .
-       قطار الصعيد- دار الشروق- 2004 .
-       قسمة الغرماء - دار الساقى - لندن/ بيروت- 2005 .
أعمال ترجمت فى لغات مختلفة:
-   أخبار عزبة المنيسى - ترجمة الى الروسية - د/ فاليريا كرباتشنكو - نشرتها فى طبعتين دار الفن والأدب موسكو 1986 .
-       أيام الجفاف ترجمت الى الانجليزية عن هيئة الكتاب .
-       يحدث فى مصر الآن ترجمت الى الروسية وصدرت فى موسكو .
-   الحرب فى بر مصر ترجمت الى - الروسية - الانجليزية - الاوكرانية - الفرنسية - الاسبانية - الالمانية - الهولندية .
-       من يخاف كامب ديفيد - ترجمت الى الروسية .
-       رباب تغزل الرسم - قصة قصيرة من مجموعة حكايات الزمن الجريح ترجمت الى الانجليزية .
رسائل جامعية عن القعيد:
1.  محمد يوسف القعيد حياته وأدبه - رسالة ماجستير مقدمة فى معهد الدراسات العربية تحت اشراف د/ سهير القلماوى .
2.  المعونة الامريكية فى رواية " يحدث فى مصر الآن " رسالة ماجستير قدمتها دينا عبد الفتاح فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية .
3.  البعد الاجتماعى فى رواية " يحدث فى مصر الآن " رسالة ماجستير ى قسم الاجتماع بكلية الآداب - جامعة عين شمس للباحث صالح سليمان عبد العظيم .
4.  يوسف القعيد روائيا (1969 - 1999 ) - رسالة ماجستير مقدمة من سمية الشوابكة  - كلية الدراسات العليا - الجامعة الأردنية 2000.
5.    سوسيولوجيا الكتابة الأدبية - رسالة ماجستير عن رواية يحدث فى مصر الآن - جامعة فاس - المغرب .
6.    آليات النص - رسالة ماجستير مقدمة لجامعة الرباط عن رواية " يحدث فى مصر الآن " .
7.    السرد وانتاج المعنى فى روايات القعيد - رسالة دكتوراه - قدمتها الطالبة بديعة الطاهرى - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - أغادير - المغرب .
8.  دراسة سوسيونصية لرواية " يحدث فى مصر الآن " ليوسف القعيد - بحث لنيل الإجازة فى اللغة العربية وآدابها - للطالب بن شريف الودغيرى رشيد - إشراف : حميد لحمدانى .
9.  رواية الرواية " يحدث فى مصر الآن نموذجا " ليوسف القعيد - رسالة ماجستير إعداد الطالب المنجى الأسود - المغرب 1999.
10. الرواية المصرية بين يوسف القعيد و جمال الغيطانى وصنع الله ابراهيم - رسالة دكتوراه قدمت فى جامعة مدريد .
رسائل جامعية عن القعيد وآخرين :
11. التجديد الروائى فى مصر مقارنة بالرواية الفرنسية دراسة حالة " يوسف القعيد و جمال الغيطانى وصنع الله ابراهيم " رسالة دكتوراه مقدمة إلى جامعة منوبة بتونس للباحث محمد رجب الباردى ، وقد طبع الجزء الأول منها تحت عنوان " الرواية العربية والحداثة " عن دار الحوار باللازقية .
12. الإبداع الأدبي فى الرواية المصرية - رسالة دكتوراه للباحث مصرى عبد الحميد حنورة ، كان القعيد أحد الحالات المدروسة .
13. مظاهر التجديد فى الرواية العربية المعاصرة " يوسف القعيد نموذجا " - جامعة سيدى محمد بن عبد الله - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - فاس - إعداد الطالب أزيد بيه ولد محمد البشيو - 1995.  
14. بحث تمهيدى ماجستير لرواية " بلد المحبوب " دارسة نقدية - قدمت لقسم اللغات الشرقية - كلية الآداب جامعة القاهرة - للطالب أحمد محمد إبراهيم .
15. واقعية القاع فى الرواية المصرية والأمريكية المعاصرة - بحث نقدى مقارن- يوسف القعيد - بول اوستر -ريتشارد فورد -صنع الله ابراهيم نماذج - رسالة دكتوراه للباحثة عفاف عبد المعطى- جامعة القاهرة 2004
16. خطاب التواصل فى الرواية العربية المعاصرة - رسالة دكتوراه للباحثة اسماء ابراهيم المعيكل - جامعة عين شمس - 2004 .
كتب مؤلفة عن القعيد
1.   صالح سليمان عبد العظيم - سوسيولوجيا الرواية المصرية " يحدث فى مصر الآن نموذجا " - الهيئة المصرية العامة للكتاب - سلسلة دراسات أدبية 1998 .
2.     مصطفى بيومى - الفلاح والسلطة فى أدب يوسف القعيد - دار الهدى - المنيا 2001 .
3.    سيد أمام وآخرون - القعيد روائيا - الهيئة العامة لقصور الثقافة - 2001 .
كتب عن القعيد وآخرين :
4.    تاريخ كمبردج للادب العربى -ترجمة وتحرير عبد العزيز السبيل وأخرين- النادى الادبى بجدة- ط1-2002.
5.    محمد رجب الباردى - الرواية العربية والحداثة - دار الحوار - اللازقية 1999
6.    الرواية السياسية - دكتور طه وادى-مكتبة الانجلو.
7.    أحمد محمد عطية - حرب أكتوبر فى الأدب العربى الحديث - سلسلة اقرأ - دار المعارف - القاهرة - دط - أكتوبر 1982 .
8.    السعيد الورقى - اتجاهات الرواية العربية المعاصرة - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - ط1 - 1982.
9.    حسين حمودة - الرواية والمدينة " نماذج من كتاب الستينيات " - سلسلة كتابات نقدية - الهيئة العامة لقصور الثقافة - رقم 109 - ط 1 - القاهرة - سبتمبر 2000
10.  شوقى بدر يوسف - ببليوجرافيا الرواية فى غرب ووسط الدلتا - وزارة الثقافة - الهيئة العامة لقصور الثقافة - 1994.
11.  على الراعى - الرواية فى نهاية قرن-دار المستقبل العربى- القاهرة- ط1 - 2000.
12.   على شلش - روايات عربية معاصرة - سلسلة كتابات نقدية رقم 5 - الهيئة العامة لقصور الثقافة - القاهرة - 15 ديسمبر 1990 . 
13.  مجموعة مؤلفين - الرواية العربية واقع وآفاق - دار ابن رشد للطباعة والنشر - بيروت - دط - 1979
14.   محمد نجيب التلاوى - وجهة النظر فى رواية الأصوات العربية فى مصر - على نفقة المؤلف - دط- 1996.
15.  يوسف الصميلى - موازين نقدية فى النص النثرى " يوسف القعيد نموذجاً " المكتبة العصرية - صيدا - بيروت - ط1 - 1995 .                        
16.  عبد الرحيم العلام - الفوضى الممكنة دراسات فى السرد العربى الحديث - دار الثقافة للنشر والتوزيع - الدار البيضاء المغرب 2001.
17.  صلاح صالح - سرديات الرواية العربية - المجلس الأعلى للثقافة - 2003.
18.  فدوى مالطى دوجلاس - من التقليد إلى ما بعد الحداثة - المجلس الأعلى للثقافة- رقم 515-2003.
19.  ابراهيم فتحى- الخطاب الروائى والخطاب النقدى فى مصر - هيئة الكتاب - 2004.
نصوص تحولت الى أعمال فنية :
حولت بعض نصوصه الى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية . أخرج صلاح أبو سيف فيلم " المواطن مصرى "عن رواية " الحرب فى بر مصر" . وأخرج منير راضى فيلمه زيارة السيد الرئيس عن روايته " يحدث فى مصر الآن " ، كما تحولت الى عرض مسرحى اعده الشاعر ممدوح عدوان وقدم فى دمشق . وأخرج اسماعيل عبد الحافظ مسلسل " وجع البعاد " عن روايته التى حملت العنوان نفسه كما سبق ان تحولت إلى مسلسل فى 30 حلقة قدمته اذاعة القاهرة الكبرى . وأخرج المخرج الفلسطينى بسام سعد مسلسل عزبة المنيسى عن روايته " اخبار عزبة المنيسى " من انتاج تلفزيون دبى فى 18 حلقة ، كما تحولت روايته الحداد الى مسلسل عنوانه " نار ورماد " وتحولت رواية " بلد المحبوب " الى مسلسل حمل الاسم نفسه - شكاوى المصرى الفصيح تحولت الى مونودراما قدمت على مسرح الطليعة - رواية " البيات الشتوى" تحولت الى فيلم تلفزيونى أخرجه الدكتور هشام أبو النصر ، قصة وجه الحب الآخر من مجموعة قصص " تجفيف الدموع " حولت إلى حلقة فى مسلسل " هو فى عينيها وهى فى عينيه " آخر مسلسل أخرجه نور الدمرداش .
فصول فى كتب مشتركة ومقالات فى دوريات
1-            شكرى عزيز الماضى - هزيمة حزيران فى الرواية العربية .
2-            احمد محمد عطية - حرب اكتوبر فى الادب العربى الحديث .
3-            جابر عصفور - أوراق ثقافية .
4-            طه وادى - الرواية السياسية .
5-            حسين حمودة - الرواية والمدينة .
6-            محمود حنفى كساب - كبرياء الرواية .
7-            السعيد الورقى - اتجاهات الرواية العربية المعاصرة .
8-            على الراعى - الرواية فى الوطن العربى .
9-            على الراعى - الرواية فى نهاية القرن .
10-   وقائع الرواية العربية فى مكناس - بحث محمود أمين العالم " التاريخ والفن فى ثلاث روايات مصرية " وفريدة النقاش " الرواية ونقاط اولية حول الاغتراب القسرى فى الرواية العربية " .
11-       فدوى مالطى دوجلاس - من التقليد إلى ما بعد الحداثة .
12-       على شلش - روايات عربية معاصرة .
13-       سيد حامد النساج - فى الرواية العربية
14-       يوسف الصميلى - موازين نقدية فى النص النثرى .
15-       امينة العدوان - مقالات فى الرواية العربية المعاصرة .
16-       شمس الدين موسى - أزمة المنتمى فى الرواية المصرية - مجلة الكاتب - عدد 148 - يوليو 1973
17-       احمد الزعبى - الإيقاع الروائى فى نصوص يوسف القعيد - مجلة علامات .
18-   بول ستركى - من المقابر إلى ميدان التحرير - ترجمة : ثائر ديب - مجلة الموقف الادبى - اتحاد الكتاب العرب - تشرين أول 2002 . نشرت باللغة الانجليزية فى Journal of Arabic Literature  .
مقدمات كتب
1-  د / سهير القلماوى - مقدمة رواية " أخبار عزبة المنيسى " .
2-  سمير أحمد ندى - مقدمة رواية " الحداد " .
3-  د/ فدوى مالطى دوجلاس - مقدمة ودراسة رواية " الحرب فى بر مصر " الإصدار الإنجليزى .
4-  د/ مارى تريز عبد المسيح - مقدمة رواية " اخبار عزبة المنيسى " الإصدار الإنجليزى .
5-  د/ ماهر شفيق فريد - مقدمة رواية " ايام الجفاف " الإصدار الإنجليزى .
6-د/ سعيد يقطين - مقدمة رواية " قطار الصعيد " .
7-عبد الرزاق عيد - مقدمة مجموعة الفلاحون يصعدون إلى السماء - مركز الانماء الحضارى - حلب .
8-مقدمة على الراعى للطبعة الخامسة من رواية "يحدث فى مصر الآن" دار المستقبل العربى القاهرة .
9- مقدمة الدكتوره فالريا كربتشينكو للمجلد المترجم للروسية الذى احتوى على اخبار عزبة المنيسى - يحدث فى مصر الآن - الحرب فى بر مصر .
 
كيـف أمسكت بالقلم
                                          كُتَّــــــاب سَيَّدنـَـــــا
يوسف القعيد
التكوين؟ّ يا له من عنوان خادع. يبدو مثل السراب فى صحراء العمر. من يتصور ولو للحظة واحدة. أنه قد تكوّن. يكون قد انتهى. لأن التكوين عملية مستمرة على مدى العمر كله. تبدأ مع لحظة الخروج من ظلمة الرحم. ولا تتوقف سوى مع لحظة النزول إلى ظلمة القبر. وما بين الظلام الأول. والظلام الأخير. يسعى الإنسان حتى دون أن يدرى لاستكمال تكوينه. أو تكويناته. أكتب عن التكوين باعتباره حالة مستمرة ومتصلة إلى ما شاء الله. وعندما أحاول العودة إلى الكلمة الأولى فى السطر الأول فى الصفحة الأولى من تكوين الوعى.. تخرج من طيات الذاكرة قرية الضهرية مركز إيتاى البارود - محافظة البحيرة. وتتهادى على هذه الأسطر شخصيات لم تعد من أهل الدنيا. ولأن ذكر الإنسان يمكن أن يصبح عمراً ثانياً. سأكتب عنهم. حتى أبتعد - بقدر الإمكان - عن الأنا. وما تجره على الإنسان من علامات الغرور وملامح الخيلاء. فأنا وأعوذ بالله من كلمة أنا. أؤمن أن الغرور إن دخل من الباب خرجت كل الفضائل الأخرى من الشبابيك. ذهبت إلى كتاب سيدنا الشيخ بخاطره من أجل حفظ القرآن الكريم. وقد أنجزت حفظ جزء عم فى زمن قياسى. وحصلت على جائزة سافرت مع أبى إلى مدينة دمنهور عاصمة المديرية  - لم نكن قد عرفنا كلمة محافظة بعد - للحصول على جائزة مالية من المدير. كان قدرها خمسين قرشاً على ما أتذكر. وقد كانت من المبالغ الكبرى التى دخلت بيتنا فى ذلك الوقت.
غير أن الرحلة الأولى خارج الضهرية. والتى تبقى فى وعيى "طشاش". بعض ظلالها الغريبة. بالأبيض والأسود طبعاً. لأن إدراك اللون كان تالياً لهذه الرحلة. كانت إلى قرية اسمها "قسطا" مواجهة لقريتنا ولا يفصلها عنا سوى بحر النيل - هكذا نسمى النهر عندنا - فى صور الذاكرة منظر مرساة المركب الذى عبرنا به إلى الناحية الأخرى. لا أعرف إن كانت قسطا هذه تابعة للغربية أم لكفر الشيخ الآن. لكن الذى أعرفه كما أعرف كف يدى. أننا ذهبنا إلى شيخ سره باتع. لم أكن أشكو من أى مرض. ولكن والدىّ كانا يخافان أن يلحق مصيرى بمصائر أشقائى الذين أتوا إلى الدنيا قبلى وماتوا. أذكـر أن شقيقى الذى جئت إلى الدنيا فوق رأسه كان اسمه إبراهيم. وقد حفظت الإسم من كثرة كلام والدى عنه بعد أن خطفه الموت خطفاً. أتساءل وأنا أكتب هذا الكلام عن الحال. لو أن قريتنا عرفت الصورة. ولو أن كاميرا دخلت إلى حاراتها المتفرعة مثل الخطوط علـى ورقة شجرة التوت. إذن لشاهدت صورة جدى. ذلك الإنسان الأسطورى. الذى أسمع عنه حكايات يشيب لها شعر الرأس قبل الأوان. وكذلك أشقائى الذين ماتوا بعد ميلادهم.
كل ما أذكره من رحلة قسطا هذه أننا فى طريق العودة كان معنا حجاب. ربطه لى الشيخ المبروك تحت أبطى الأيمن. بقطعة من القماش مبرومة على شكل حبل. ووضع يده على رأسى وتمتم بما لم أسمعه بعد أن أغمض عينيه. وتهت لأن كثافة وحضور رائحة البخور التى انطلقت من جو الغرفة. أفقدنى القدرة على التركيز. كانت نصيحته لوالـدى. أنه لابد من الحفاظ على الحجاب وألا تصل إليه المياه. حتى الآن لا أعر سر المياه. وضرورة ابتعادها عن الحجاب. قال الرجل وصوته يهز أركان المكان إن هذا الحجاب إن انكشف سره. أو وصلته المياه سأموت على الفور. ذهبت بعد ذلك إلى نفس الشيخ قبل امتحان مهم. وأعطانى حجاب مماثل علقه بجوار الأول. لأنه لم يكن يحب التعامل مع الناحية الشمال. "شئ لله يا أهل اليمين" قالها وهو يعلق الحجاب الثانى. مازلت أتذكـر أن أمى أمد الله فى عمرها نسيت ذات مرة. وحممتنى فى الطشت النحاسى الكبير. دون رفع الحجابين. لا تتصور مدى الذعر الذى أصابها فى هذا اليوم. وعندما عاد أبى - يرحمه الله رحمة واسعة - من الغيط أبلغته. أخذانى إلى الدكتور. كانت قريتنا قد عرفت أول دكتور فى تاريخها. الذى استمع إلى قصة الخرافة باهتمام بالغ وسأل عن مكان الشيخ المبروك وكيفية السفر إليه. ثم كشف علىّ وبدلاً من رفضه قصة الذهاب إلى الشيخ. رفض أن يكتب لى روشتة تصرف من البندر حتى يوفر ثمن الدواء لأهلى الغلابة. لأن موتى مسألة أيام. ذلك أننى مصاب بروماتيزم يزحف إلى القلب. وما أن يصل إليه. حتى يصعد السر الإلهى. ويسترد الله وديعته منا. عاملونى فى البيت مثل المحكوم عليه بالإعدام. كنا نسمع أنهم يمرون به فى شوارع مصر التى هى القاهرة طبعاً. وما أن يشير المحكوم عليه بالإعدام بعينيه إلى أى شئ. ذلك أن يديه مكبلتان بالحديد. حتى يحضرونه له حتى ولو كان لبن العصفور أو التفاح الأمريكانى.  غير أنى عشت. ولكن مازال شبح الروماتيزم الـذى يزحف ببطء شديد إلى القلب. يهددنى فى كل مراحل حياتى. لا أتصور أننى مريض بالوهم. ولكن أى نغزة فى شريان أو عرق يصل إلى القلب. تعيدنى مرة أخرى إلى عيادة الدكتور "أ. ر." التى كانت ملاصقة لمكتب البوستة. وأتذكر مدى البرودة الجميلة التى أحسست بها عندما وضع سماعته على قلبى بعد أن أوصل طرفيها إلى أذنيه.
لا أنسى لحظة العصارى الندية. والهواء الطرى القادم من الغيطان محملاً برائحة الماء والخضرة. عندما صعدت إلى سطح دارنا. وفتحت الحجابين. كانت الورقة مكورة أكثر من مرة. وكان نوع الورق قوياً. وكانت فيها شخبطة مكتوبة باللون الأحمر. مازلت أتذكر اللون الأحمر وكانت الشخبطة قد ساحت على الورق عندما طالته المياه من أمى خطأ. الحمد لله أن أهلى لم يكتشفوا الكارثة الكفرية التى مارستها. لأننى كنت قد أصبحت صبياً. ولابد من وقوفى فى الطشت بمفردى عندما أستحم. ثم أننى تركت قريتى إلى مدينة دمنهور. وتخلصت نهائياً من رقابة عد الأنفاس التى كانوا يمارسونها علىّ.
نعود إلى الشيخ بخاطره الذى لم يكتف بتحفيظ جزء عم لنا. هل أقول أن بذرة القص الأولى. علاوة على حكايات الناس فى قريتى وما كانت ترويه أمى من الحكايات. جاءت من ذلك القص الجميل فى القرآن الكريم. أن كل منجزات الحكى التى جاءتنا من الغرب نجدها فى القرآن الكريم. خاصة فى سور القصص ومريم ويوسف. الفلاش باك. ضمير المتكرم. الجمل الاعتراضية. كلمات الحوار. التسلل إلى خلجات النفس. أكثر من رواية للحدث الواحد. كل هذا نجده فى سور القرآن الكريم. الذى يعتمد القص والحكى من أجل توصيل رسالته للمؤمنين. ولكن الشيخ بخاطره علاوة على تحفيظنا جزء عم. علمنا "فك الخط" هكذا كانوا يسمون تعليم القراءة والكتابة. كان الرجل كفيفاً. مثل كل أصحاب الكتاتيب الذين سمعت عنهم بعد ذلك. ومع ذلك كان يعرفنا جميعاً. أما من نبرة الصوت أو الرائحة أو درجة الخوف - بل الرعب - منه. كان يوزع علينا ألواح الإردواز. بمساعدة عريف. أصبح اسمه "ألفة" بعد ذلك.
سعدت عندما كنت أجلس فى عزاء بقريتى مؤخراً. واقترب منى أحد بلدياتى. وعرفنى بنفسه أنه قريب الشيخ بخاطره. قلت: ألف رحمة ونور تنزل عليه. وتبشبش الطوبة التى تحت رأسه. حكى له أنه كان العريف علينا وأنه مازال يحتفظ بألواح الإردواز عنده. مصدر سعادتى أنه قال لى أن الشيخ بخاطره عندما كان يسمع إسمى فى الراديو. كان يقول إن عمره لم يذهب هدراً. وأنه لولاه ما كان ما كنته. لا علاقة للتوقف أمام هذه التفاصيل بالتطرف الدينى الذى نتنفسه الآن حتى ونحن نيام. عندما توقظنا الميكروفونات التى لا مهرب منها منذ "أحلاها نومة". كان الدين سواء الإسلام أو المسيحية أو اليهودية. فى ذلك الوقت. أواخر أربعينيات القرن الماضى وأوائل خمسينياته. فى مكانه الطبيعى كعلاقة شديدة الخصوصية والسرية بين الإنسان وربه. ولم يكن قد تحول بعد إلى مرجعية وحيدة. تؤسس للإنسان حياته. بعد أن جرى ذلك الانقلاب غير العادى فى روح مصر وضميرها. لأن من حكموا مصر ابتداء من السبعينات قرروا مواجهة الأمور الطارئة بتغيير ثوابت الوطن. وأدخلونا إلى دائرة جهنمية من الدم والنار والدموع. كان من السهل دخولها ومن المستحيل الخروج منها. لكن تلك حكاية أخرى.
لم أستمر مع الشيخ بخاطره. ذلك أن أول مدرسة ابتدائية افتتحت فى قريتـى. مدرسة عسران عبد الكريم الابتدائية. لم تكن مصر قد عرفت حكاية مدرسة البنيـن ومدرسة البنات. ومع افتتاحها كانت تصل سيارة من البندر لحظة أذان صلاة الظهر فيها وجبة ساخنة للتلاميذ الذين يتعلمون فى المدرسة. قالوا فيما بعد أن الطعام كان منحة من الخارج.. ولكن الذى حدث أننا جميعاً مارسنا خيانة الشيخ بخاطره وكُتابه الذى كان يقع على حدود البلد من الناحية البحرية الشرقية. أمامه كانت الترعة الصغيرة والمزارع مباشرة. لم يكن بعده من معالم البلد سوى ترب النصارى التى كانت بحرى البلد. كـان كُتابه جزء من بيته بالتحديد "المندرة البرانية" من البيت. كان باب وسط الدار يفصل بين بيته والكُتاب. ورغم أننا كنا أطفالاً. لا يستطيع أى واحد منهم الزعم أنه تمكن من التسلل إلى أهل بيته. أو دخل حتى هذا البيت مهما كانت الأسباب. كان الشيخ بخاطره يلبـس جلباباً مقلماً. والطاقية أم رفرف من نفس القماش. ولكن أقلامها بالعرض. فى حيـن أن أقلام الجلابية والصديرى أقلامهما طولية. كانت ملابسة نظيفة دائماً. يشرب من فوقها العصفور لم تكن بيده خيزرانة يضرب بها دون سبب.
أما المدرسة. فقد كانت فى الناحية القبلية. وراء دوار العمدة وسرايته والجنينة الواسعة التى تحيط بها. والطريق الذى يمر أمامها كان يوصل قريتنا بعزبتى العتقا وكنيسة الضهرية. وترب المسلمين. التى لابد وأن تكون قبلى البلد. وهى مسألة مرتبطة - كمـا قيل لى - بعد ذلك بهبوب الريح واتجاهها. وكلام كثير عن عادات الدفن عند النصارى. وعادات دفن المسلمين. ولكن تلك حكاية أخرى.
أيام جديدة هلت على قريتنا مع افتتاح المدرسة. والمستوصف الذى كان أقرب إلى مستشفى ميدانى متنقل. والجديد كان وصول ثلاث نساء من "بنات البندر" مدرسة وحكيمة. وأخصائية اجتماعية. المدرسة فى الحصة الأولى اختبرتنا أغرب اختبار. ما هو الإسـم الذى يجب أن نناديها به. سمعت "ستى" فضحكت، عمتى، خالتى، كانت تحرك إصبعها الأبيض الطويل. والذى ينتهى بظفر أطول والأعجب أن لونه كان أحمراً. تساءلنا وبراءة الأطفال فى أعيننا: هل يفرق الله سبحانه وتعالى بين ألوان أظافر بنات البندر. وأظافـر نساء قريتنا اللاتى أطلق عليهن من لحظة وصول الثلاث نساء: نبوت الغفير. بعد أن غلب حمارنا. ولم نعرف المسمى الذى نناديها به قالت وهى تكتب الإسم على السبورة. وتعطينا ظهرها الجميل. كانت طويلة، بيضاء، ترتدى مريلة زرقاء. وفى يدها اليمنى التى كتبـت بها أساور من ذهب وفضة. وكتبت على السبورة كلمة "أبلة" وقضت الحصة الأولى كلها. التى كنا أقرب إلى التحليق مع الأحلام تعلمنا طريقة نطقها.
معرفتى بالحرف المكتوب جعلنى أستبدل - وللأسف الشديد - الفاس فى يدى بالقلم. وربما كان مصيرى أفضل وحياتى أحسن. لو أننى احتفظت بالفأس. لأننى اكتشفت بعد سنوات طويلة الحكمة المقطرة التى تقول أن القرى خلقها الله. وأن المدن بناها البشر. منذ أن تركت قريتى. وفرضت علىّ الإقامة الجبرية فى القاهرة. وكلما تعرفت إلى إنسان حتى أسأله عن القرية التى جاء منها. إن كانت له قرية قلت أن له أصولاً. وأن نبته خرج من أرض مصرية. وإن كان ابن مدينة. مع الاعتذار لكل أبناء المدن وما أكثرهم الآن. أدركت أن ثمة أمر ناقص فى حياته وحكاية عمره. قد أكون متعصباً للريف. والتعصب مرض من الأمراض التى لا أحب أن أشفى منها.
كان مجئ بنات البندر الثلاث إلى قريتنا: المدرسة والممرضة أو الست الحكيمة. والأخصائية الاجتماعية عملية قلب لصفحات قديمة. وفتح لصفحات جديدة فى تاريخ قريتنا. لن أتوقف أمام هذه العملية طويلاً. لأننى لو فعلات هذا لاعتديت على ما أكتبه الآن عن قريتى.
لكن مثلما بنى عسران عبد الكريم. كُتاباً لتحفيظ القرآن الكريم بجوار مدفنه الخاص المبنى فى مدخل البلد أمام الحمام وصهريج "المياه الحلوة" أى مياه الشرب النقية. فإن أنصارى سمك. بنى مدرسة إعدادية. حملت اسمه. وقد يتصور غريب عن قريتى أننى أمجد الإقطاعيين والأغنياء وأنسى عامة الشعب. الذين هم أهلى وناسى. وأقول له مهلاً. فقريتى لم تعرف الإقطاع بأى معنى من المعانى. هؤلاء "أولاد ناس" حالفهم الحظ. وامتلكوا مئات الأفدنة من أجود الأطيان الزراعية. سواء فى الضهرية أو القرى المحيطة بها.
لكن قصة لقائى مع الكتاب الأول فى حياتى. فيها الكثير من التفاصيل والملابسات. كان والدى قد استأجر قطعة من الأرض فى عزبة المرحوم الحاج عبد القوى سمك. هل لاحظت أن جميع منارات العمر تذكر مسبوقة بكلمة المرحوم. عموماً فى قريتنا مثل شعبى يقول: لا يبقى على المداود غير شر البقر - كنت أذهب مع والدى فى أجازة الصيف الدراسية. كان من عادتهم فى العزبة. وهى العزبة التى نجدها فى روايتى أخبار عزبة المنيسى مع بعض التعديلات طبعاً. أقول كان من عاداتهم. "تعسيلة القيالة" أنه النوم بعد الغذاء. ولا يبقى صاحياً سواى. النوم عندى فى الليل فقط. بدافع الفضول بدأت أنبش فى المكتب. وهو المكان الذى كان من حقنا البقاء فيها. وقادنى النبش إلى سندرة تحت الكنبة التى ينام فوقها أبى. خرجت يدى بكتاب بدأت القراءة فى الصفحة التى فتحت الكتاب عليها. "بلغنى أيها الملك السعيد. ذو الرأى الرشيد أن" لقد كانت شهرزاد. التى اشترت عمرها بالحكايات. وواجهت سيف مسرور السياف "القاتل يسمى مسروراً" بمخلوقاتها البديعة. أنها اللحظة التى بدأت ولم تنته حتى هذه اللحظة. كانت طبعة دار الهلال لألف ليلة وليلة. التى أعدها طاهر الطناحى. وصفحة الكتاب تحولت إلى فتحة سحرية. أخذتنى ولم أعد. أخذتنى ومازلت معها هناك. إنه الكتاب الذى أحلم بفقدان الذاكرة حتى أستعيد متعة قراءته ولذتها من جديد. فيما يخص الليالى. أعتقد أن قوة الذاكرة لعنة. والمشكلة أن الفلاح يتمتع بذاكرة أفيال. ذاكرة بصرية. لا تضعف مع مرور الوقت بل تقوى. أسلمتنى شهرزاد لعادة القراءة. التى أصبحت طبيعة ثانية لى. أشعر بالقلق لو وجدت فى مكان يخلو من الكتب. وفيما بعد أقلق لو أن المكان يخلوا من الأوراق. وفى مرحلة تالية أقلق كثيراً لو قلت الأقلام التى عندى. إنها عدة الشغل التى أطمئن عليها أكثر من الاطمئنان على صحتى.
كان والدى يعرف القراءة والكتابة وكان يكتب. وكان خطه جميلاً. ولا تتصور مدى ندمى لأننى لم أتكلم معه حول تعلمه الكتابة. لابد وأن ذلك تم فى كتاب. لأن عهد بلدنا بالمدارس حديث. كان خطه أكثر من جميل. توشك أن تكون كتابة خطاط. أعود إلى لحظة عثورى على ألف ليلة وليلة. ذلك أنه عندما صحا والدى من تعسيلة القيالة واكتشف نبشى فى كتب الحاج عبد القوى. كنت قد وصلت إلى كتاب ضخم عن حريق القاهرة كتبه أحمد حسين. ويعد أول عمل تسجيلى أقرأه. كان فى الملف كل ما يتصل بالحريق. كنوع من الدفاع عن النفس. لأن البعض حاول اتهام أحمد حسين فى مسألة حريق القاهرة. وأحمد حسين كان بالنسبة للحاج عبد القوى. أكثر من أستاذ وأكبر من معلم. من يومها سمح والدى لأمى دون أن يبلغنى بذلك أن تشترى لى جريدة. من الجرائد اليومية التى تصل إلى قريتنا. فى الأيام التى أبقى فيها فى البيت. وشراء جريدة كان امتيازاً طبقياً. لا يتمتع به سوى بعض أصحاب الطين. أى ملاك الأراضى. أو الأفندية الذين يعملون فى المصالح الحكومية المستحدثة. التى دخلت حياة قريتنا مثل الوحدة المجمعة والمستشفى والوحدة الاجتماعية. وأكثر من مدرسة ابتدائية وإعدادية. أعتبر أن شراء الجريدة لى. مع أن الحدث لم يتكرر كثيراً. بسبب ضيق ذات اليد. كان أول اعتراف بى من قبل والدى. اعتراف بتميزى من وجهة نظره. كان والدى شحيح الكلمات. يميل إلى التعبير بالأفعال. ولم يكن يعانى من الطرطشة العاطفية مثل معظم أقاربى. لم يكن يضع عواطفه على كف يده. يقدمها لأول عابر سبيل مثل طيبة معظم أهل الريف. ولم يكن ماء عينيه حاضراً جاهزاً مثل أمى.
فى حياة قريتى الضهرية. فى تلك السنوات البعيدة. النصف الأول من خمسينيات القرن الماضى. لم يكن النور قد دخل إلى القرية. لم يكن فى القرية التى كان يزيد عدد سكانها على 30 ألف نسمة سوى جهاز راديو واحد. يملكه نظمى أفندى. الذى كان مسئولاً عن أول صهريج مياه يقام فى البلد. كان الراديو يعمل ببطارية سائلة يتم إعادة شحنها فى كفر الزيات. وكان له إيريال يمتد إلى فوق السطوح. وكنا نذهب من أجل الاستماع إلى تلك الأعجوبة. فالهواء خرج منه الكلام والموسيقى. فى الليلة التى ذهبت فيها. رأيت راديو مصنوع من الخشب. حجمه كبير. ومازالت خروشته تزن فى أذنى حتى الآن. كانت الخروشة أكثر من الأصوات المفهومة. تكلموا عن أن البطارية ربما فرغت أو أن سلك الإيريال لابد من عدله. وصعد من عدله. ولكن الخروشة ظلت كما هى. عدت من رحلتى إلى قبلى البعد ولم أستمع سوى للخروشة الآتية من بعيد.
كان الوقت يفيض عند حاجة الناس. الجلوس على المصاطب. أو البقاء فى الجامع أكبر وقت بعد أداء الفرائض. كانت هناك وسيلتين لمواجهة هذا الفراغ. الحكايات والغناء. وإن كان التنغيم وليس الغناء. كان يستخدم فى المناداة على البضائع التى يمر بها الغرباء على قريتى. كنا نخاف الغرباء. سواء كانوا من الغجر أو الباعة. قالت لى أمى عن الغرباء أنهم يسرقون الكحل من العين. وهم يحضرون من أجل خطف الأطفال لاحتياج امرأة عاقر غنية لطفل. من مخاوف تلك الأيام التى لا تنسى. كان تحذير أبى وأمى لى ألا  أذهب إلى الكنيسة. سيخطفنى القسيس ويغطسنى فى البئر لأخرج نصرانياً أى كافراً. من يومها والكنيسة هى أجمل مكان فى القرية بالنسبة لى. أمامها شجرة ذقن الباشا التى تحول المكان إلى جنة. ومن وراء الباب العالى عالم مجهول. ألم يقل أجدادنا أن كل ممنوع مرغوب؟! تخويفى من الغجر دفعنى للذهاب إلى الساحة الواسعة قبلى البلد. حيث ينصبون خيامهم. طوال فترة إقامتهم غير المرغوبة من نساء بلدنا. لفت نظرى شكل نسائهم. العيون واسعة. مفنجلة. "تندب فيها رصاصة". والملابس تخيل إليك أن الغجر كلهم من النساء. أما سبب عداء نساء قريتنا للغجر جميعاً رجالاً ونساء. فقد عرفته فى اليوم التالى. عندما خرجت غجرية بالغة الدلال والجمال. ولفت فى حوارى البلد تنادى: "أوشوش الدكر. أشوف البخت" ولم يكن يجرى إليها سوى الرجال. وكانت تقول كلاماً محفوظاً تردده فى كل مرة. فهل كانت غيرة نساء البلد. من نساء الغجر هى السبب فى هذا الفتور الذى وصل إلى حد العداء. كانت الغجرية إنسانة تخاطب المجهول. الغناء مع ليالى الرى بالطنبور. ولف النورج فى الأجران. والحكايات تبدد ظلام الليالى الطويل.. كل هذه الأمور لفتت نظرى مبكراً إلى الدور السحرى الذى يمكن أن يلعبه الفن فى حياة الإنسان. وإلى جمال وعذوبة هذا الفن. على أن الليلة التى وصل فيها "سييط" إلى بلدنا ليحيى ليلة عرس.. كانت حدثاً مهماً فى حياتى. كان السييط أو المغنواتى الريفى يرتدى الكاكولا. التى هى الجبة والقفطان وعلى الرأس عمامة. نفس زى مرتل القرآن الكريم. وقد قضى الليلة كلها يروى حكاية عزيزة ويونس. والموسيقى كانت عبارة عن ضربات بحبات المسبحة على عمود الميكروفون النحاس. وإن احتاج لكى يسمعنا صوت فتح الباب أو غلقه أو الريح التى تصهل فى الجبل. كان هناك شخص مجهول وراءه يحدث هذه الأصوات. وفى فترة الاستراحة خرج لنا هذا الإنسان على صورة "بلياتشو" هذه الكلمة عرفتها فيما بعد. وقدم فاصلاً فكاهياً. كانت الشخصية التى يقدمها اسمها "زعرب" وهو فى مرة طارد أسرة إقطاعية. وفى ثانية معلم يقع فى غرار تلميذته. وهو يلعب دور المعلم وأخرى دور التلميذة. لقد اكتشفت فيما بعد أن ما قام به زعرب. كان إعادة تمثيل لأدوار ليلى مراد وأنور وجدى ونجيب الريحانى فى فيلم غزل البنات.
عندما انتهت السهرة وبدأ الأولاد من سنى يقولون: "العروسة للعريس والجرى للمتاعيس" وانصرفوا. بقيت أنا. كنت أريد رؤية المغنواتى عن قرب وكذلك العم زعرب. لا أنسى حالة التعب والإرهاق التى بدت على وجه زعرب وهو يمسح المساحيق عن وجهه. كان يوشك أن يتلاشى من الضنى. إنه نفس المشهد الذى سبب لى حالة من الوجع عندما رأيت محمود شكوكو يجلس صباحاً على مقهى بكورنيش الإسكندرية وتعبه يمنعه حتى من الاستمتاع بمنظر البحر وهواء الصباح. أما السييط فقد كان أصغر من شكله الذى ظهر به على المسرح. والمسرح لم يكن مسرحاً. ولكن مساحة وضعت بها عدد من الدكك ابجوار بعضها. وفوقها حصر كثيرة. لم أترجم ما شاهدته وسمعته فى تلك الليلة الترجمة الصحيحة. لم أقل أنه الفن القادر على إسعاد الناس. ولكن الرعشة التى أحسست بها والتنميل فى بعض أطرافى. وتلك الرجفة الجميلة. كانت بداية الاهتمام غير العادى بالفن. خاصة ذلك الفن الذى يقوم على الحكى.
إن القدرة على فك الخط. وحفظ جزء عم. ونظرة عين الغجر. وشجرة دقن الباشا على باب الكنيسة. ثم غناء السييط وترتيل القرآن فى المعازى. وزعرب الذى قلد الجميع. كل هذا شكل بداية الاهتمام بالحكى الذى هو سحر البشرية التى لا يقاوم.
 
كيف أمسكت بالقلم2:
وفى دمنهور عرفت فتنة القراءة وقابلت عبد الحليم عبد الله وباكثير
2214يوسف القعيد
كان أداء امتحان شهادة إتمام الدراسة الإعدادية. "نظام قديم" يتطلب السفر إلى إيتاى البارود. المركز الذى تتبعه قريتى إدارياً. رغم أن كفر الزيات هى الأقرب. لا يفصلنا عنها سوى فرع رشيد الذى كانوا ولازالوا يسمونه فى قريتى بحر النيل. أما حكاية فرع. فلم يعرفونها أبداً. ثم أن رشيد الذى يسمى الفرع به. وهو اسم المدينة التى يلتقى عندها نهر النيل بالبحر الأبيض المتوسط. فلم يربطوا بين المدينة وفرع النيل. رغم أنه كان يأتى إلى قريتنا من رشيد. فى موعد ثابت كل عام. من يبيعون أم الخلول والملوحة. لأهالى البلد. ثم يرحلون بعد أن ينتهوا من عملية البيع. كان فرع رشيد هو الذى يفصل محافظتى البحيرة عن الغربية. الغربية تتوسط الدلتا. ومحافظتنا يقال عنها أنها تقع غرب الدلتا. كانوا يقولون عن عبد الحليم عبد الله روائى الدلتا. والتى أطلقت هذه التسيمية عليه. كانت مستشرقة سوفيتية. وقد قابلت عبد الحليم عبد الله فى بيته بمنيل الروضة. قبل الحادث الذى أنهى حياته بأسابيع. وكانت سعادته لا توصف من هذه الزيارة. لأن الرجل كان يعانى. إجحافاً نقدياً. وإدباراً من الحياة العامة عنه. يصل إلى عدم الاعتراف بموهبته الحكائية ومشروعه الروائى. كان فرع رشيد آخر حدود البحيرة. من الناحية الغربية. أما ضفته الغربية فتطل عليها محافظتى الشرقية وكفر الشيخ. أمام قريتنا كانت توجد الغربية. لدرجة أنه عندما كان يقتل قتيل فى قريتنا - حكى لى والدى ألف رحمة ونور عليه - وعندما يصل ضابط المركز. كان أول ما يطلبه من شيخ الغفر. سحب جثة القتيل للضفة الشرقية لبحر النيل. حتى يعتبر حادث القتل. من الناحية الإدارية البحتة. قد أصبح خارج حدود مركزه وولايته. وبالتالى أصبح المسئول عنه. هو مأمور مركز كفر الزيات. أحمد الله أنها لم تكن الضفة الغربية حتى لا يكون فى ذلك نبوءة من أى نوع كان. فتعبير الضفة الغربية يثير حالة من التشاؤم.
أسبوع قضيته فى إيتاى البارود فى منتصف خمسينيات القرن الماضى. طلب والدى من صهرنا الحاج فتحى موسى عبادة - اسم شهرته على موسى عبادة - أن أكون فى رعايته. وأجر لنا غرفة فوق أسطح أحد البيوت القديمة. لأن السفر يومياً من الضهرية إلى إيتاى البارود. غير مضمون. لم تكن السيارات قد كثرت مثلما نراها فى هذه الأيام. والطريق الترابى الذى يصل قريتنا. بقرية التوفيقية. حيث الأسفلت. لم تكن تمر به سيارة الأكل ساعات طويلة. كان مجرد ظهور "الكومبيل" هكذا كنا نسميه. تعلن عنه سحابة من الغبار الأبيض المتطاير. وكانت السيارة الصغيرة. سوداء اللون. ولا تسألنى عن نوعيتها - فتلك المعرفة المتأخرة ستأتى بعد الرحيل إلى المدينة. كانت سيارة الدكتور دبوس. كنا نسميه أبو دبوس. كان يأتى من نكلا العنب. وهى قرية بحرى قريتنا. يفصلنا عنها قرى إشليمة والسوالم بحرى والسوالم قبلى ودميسنا وكفر عوانة. كان الدكتور يمر قبل أذان العصر بقليل. متوجهاً إلى كفر الزيات حيث توجد عيادته. أما عودته ليلاً فلم نشاهدها أبداً. لأن الليل فى تلك الأيام كان يعنى الظلام الدامس. الذى يمكنك أن تمسكه بيديك. ظلام عجوز. يبدو قطعة قطعة. وفى هذا الظلام كنا نحتمى ببيوتنا. المظلمة أيضاً. من أخطار المجهول. وكل ما لم نكن نعرفه كان مجهولاً بالنسبة إلى وعينا.
أعود إلى إيتاى البارود. كانت مدينة صغيرة. أكبر من قرية وأصغر من مدينة. وشوارعها لم تكن مرصوفة. وفى الطريق إليها لفت نظرى أعمدة التليفون. قال لى الأستاذ فتحى أنها أعمدة "التلغراف" وبعد عودتى إلى قريتى اكتشفت أنها تملأ الغيطان. وكنت ألصق أذنى اليمين بها. لعلى أستمع إلى أصوات المتحدثين. لأننى لم أكن قد رأيت تلغرافاً حتى هذا الوقت. بين العمود والعمود. أسلاك مرخية. تمر خلالها أهم أسرار حياة الناس. التى يثرثرون بها فى اتصالاتهم التليفونية. فالتلغراف الذى تسمى الأعمدة به. ويطلق على الأسلاك. لم يكن إلا تكتكات تترجم إلى أحرف والأحرف تصبح كلمات. والكلمات جمل. قد تحمل إلى الإنسان أكبر الفواجع وأجمل الأفراح. إما إخبار بفقد. أو تعزية فى ميت. أو مباركة بنجاح. وكل هذا يختلط داخل هذه الأسلاك الصامتة. فى هذه الرحلة علاوة على الامتحان الذى نجحت فيه. رأيت القطار لأول مرة فى حياتى. قطار لم يعد له وجود الآن. كانت النيران تندفع من قاطرته. وتزداد مع هبوب الريح. أو تلقيم مواد مشتعلة لها. والخرطوم الذى يدفع المياه من أجل التبريد كان أضخم خرطوم شاهدته. محطة سكة حديد إيتاى البارود القديمة. مازالت كما هى الآن. ثمة إضافات. من أرصفة وبوابات. وسور حديد مدبب. وكوبرى علوى يلف فوق المحطة. ويوصل المدينة بالطريق الزراعى السريع. لكن جوهر المحطة مازال كما هو. بل إن اللافتة المكتوبة بأسود بارز. على أرضية رخامية مازالت كما هى.
عدت من أيتاى البارود بعد أن استمعت إلى فصول من حكاية أدهم الشرقاوى. ومواله. زبيدة. القرية التى شهدت فصول حكايته قريبة من إيتاى البارود. وقد أثرت فى هذه المواويل المبكرة. لدرجة أننى بعد رحيلى القاهرة. كنت أحلم برؤيته بعد أن غدر به بدران - كم أكره الغدر من يومها؟! - مقتولاً وسط دمائه. عظامه تبدو شديدة البياض. وفوقه أوراق الصحف القديمة حتى تستر موته. مكان الحلم بطن الجبل القريب. وزمنه هو نفسه زمنى. رغم أن مقتل الأدهم سبق ميلادى بسنوات طويلة. لاحظت أن العامة ينطقون اسم المركز: إيتاى البارود. ولكن العامة يقولون: تيه البارود. وقيل لى أن اسم البلد يعود إلى شاعر كبير هو محمود سامى البارودى. بالتحديد إلى كونها كانت مخزنا للبارود فى زمن ثورة عرابى. كلمة ثورة من عندى. لأنهم كانوا ينطقونها: هوجة. إنها رحلة الانتقال الأولى من القرية إلى المدينة. فالذى عاد لم يكن هو نفسه الذى سافر. وامتحان إيتاى البارود. هو الذى سلمنى لمعهد المعلمين بدمنهور. بعد أن كنت أحلم بالتعليم الثانوى خاصة فى قسمه الأدبى. ولكن والدى كانت له وجهة نظر أخرى. وهو أن مرحلة التعليم الثانوى طويلة. خاصة أنه مثل الكوبرى الذى يوصل من مرحلة إلى مرحلة أخرى. ولا قيمة له بدون التعليم العالى. كانت كلمة العالى تسبب خوفاً لوالدى. لأنها ترتبط فى ذهنه بالعلالى. أى الأغنياء والإقطاعيين. اللذين يشيلون من الأموال والطين. أكثر من قدرتهم على الحمل. أو الإخفاء. وتكاليف التعليم العالى مرهقة. ثم أن معهد المعلمين بدمنهور. وهى قريبة منا بل عاصمة محافظتنا. والتعليم العالى إما القاهرة. أى مصر المحروسة. أو الإسكندرية. التى تقع عند آخر خط السكة الحديد. الذى يبدأ من القاهرة. وبعدها البحر الذى بلا شاطئ آخر. المعهد كانت مدة دراسته ثلاث سنوات. وكان وجوده فى دمنهور حديثاً. كان أبى يرى أن هذا المعهد ربما جرى افتتاحه لكى أدخله وأعود له بعد ثلاث سنوات مدرساً فى البلد. أدرس نهاراً وأساعده فى زراعته وتجارته بعد الظهر. حاولت مناقشة أبى فى الأمر. ولا تستهن بإبن يناقش أباه فى قرية مصرية. فى منتصف خمسينيات القرن الماضى. كان الأمر صعباً. ربما كان مجازفة من النوع الذى لا يعرف الإنسان نتائجه. ولا يستطيع التنبؤ بها. ولأن مناقشتى وصلت إلى طريق مسدود. كلام من جانبى. أقوله بسرعة. وبصوت أقرب إلى سرسعة المراهقين. وأنهيه بوجل. لذلك حاولت الاستعانة بالحاج عبد القوى سمك. وكان والدى يزرع جزءاً صغيراً من أرضه بنظام المشاركة أو المزارعة. وقد تدخل ولكن دون جدوى. خاصة أنه رغم ارتدائه الجلباب الفلاحى. وحياته بيننا. فقد كانت له قصة فى القاهرة أثناء دراسته ومحاولة اشتغاله بعمل سياسى فى حزب معارض. ولذلك كان يدرك أهمية مناقشة والدى فى هذا الأمر. ولكن المشكلة أن والدى كان قد حفظ بيتاً من الشعر:
قم للمعلم وأوفه التبجيـــــلا
                                    كاد المعلم أن يكون رســــــولا
وحكاية الربط بين المعلم والرسالة والرسول. كانت تبهره بصورة تفوق الوصل. ربما لأنه كان يحلم بالدور والرسالة ولكنه لم ينتظم فى سلك التعليم. تاهت مناقشاتى. ولم يستمع لكلامى عن أن المعلم قد تكون له كليات يتخرج منها. قدمت أوراقى فى معهد المعلمين. كان فى مكانه القديم فى شبرا فى مدخل دمنهور الأول. ونقل خلال دراستى به إلى مكانه الحالى إفلاقه. الناحية البحرية الشرقية من دمنهور. لا تتصور مدى فرحتى عندما سقطت فى كشف النظر وجرى تحويلى إلى قسم الموسيقى. وفى القسم قالوا أن آلة الأكرديون لا يوجد لها دارس واحد. لذلك سأدرسها. أورثنى هذا حباُ مبكراً للفن. ومازالت فى وجدانى أصداء لحكاية الأكرديون. وما أن أشاهد حامله وعازفه فى الأفراح الشعبية حتى أتذكر من جديد فكرة دراستى له. مع أننى أحن إلى القانون وأحب العود. أكثر من الأكرديون الذى يبدو أنه آلة قادمة لنا من الغرب. رفض والدى فكرة دراسة الموسيقى. قلت لنفسى سيكون الأمر فرصة نادرة لكى أفك من المعهد. خاصة أن مدرسة دمنهور الثانوية القديمة. كانت تقع فى مواجهة معهد المعلمين. وبالتالى فإن الانتقال من المعهد إلى المدرسة. يكلفنى أكثرة من فركة كعب. لكن والدى كان لديه حلاً سحرياً. أشار عليه به صاحب البيت الذى سكننا فى دورة الأرضى. وكان صاحب استديو فى قلب دمنهور. وكان اسمه "أبو علو". أشار على والدى أن "يفصل" لى نظارة طبية. وأن يطلب من المعهد إعادة الكشف الطبى علىّ "بالنظارة". وهكذا حلت المشكلة وأصبحت النظارة جزءاً من ملامح وجهى. وإن كانت هذه النظارة قد أقامت جفوة بينى وبين الناس فى قريتى. نبتت فجوة نفسية. أحاول دائماً وأبداً اجتيازها.
على أن الرحلة إلى دمنهور كان لها وجهها الأدبى الآخر. المثلث الذهبى تكون من مكتبة البلدية. وقصر الثقافة "من أكثر الكلمات التى أكرهها هى كلمة قصر هذه لأن جمعها قصور الذى قد يعنى التقصير. وقد أصبحت إسماً على مسمى". وقهوة المسيرى.
كان أمين مكتبة البلدية بدمنهور بلدياتى. الأستاذ عبد الملاك. ولذلك بدت معاملته لى فيها لمسة خاصة. ولذهابى إلى مبنى البلدية الذى توجد المكتبة فى الدور الثانى منه قصة. ففى ليلة السفر لدمنهور حذرنى أبى من الذهاب للسينما. وحذرتنى أمى من بنات البندر اللاتى يسرقن الكحل من العين. سمعت نفس التعبير فى وصف بنات الغجر من قبل. من قال أن الممنوع مرغوب يلخص فى الكلمتين جوهر طبيعة البشر. لأننى ما أن أستقر بى المقام حتى بحثت عن السينما. دار وحيدة ليس فى المدينة ولكن المحافظة كلها. هى دار سينما البلدية. التى تعلوها مكتبة البلدية. كان يعرض فى السينما فيلم بالأبيض والأسود. مازلت أذكر أنه كان فيلم الهاربة وأن البطلة كانت شادية. والمعنى الذى بقى فى الذهن أن فتاة تهرب من بيت أهلها. وتختفى بعيداً عنهم. من ذكرياتى عن هذه المرحلة أننى شاهدت فيلم بين الأطلال. أذكرينى لفاتن حمامة. وأعتقد أن سينما البلدية بدمنهور. لم تكن تلتزم فى اختياراتها بحداثة الإنتاج. ربما كانت تعرض بنظام الريبرتوار. ومن الحوادث التى مازلت أذكرها. أن دمنهور كان بها حزبين الأول حزب  لعبد الحليم حافظ والثانى حزب لفريد الأطرش. وكانت تجرى بينهما مناظرات. ومناقشات كثيرة. أفراد كل حزب يهاجمون مطرب الحزب الآخر. ويلصقون به كل التهم الممكنة. ومازلت أذكر أنه كان يعرض فيلم لفريد الأطرش. ولم تكن الإيرادات معقولة. فتم رفعه من السينما فى منتصف الأسبوع. وعرض بدلاً منه فيلم لعبد الحليم. وأن هذه الحكاية تحولت إلى مظاهرة واحتفال من مؤيدى حليم. ضد أنصار فريد.
مكتبة البلدية لم تكن مكتبة عتيقة. بها قديم الكتب وبعض المخطوطات المهمة فقط. الجديد من الكتب والصادر حديثاً سواء داخل مصر أو خارجها كان فى المكتبة. نظام تزويدها بالكتب كان معاصراً جداً. والمبنى صمم على أن يكون معقولاً ومقبولأ على مدار العام. تكييف ربانى صيفاً. هواء كأنه آت مباشرة من ريح الجنة. ودفء شتائى نادر. وفر لى أمين المكتبة بلدياتى بعض الاستثناءات. وهكذا عرفت أسماء معظم كتاب الرواية والقصة. مصريا وعربياً وعالمياً. وقرأت فيها بحوثاً ودراسات مهمة. حول فن الرواية والقصة القصيرة والمسرحية. ودور الأدب والفن فى المجتمع. وجدت فى تلك المكتبة من الكتب ما كان وجوده مفاجأة لى.
يبقى الحادثان اللذان وقعا لى فى دمنهور. كان الأول لقائى بعبد الحليم عبد الله والثانى لقائى مع على أحمد باكثير. كل فى ظروف مختلفة عن الآخر. كنت قد ذهبت إلى قصر ثقافة دمنهور للسؤال عن شروط النشر فى مشروع الكتاب الأول. الذى كان يصدر عن المجلس الأعلى لرعاية الفنون والأداب. قابلنى مصطفى البسيونى مسئول القصر. وعدنى بالحصول على هذه الشروط من مصر. وقبل انصرافى من مكتبه عرض علىّ المشاركة فى ندوة تقام مساء لمناقشة رواية محمد عبد الحليم عبد الله: شمس الخريف. كنت قد قرأت الرواية منذ فترة. أعطانى نسخة فوراً. كان أمامى حوالى سبع ساعات حتى موعد الندوة. لم يكن لى بيت فى دمنهور. كنت قد تخرجت من معهد المعلمين وعينت مدرساً بمدرسة الرزيمات الابتدائية بمركز حوش عيسى. جلست على مقهى. رآنى طالب بلدياتى من الطلاب الذين يدرسون فى دمنهور. استضافنى فى سكنه القريب من ميدان الساعة. انصرفت عنه إلى الرواية التى كنت أريد الانتهاء من قراءتها قبل المساء. وفى المساء كنت فى القصر وقابلت محمد عبد الحليم عبد الله. كان رقيق الأطراف أنيقا. أقرب لشاعر منه لروائى. شاركت فى المناقشة أديبة شابة من البحيرة. هى سهير الكاتب. وقد اختفت بسرعة مثلما ظهرت بسرعة أيضاً. على أن الجميل فى هذه الليلة كانت دعوة عبد الحليم عبد الله لى لكى ألحق به فى الفندق الذى كان ينزل فيه. وكانت ليلة أكثر من مدهشة. فها هو كاتب من لحم ودم يتكلم أمامى. كان تصورى للكاتب فى هذه الأيام البعيدة. أنه مثل النسر المحلق. قادر وقوى وعملاق. عبد الحليم عبد الله كان يعشش بداخله. ويمسك بحنايا قلبه. ويلون إنكسار عينيه. احساس بالغبن والظلم. بسبب استيلاء الشيوعيين على منابر الثقافة فى مصر. هكذا قال لى بالحرف الواحد. حتى هذا العالم السحرى يعانى أبطاله من الاختلالات والمحن. والكاتب الذى رسمت له صورة فى خيالى أقرب إلى الأساطير يقول أنه مظلوم. هاجم كتاباً لا أعرف سوى أسماءهم. وبدت لى مصر "القاهرة" غابة أو أعماق محيط  يأكل الكبير فيه الصغير. تراسلت معه. وزرته فى مجمع اللغة العربية. وفى بيته بعد أن منعه طه حسين من دخول المجمع. كان قد خلا منصب مدير عام المجمع. وعبد الحليم عبد الله. المؤمن بنظرية كرامة الأديب التى تسبق أى كرامة أخرى فى المجتمع. تصور أنه الأحق بالمنصب. ولكن طه حسين عين إبراهيم بيومى مدكور فى المكان. لجأ عبد الحليم عبد الله إلى القضاء الإدارى طاعناً فى قرار العميد. وما أن قبلت القضية وقيدت حتى منعه طه حسين من دخول المجمع لحين الفصل فى القضية. سمعت من عبد الحليم عبد الله كلاماً كثيراً فى وصف الظلم الذى حاق به. وصفات فى حق الظالم. وحكايات شاب لها شعرى قبل أن يشيب عمرى. لن أدون حرفاً واحداً منها لإيمانى أننا فى أمس الحاجة إلى هذه الرموز. وأن النيل منها هو نيل من قدر مصر ومكانها ومكانتها. لكنى رأيت كيف يتصرف المظلوم فى واقع لا يعترف بالكاتب لمجرد أنه كاتب. ولابد من وجود مبرر آخر - غير الكتابة - لهذا الاعتراف به.
على أحمد باكثير. جاء إلى دمنهور فى مناسبة أخرى. كان وجيه أباظة أحد المؤسسين الكبار للبحيرة ودمنهور الجديدة. قد أقام مؤتمراً عالمياً للاحتفال بالشاعر أحمد محرم. يتكلمون الآن كثيراً عن العداء للإسلام. وتهميش الإسلام. واضطهاد المسلمين. فى مصر عبد الناصر. مع أن الاحتفال بأحمد محرم تم فى عز دولة عبد الناصر. وكان جوهر الاحتفال به أنه شاعر إسلامى أساساً. بنى وجيه أباظة دار سينما جديدة ومسرح لكى يقام الاحتفال بهما. وأقام فندقاً خصيصاً من أجل أن ينزل به ضيوف الاحتفال. لم أكن مدعواً من أى جهة. ولكنى كنت موجوداً فى كل مكان جرى الاحتفال به. حماسة الشباب واندفاعه جعلانى لا أراعى الكثير من قواعد الأمور. رأيت كاتباً يجلس دائماً منزوياً بالقرب من أحد الأعمدة لا يتكلم مع أحد. ولا يهتم به أحد. وربما كانت عدم معرفة أحد بى. هى التى دفعتنى إليه. غريبان وسط هذا الزحام. الذى كان بالنسبة لنا معاً: لا أحد. أما الصامت المهجور فقد كان على أحمد باكثير. قليل الكلام. وإن تكلم لا تفهم ماذا يقول إلا بصعوبة بالغة. أعطانى عنوانه. وطلب منى مراسلته وزيارته إن وصلت إلى القاهرة. دونت العنوان صحيحاً على خطابى الوحيد الذى أرسلته له. والذى لم يرد عليه. وأصبح هذا الخطاب بعد سنوات دليل اتهام لى. فى رسالة دكتوراه نال بها محمد بدر حميد درجة الدكتوراه عن باكثير. ووضع رسالتى ضمن وثائق الدكتوراه. وفى سياق حملة الشيوعيين ضد باكثير من أجل تحجيمه وتهميشه. وجد الباحث رسالتى المكتوبة بخط يدى فى بيت باكثير. لدى ورثته. وأخذ أصل الرسالة بخط يدى واعتبره من وثائق رسالته. مع أن الخطاب يقع فى صفحة فولسكاب بخط يدى. كان كله عبارة عن تساؤلات ثقافية وأدبية. فى زمن الصبا والشباب. كان الإنسان يتثاقف. أحاول أن أبدو مثقفاً حتى أمام نفسى. فما بالك أن كانت الراسة لباكثير. عندما جئت إلى القاهرة أخطأت فى نقل عنوان باكثير. الذى كان: شارع الملك عبد العزيز آل سعود بالمنيل. وبدلاً من المنيل دونت المهندسين. ربما لم يكن هناك فارق بين المنيل والمهندسين فى نظرى. عندما كنت أعيش بعيداً عن القاهرة. وكل معلوماتى عنها بالسماع. وذهبت أكثر من مرة وسألت وتهت. وعدت. وأصبح لقائى به فى دمنهور هو الأول والأخير. فى احتفال أحمد محرم بدمنهور رأيت أهل الفن لأول مرة. كان وجيه أباظة قد دعى إسماعيل يسن وفريد شوقى ومحمود المليجى الذين حضروا ليلة الافتتاح فقط وسافروا. لم يكن لى من دور سوى حضور الجلسات التى عقدت عن أحمد محرم والبحلقة فى الذين حولى. فى هذا العالم الأسطورى الجميل. الذى ما كنت أتصور أن أكون جزءاً منه فى يوم من الأيام.
أديب واحد لفت وجودى نظره هو الدكتور سينوت حنا. الذى كتب القصة القصيرة. وإن كان لم ينشر أى مجموعة قصصية. هذا فى حدود علمى. استمعت لقصة واحدة له عنوانها: نظرة. ويبدو أنه كان طبيب أسنان. لأن بطل القصة كان يصف نظرة إلى أسنان مريضته. اقترب منى  سنيوت حنا وسألنى من أكون؟ ولماذا أبدو بعيداً عن الجميع هكذا؟ رغم أننى لم أفارقهم لحظة واحدة. حتى فى الزيارات الميدانية التى نظمها وجيه أباظة للأدباء والكتاب زرنا بحيرة البط البكينى. وذهبنا إلى قرية الأبعادية التى احترقت عن آخرها وأعاد المحافظ بناءها فى أربعين يوماً فقط. كان ردى على سؤال صاحل السؤال أن قدمت له بعض نماذج القليل جداً من نتاجى الأدبى الذى كتبته. ولم يكن قد نشر منه أى شئ. لكن السؤال عندما استقر فى روحى. وترسب فى نفسى. جعلنى أفقد الرغبة فى الاستمرار فى اللعبة. وشددت الرحال إلى الرزيمات. لم يكن فى جيبى سوى سبعة قروش ونصف. هى ما تبقى بعد الإقامة أسبوعاً على نفقتى فى دمنهور. وبها ركبت الأتوبيس الذى ينطلق من دمنهور حتى المطامير مروراً بحوش عيسى. لم يكن الأتوبيس يصل إلى الرزيمات. نزلت على الطريق الأسفلت. ومشيت على قدمى حوالى ثلاثة كيلومترات. على مدق وسط الحقول. وأنا أتذوق من جديد دهشة المشاركة فى مؤتمر شاعر الإسلام أحمد محرم. وصورة على أحمد باكثير بصمته الذى يقول الكثير. الآن أسأل نفسى هل كانت صدفة أن يكون أول كاتبين أعرفهما. من مظاليم تلك الأيام؟. ربما.
 
التكوين: الحلقة الثالثة والأخيرة..
القراءات الأولى.. والكتابات المبكرة
يوسف القعيد
هذه محاولة لتذكر الشاب الذى كنته فى الفترة من يونيو 67. وما قبلها طبعاً. وحتى الخامس عشر من مايو 1969. وهو اليوم الذى صدرت فيه الطبعة الأولى من روايتى الأولى "الحداد" والمشكلة أننى لم أكن أدون يوميات لحظة الميلاد الأول. وعندما أكتبه الآن. "ديسمبر 2005" فإن الكتابة تعتمد على ذاكرة مشهدية بصرية. تحاول استعادة الشاب الذى كان. كنت فى الخامسة والعشرين من العمر وقتها. مضافاً إليه وعيى الآن. لأننا عندما نعود إلى الماضى ونحاول إحياءه وجعله جزءاً من مكونات اللحظة الراهنة. لابد وأن نضيف إليه - بوعى أو بدون وعى - خبرات الوقت الراهن وتصوراته. محاولة إحياء الماضى لا تبقيه ماضياً كما كان أبداً.
كنت مجنداً فى القوات المسلحة "جندت فى ديسمبر 1965 وسرحت فى أكتوبر 1974". تسع سنوات من أخصب مراحل العمر. شهدت خلالها نكسة يونيو ويقظة أكتوبر. وبسبب البقاء فى المعسكرات أطول فترة ممكنة. كانت أكثر فترات القراءة تأثيراً. وأيضاً كان فيها فائض وقت من أجل التفكير والتأمل والاستبطان الداخلى. كنت آتياً من قريتى فى رحلة الانتقال من القرية إلى المدينة. بكل ما يصاحبها عادة. من تغييرات سلوكية. وتبدلات فى النظرة إلى الحياة. إنها مسألة صعبة وربما كانت معقدة. لأن الآتى من الريف يعتبر أن القرية هى مربع تميزه الأول. ولكنه لا يستطيع اعتبار أضواء المدينة كأنها لم تكن. وفى القرية كانت هناك تجربة التدريس. فى أكثر من قرية مصرية. فى مدرسة الرزيمات الابتدائية. وهى قرية على شمال السما. بعدها الصحراء الغربية التى تنتهى عند ليبيا. كانت المدرسة حديثة العهد. وقد سكنت فى المدرسة التى كنت أعمل بها. وذات يوم كنا مدعوين عند أحد شيوخ عرب المنطقة. وكانت معنا صحيفة من تلك التى تصل إلى المناطق النائية بصورة نادرة. كان جيشنا قد وصل إلى اليمن. وبينما كنا نتكلم عن القرار وعن عبد الناصر وحلمه القومى. إذ بصاحب العزومة يصرخ: وأين الملك فاروق؟! أين ذهب؟ كانت إحدى عشرة سنة قد مرت على الثورة. ولو لم أر المشهد بنفسى ما صدقته. وأجواء وأصداء هذه التجربة الفريدة تجدها فى روايتى أيام الجفاف. وإن كان البطل قد أصيب بالجنون. فقد جعلتنى القراءة والكتابة أنجو من نفس المصير. كانت الثورة هى الحدث الأبرز. لو أدخلت وعى لحظة الكتابة على ما مضى. سأكتب أننى تعلمت لأن ثورة قامت فى موعدها. ولكنى آخذ على دولة عبد الناصر غياب الحريات. إنها محاولة للرؤيا. ولكن بأثر رجعى. بل هى بالتحديد انعكاسات أيامنا العصيبة الآن على ما مضى. والذى عشناه بوعى شديد الاختلاف عن رؤى لحظتنا. إن الطبيعة تتعامل مع جبروت الزمن وسيرورته بطريقة أفضل منا نحن البشر. هل لأن الطبيعة لا ذاكرة لها؟. ومن قال أن الطبيعة ليست لها ذاكرة تعمل بطريقة ربما لا نلتفت إليها ولا نوليها اهتماماً. ذاكرة الإنسان هى لعنته التى تصر على مصابحته كظله. يقولون أن الذكرى عمر ثان للإنسان. ولكن بشرط أن تبقى الذكريات فى مربعها الجوهرى. مجرد ذكرى فقط. لا أن نلونها برؤانا الحاضرة. وخبراتنا المكتسبة.
كانت البذرة الأولى قد غرست فى أيام الضهرية ولياليها. مثل كل من يمر بنشوة المراهقة. يلجأ إلى كتابة خطابات حب لحبيبة مفترضة. ربما لا توجد فى الواقع. لم يكن قد وصل لقريتنا كتاب الرسائل العصرية. الملئ بخطابات الحب والهيام والغرام. حسب كل حالة. لذلك كان لابد من الاعتماد على النفس. إنها حالة تصيب كل شباب مصر. أكثرهم يشفى منها. وينسى متاعب العثور على التعبير المناسب. ولكن القلة الشديدة. ربما النادرة من تبقى معه هذه الأعراض. تكبر معه. وتدفعه للقراءة والأهم الاستمرار فيها والبحث عن الكلمة التى يمكن أن توفر له متعة الضنى اللذيذ. كنت - والحمد لله الذى لا يحمد على مكروه سواه - أجد ما يدفعنى إلى الاستمرار فى هذه الرحلة. مع أن السفر فيها لا يكون أمامه عنوان محدد. يهدف الوصول إليه. يعرف المسافر فقط نقطة البداية. أما محطة الوصول. فهى سراب افتراضى يجرى كلما اقترب منه الإنسان. من يتصور أنه وصل يكون الوصول نهايته. ومن يتذوق كلمة النجاح على لسانه. يكون أكبر الفاشلين. إنه الوصول إلى السراب والنجاح الفاشل. أذكر أنهم أخرجونا من المدرسة فى مظاهرة لفت فى داير الناحية. كانت الهتافات المعدة سلفاً تدين المذابح التى قام بها الشيوعيون فى كركوك بالعراق. وفى هذه المظاهرة قلنا الشعر الجماعى عن قضية لا يعرف أحد منا أبعادها. ولكنها كانت رغبة إدارة المدرسة التى كانت تعنى بالنسبة لنا. إن هناك يوم أجازة. نلف البلد ويعود كل منا إلى منزله. بل بدأنا السرسبة خلال المظاهرة. ما أن يصل أياً منا إلى منزله حتى يدخل من الباب. ثم كان مرض الحيرة الكبرى والبحث عن الكتابة التى تحقق للإنسان ذاته. عندما يبدأ الإنسان طريقه. يكون أمامه هدف من ثلاث. حتى وإن لم يدرك هذا. الثروة، السلطة، المعرفة. والإبداع الأدبى جزء جوهرى من المعرفة. هل أقول أنه لا الهدف الأول أو الثانى شغلانى كثيراً؟. لدى أدلتى وبراهينى التى لن أجرى وراء محاولة إثباتها. فقط أقول أن نشأتى الفقيرة. علمتنى القناعة. وبعد ذلك حولتها إلى الاستغناء. الذى أتمنى الحفاظ عليه. لم يكن والدى من ملاك الأراضى. أنا من عائلة لا تمتلك سوى قبورها. ولذلك لم يصبح التملك غريزة عندى. وأبحث فقط عما يكفينى. أما من ناحية شبق السلطة الذى يعذب بعض الناس. فقد سمعت أبى يدعو الله كل مساء: يارب أبات مغلوب أحسن من أن أبيت وأنا غالب. لم أكن أدرك حكاية الغالب والمغلوب. فى ذلك الوقت البعيد. ولكنى تعلمت من هذه المسألة أن السلطان هو البعيد عن السلطان. وأن من يكون مصدر قدوته بداخله أفضل ألف مرة من ذلك الذى يستمد حضوره وتأثيره من مال زائل أو سلطة متغيرة. كلما طغى العمدة فى قريتى كان الفلاحون يضربون كفاً بكف ويقولون: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك.
كتبت المقال الذى لم ينشر كان عن اغتيال لومومبا. ونشرت لى مجلة الرسالة فى إصدارها الثانى "وليس الرسالة الجديدة" مقالاً عن الأحياء الرومانسى فى أدبنا المعاصر. كان تعليقاً على مقال للويس عوض. وقد تناوله أنور المعداوى - الذى لم أكن أعرفه ولم يكن يعرفنى - بقسوة ضارية. ونشرت لى مجلة المسرح. فى ظل ولاية رشاد رشدى. مقالاً عن مسرحية يونانية هى: جسر آرثا. وكان مؤلفها هو جورج ثيوتكا. ولا يذهب خيالك إلى أننى شاهدت العرض فوق خشبة المسرح. ولكنى استمعت إليها ممثلة من إذاعة البرنامج الثانى. يسمونه الآن البرنامج الثقافى. وقد شكل مصدراً ثقافياً شديد الأهمية لى. فى سنوات البعد عن القاهرة. على أن أول أشكال الحكى والسرد "كلمة السرد من مفردات قاموس الأيام الأخيرة" كان قصة قصيرة عنوانها رسالة حزينة. مونولوج يصف رحلتى من رصيف القطار فى محطة السكة الحديد. حتى أول بلاطة من شارع اللوكندات الشهير: كلوت بك. وكانت الرسالة موجهة إلى أمى. وهى ليست بكائية على القرية التى فارقتها مضطراً ولا الرهبة والخوف من المدينة التى عشت فيها مكرها. بقدر ما كانت حكياً وسرداً.  للكيفية التى عبرت بها هذه المسافة. هذه القصة قرأتها فى برنامج كتابات جديدة بالبرنامج الثانى بعد اختيار ابراهيم الصيرفى لها. حملتنى القصة الأولى من قريتى إلى القاهرة وقضيت ليلة فيها. وكانت مكافأة البرنامج الثانى. خمسة جنيهات. صرفتها أربعة ونصف كانت كفيلة بنفقات الرحلة.  والمبيت فى لوكاندة بشارع كلوت بيك وثلاث وجبات الغذاء ثم العشاء ثم الإفطار فى صباح اليوم التالى قبل السفر إلى قريتى مع شرب الشاى بكثرة. وتدخين الجوزة. لم تكن الشيشة قد انتشرت فى المقاهى كما هى الآن. ولم أعد بيدىّ خاليتين. كانت معى بعض الأشياء البندرية. التى لا وجود لها فى قريتى. ربما بقيت معى بعض الفكة من الجنيهات الأربعة والنصف. فكم كان الزمان جميلاً. وكم كان الجنيه له قيمة حقيقية. تعتبر وجوده فى جيبك ثروة. ومازلت أذكر أننى بعد خروجى من الإذاعة - ربما كانت فى مقرها القديم - . كنت أخشى على المبلغ الذى معى من السرقة.
نفس القصة قرأتها بصوتى فى الجمعية الأدبية المصرية. فى مقرها الجديد بشارع عرابى وفى المبنى المقابل لمقهى أم كلثوم فيما بعد. وليس فى المبنى القديم للجمعية بشارع قولة فى عابدين. كنت قد قدمتها لصلاح عبد الصبور. - تعجز كل مفردات لغتنا العربية عن وصف نبله وإنسانيته. وعقد جلسة قرأت القصة فيها. وناقشها الدكتور وليم الميرى الذى اختفى من حياتنا الثقافية. إلى أن قرأت اسمه مؤخراً فى جريدة وطنى يكتب مقالات عن الشأن المصرى من أمريكا. فحمدت الله على أنه مازال على وجه الدنيا. رسالة حزينة قصة لم أنشرها حتى هذه اللحظة. وفى فترة البحث عن القلم والأداة. كتبت برنامجاً خاصاً للبرنامج الثانى. كان عنوانه: شهرزاد على المسرح المعاصر. أخرجه عزت النصيرى. دار حول معالجة توفيق الحكيم وعلى أحمد باكثير وعزيز أباظة لأسطورة شهرزاد. وقد أذيع البرنامج أكثر من مرة من البرنامج الثانى. ومن بعدها بدأ المبدعون يتعاملون معى باعتبارى ناقداً واعداً وأهدونى سيلاً من مؤلفاتهم وكتبهم. مع أننى كنت أعتبر هذا البرنامج مجرد محطة فى رحلة البحث عن القلم والوسيلة. وقد رفضت تحويلة مادته إلى كتاب كما اقترح على مسئول سلسلة كبرى فى دار نشر عريقة. وفى هذه المرحلة كان هناك قاص وروائى. دأب على المشى معى من مقهى ريش فى وسط القاهرة حتى وحدتى العسكرية فى غمرة. لكى نتكلم طول الطريق عن مجموعاته القصصية التى صدرت. وفى كل كلمة إيحاء لى بأننى لو كتبت مقالاً عن قصصه. سيكون ذلك أمراً جميلاً. كانت عروضاً سخية. ولكنها تقال للفلاح الذى تعود على الخوف من أهالى القاهرة وكافة سكان المدن. وقرويتى جعلتنى أتراجع كثيراً. وأفرمل نفسى فى مشوار لو أننى مشيت حتى آخره لتغيرت أشياء كثيرة فى رحلة العمر.
وكتبت نصاً مسرحياً كان عنوانه: جمهورية المعلمة شربات. رآه معى رئيس تحرير مجلة تنشر نصوصاً مسرحية. وعرض علىّ نشره. ولكن سكرتير التحرير حال دون ذلك وحمدته فى سرى. لأن كل هذا دفعنى للاستمرار فى رحلة البحث والدراسة. جمهورية المعلمة شربات كانت النبتة الأولى التى خرجت منها رواية البيات الشتوى بعد ذلك بسنوات. وقد تجمعت لدىّ فى هذه الفترة كتابة أولى عن قريتى الضهرية كان عنوانها: أمسيات قرب قرية الضهرية. كتبتها متأثراً بكتاب جوجول الشهير: أمسيات قرب قرية ديكانكا. وبعد أن نويت نشره فى مشروع الكتاب الأول. وذهبت إلى مقر ثقافة دمنهور للحصول على شروط النشر. تحول مشوارى بفضل فطنة وذكاء مسئول القصر مصطفى حسن البسيونى. إلى مشاركة فى مناقشة رواية لعبد الحليم عبد الله. وقد حدث أن أهدانى عبد الحليم عبد الله بعض مجموعاته القصصية. كتب عليها إهداء بخطه الجميل. ومع القصص. خطاب منه إلى أحمد حجازى. كان مخرجاً فى إذاعة الشرق الأوسط الوليدة فى ذلك الوقت. وقد ذهبت إليه ورحب بى. ولكنى عندما كنت أستعد لكتابة السيناريو والحوار. كانت روايتى الأولى قد بدأت تتخلق فى خيالى. وتداعب وجدانى. قلت لنفسى إن كنت قادراً على أن أبنى دارى الخاصة بى. لماذا أخدم على بناء الآخرين؟ حتى وإن كنت أحبهم مثل حبى الشديد لعبد الحليم عبد الله. وهكذا صرفت النظر عن حكاية الإعداد وكتابة السيناريو والحوار رغم الإغراءات الكامنة فيها.
على أن هذه المرحلة أوصلتنى إلى عمل البداية. وذلك من خلال أكثر من درب. كنت قد قضيت فى القاهرة خمس سنوات مجنداً فى القوات المسلحة. حيث جرى الاختلاط والاحتكاك بمن يكتبون. لم يعد الأمر مجرد قراءة فقط. ولكن تفاعل وتعامل مع أن القراءة وحدها أكثر من مهمة. فى ذلك الوقت البعيد لم يكن وارداً بالنسبة لى العمل بالصحافة أبداً. وبعد صدور رواية الحداد عرضت على أعمال فى الصحافة. وكان تصورى لمستقبلى أننى بعد انتهاء فترة القوات المسلحة. سأعود إلى قريتى الضهرية مركز إيتاى البارود محافظة البحيرة. والبس جلباباً بلدياً. وأمسك عصا فى يدى وأعيش بين الفلاحين وأكتب عنهم. كانت هذه الصورة قد انطبعت فى ذهنى منذ أن زرت عبد الحليم عبد الله فى قريته كفر بولين بكوم حمادة. وأنا متأكد أن هذه الزيارة قد تمت فى أجواء ما بعد الخامس من يونيو 67. لأن فى الذاكرة حدثاً مهما وقع خلال رحلتى من قريتى الضهرية إلى قريته كفر بولين. كان من المفروض أن أغير القطار فى إيتاى البارود. قصدتها من التوفيقية. وفى إيتاى البارود انتظرت حتى جاء قطار خط المناشى. وركبته حتى كوم حمادة. ومنها بسيارة أجرة بالنفر حتى كفر بولين. خط المناشى استخدمته بعد ذلك بعامين عندما مات عبد الحليم عبد الله فجأة. وفى حادث مأساوى. وسافرت عبر هذا الخط الذى لا حد لوحشته. المهم أننى فى رحلتى الأولى إلى عبد الحليم عبد الله وأنا فى انتظار قطار خط المناشى فى بوفيه محطة السكة الحديد. بإيتاى البارود جرى نقاش بينى وبين مسئول الاتحاد الاشتراكى بإيتاى البارود. - عرفت فيما بعد أنه كان فى التنظيم الطبيعى الذى كان يسمى طليعة الاشتراكيين - وبمثل قوة اقتناعم فى الكلام السابق عن الاستقرار والاستمرار. أصبحوا يتكلمون بنفس الثقة عن حتمية التغيير. وأن يكون هذا التغيير من القمة إلى القاع. لكن هذه الزيارة أكدت لى أهمية أن يبقى الكاتب فى قريته بين أهله وناسه. وإن كان عبد الحليم عبد الله نفسه بعد عودته إلى القاهرة. كتب لى رسالة يشكو فيها من القاهرة والحياة فيها. وكانت أزمته مع طه حسين قد وصلت إلى ذروتها. فى ذلك الوقت. وإن كنت - من تلقاء نفسى - قد اكتشفت صعوبة البقاء فى قريتى. وأن أصبح. فى نفس الوقت. جزءاً من واقع ثقافى مصرى. هل كانت العودة إلى القاهرة صواباً؟ هل كانت خطأ؟ أميل إلى الإجابة عن السؤال الثانى. بنعم. ولكن الإنسان عند لحظات الاختيارات الكبرى قد لا يوفق إلى الصواب.
أتوقف أمام قراءتى السابقة مباشرة على كتابة الحداد التى كان عنوانها: الحداد يمتد عاماً آخر. وقد رفضت الرقابة بقية العنوان. كان ذلك فى أواخر 68. ومع هذا فقد استمر الحداد حتى الآن. ذلك أن يوم الخامس من يونيو 67 هو اليوم الذى مازال مستمراً بداخلنا وحولنا حتى هذه اللحظة. ربما أكثر من تأثيرات يوم السبت السادس من أكتوبر 73. وعندما غيرت عنوان الرواية إلى عنوان جديد هو: الحداد يليق بأهل مصر. جرى الاعتراض رقابيا عليه أولاً. ثم نبهنى صديق إلى أن هناك ثلاثية للكاتب المسرحى الأمريكى يوجين أونيل عنوانها: الحداد يليق بإلكترا. فصرفت النظر عن هذا العنوان. وبقى الحداد فقط. ولأنها لم يتم تشكيلها على الغلاف. فقد قرأت الحدّاد بشدة مفتوحة على الدال الأولى. خاصة أن الكثيرين يكتفون بقراءة العنوان. وهم يلهثون ويجرون.
كانت هذه القراءات متنوعة. ومن محاسن نكسة 67 - إن كانت لها محاسن - أن المجتمع المصرى اكتشف قواته المسلحة. كنت تمشى فى الشارع فترى أن نصف سيارات النقل السائرة حولك مكتوب عليها المجهود الحربى. وعبارات: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. معلقة فى كل مكان. وهكذا وصلت الكتب إلى وحدتنا من كل مكان فى بر مصر. هدايا لنا. وقد اكتفيت بها. علاوة على ترددى الدائم إسبوعياً على سور الأزبكية فى مكانه القديم. توقفت أمام كتابة شتاينبيك. خاصة قدرته الفريدة على التعبير عن أفكاره بعيداً عن الصراخ والمباشرة. وهيمنجواى القادر على الاختصار والاختزال والحياد فى رصد الواقع الذى يوشك أن يصل إلى حدود الإعجاز وديستوفيسكى فى علاقته بالنفس البشرية. أو بالتحديد علاقته بأعماق النفس البشرية. والتجول الروائى فى غاباتها ودروبها. من خلال كتابة تفرض قوانينها الخاصة على الروائى نفسه. كان ديستوفيسكى مطارداً بالدائنين. وكان يكتب رواياته حلقة بحلقة مع عملية نشرها. رغم أننى عندما زرت متحفه بعد ذلك بثمانى عشرة سنة. وكان فى الأصل بيته فى مدينة ليننجراد. - قبل أن يغيروا إسمها - اكتشفت أنه كان رب أسرة منظم جداً. يحتفظ حتى بفواتير شراء الخطار والفاكهة واللحوم والأسماك من المحلات. ولكن مخطوطات روايته الجريمة والعقاب. تثبت مدى العناء الذى كان يواجهه فى الكتابة الصفحة أكثر من غابة. تعريجات وخطوط وإضافات. فى كل مكان. تشيكوف خاصة فى ترجمات الدكتور القصاص هو الذى حول نثر الحياة اليومية إلى شعر. قصصه نادرة التأثير فى النفس. وعندما زرت متحفه فى موسكو. وهو واحد من متاحف مخصصة له فى أكثر من مكان. كان عبارة عن الشقة التى عاش بها. وعندما وقفت وراء ماكينة الخياطة التى كانت تملكها شقيقته. ورأيت باب غرفته الموارب. أدركت الأساس الذى خرج منه ثراء عالم تشيكوف. أيضاً توقفت طويلاً أمام النفس الملحمى فى حكى تولستوى وثراء عوالمه. ونهرية كتاباته. وشمول رؤيته. هل يمكن نسيان السطور الأولى فى روايته أنا كارنينا عن البيوت السعيدة والأسر التعيسة. أن تأثير هذا المدخل يصل إلى مستوى ما تفعله بنا مقدمات السيمفونيات العظمى فى التاريخ الموسيقى. وإيفو أندريتش. وعلاقته الفريدة بالمكان. خاصة فى روايته: وقائع مدينة ترافينك. التى لا حد لجمالها. رغم أنها أقل شهرة من روايته: جسر على نهر درينا. ولو قرأ هذا الكاتب بعناية. ما تمزقت بلاده. لأنه يحذر بشكل فنى راق. وشعرى من كل ما جرى لبلاده مؤخراً. كنا نقول عنه الكاتب اليوغسلافى. ولكن أين هى يوغسلافيا الآن؟ الغريب أنهم حطموا تمثاله. بدلاً من أن يعتذروا له عن عدم قراءتهم له. التى كان يمكن أن توفر عليهم الكثير من الأهوال. سبقت هذا وتواكبت معه قراءات فى أدبنا المصرى والعربى. نجيب محفوظ كروائى. ويوسف إدريس ككاتب قصة قصيرة. مغامرة صلاح عبد الصبور فى تطوير القصيدة. وكتابة المسرحية الشعرية. ونثره الذى لا يقل جمالاً عن شعره. وإنسانيته الفياضة فى التعامل. وفى المسرح توقفت أمام تجارب سعد الدين وهبة وألفريد فرج ونعمان عاشور. شاهدت عروضهم قبل قراءة نصوصهم. فى زمن كانت أضواء المسرح المصرى مازالت مضاءة. ثم هل يمكن نسيان لويس عوض مبدعاً وناقداً؟ وجمال حمدان واضعاً أيادينا على روح مصر ابتداء من كتاب عمره: شخصية مصر دراسة فى عبقرية المكان الذى صدرت طبعته الأولى وكتابته المختصرة الأولى فى كتاب الهلال صباح الإثنين الخامس من يوني 67. وكان قلب مصر قد أصبح حفرة مليئة بالدماء. والدكتور سيد عويس فى دراساته المهمة هتاف الصامتين. محاولة فى تفسير الشعور بالعداوة. الخلود فى التراث الثقافى المصرى. وهل يمكن نسيان حامد عمار وكتابه المؤسس: فى بناء البشر. والذى وضع فيه أسس شخصية الفهلاو المصرى. وعبد الباسط عبد المعطى ودراساته عن الريف: توزيع الفقر فى القرية المصرية. وكتاب الأب هنرى عيروط اليسوعى: الفلاحون. وكتاب محمود أبو رية: حياة القرى.


**********
نقلاً عن مجلة الهلال و بموافقة الكاتب الكبير الاستاذ  يوسف القعيد




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home