دراسات هامة

 

لقاء / يوسف العقيد 1

أحمد طايل



أجرى الحوار / احمد طايل
جمهورية مصر العربية

يوسف القعيد
          المواطن المصري
------------------
هجوم السادات على جماعة المثقفين وراء تراجع المشهد الثقافي المصري حتى الأن .
لم اقصد ان اكون مؤرخ للقرية المصرية ولكنها الواقع الذي اعيه جيدا.
انا بخلاف كل كتاب مصر بدأت بالرواية والقصة القصيرة مجرد استراحة لي .
جئت لهذا العالم لاعترض .
خسارتي مؤقتة ودوام الحال من المحال .
ليالي بدون حلم هى ليالي قحط وجفاف .
الكتابة لا تحيا الا بنظرات من يقرأها .


* رحلة طويلة مع الكتابة والإبداع فى مجالات عدة ..حدثنا عن البداية وعن أهم المحطات الهامة فى هذه الرحلة والمحطات التى تود نسيانها تماما والأسباب وظرف البيئة والمناخ الذى أخذ بك الى طريق الإبداع ؟
** أبدأ من الفقرة الأخيرة فى السؤال. الحمد لله. أننى لا توجد فى حياتى محطات أريد نسيانها أبداً. بل أعتقد أنه من أهم صفات عمرى الذاكرة القوية التى أسميها ذاكرة الأفيال. أن ذكريات الطفولة تزداد نصوعاً كلما تقدم بى  العمر. وتولستوى هو الذى قال فى مذكراته أنه كلما تقدم الإنسان فى العمر. كلما ازدادت ذكرياته القديمة وضوحاً. أعود إلى البداية. أعتقد أنها جاءت من الحياة فى القرية. طبيعة الحياة فيها وعملية الزراعة نفسها. التى تعد مدرسة متكاملة فى تعليم الصبر. والوقت الذى يفيض عن حاجة الناس فى القرية. ومواجهة ظواهر الحياة بالحكايات والتغلب على صعوبات العمل بالغناء. كل هذا خلق جواً فنياً. وضعنى فى موقف الحكاء. كما أن أمى - أطال الله فى عمرها - بذرت بداخلى بذرة الحكى هذه. لأنها كانت ومازالت حكاءة من النوع النادر. وإن كانت ذاكرتها تخونها فى بعض الأحيان مؤخراً. ولكن لابد وأن أعترف أن نصف رواياتى - إن لم يكن أكثر - سمعت الفكرة الجوهرية أو البدرة الأولى منها. خلال حكاياتها الكثيرة والمتنوعة. كانت حياة القرية وظروفها. وحكايات أمى هى نقطة البدء. هذا ما أستطيع قوله الآن. وعموماً يمكنك العودة إلى مقالات ثلاث نشرت فى مجلة الهلال. تحت مسمى التكوين أرسلتها لك. وهى كلها تجيب على هذا السؤال وعلى غيره من الأسئلة بصورة مباشرة.
*   (الضهرية) مكان النشأة .. ماذا تمثل ليوسف القعيد ألا تشعر حيالها بوجع البعاد.. وما تمثل لك قاهرة المعز؟
** هذا سؤال مركب عن الضهرية. وعن القاهرة. عن قرية النشأة والبداية. وعن مدينة مشاهد النهاية. وأقول لك بصدق أننى ما كنت أرغب فى أن أعيش فى القاهرة. لولا أننى اكتشفت أنها مدينة تنوب عن وطن أو تلخصه كله. بجميع ما فيه. فى القاهرة دور النشر والصحف والمسارح وربما دور السينما. هل تعرف أن 50% من المهندسين الزراعيين المصريين يعيشون فى القاهرة التى لا توجد فيها أى زراعة. لقد عشت فى القاهرة مضطراً. واكتشفت بعد أن عشت فيها كل هذه السنوات. التى توشك أن تصل إلى ثلثى سنوات عمر الإنسان. أن الإنسان لا يمكنه استبدال قرية طفولته. بأى مدينة أخرى يمكن أن يعيش فيها. إنها تصبح جزءاً منه. ومن وجدانه.
أما الضهرية. فهى القرية التى تلخص مصر كلها بالنسبة لى. إنها ليست قرية. ليست أرضاً زراعية وبيوتاً. إنها مصر بالنسبة لى. والعمل الذى حصلت على أجازة من عملى لكى أكتبه رواية عن الضهرية. من سنة ميلادى 1944. وحتى سنة 1984 كان عمرى وقتها أربعين عاماً. وفى هذا العام 1984 احترقت الضهرية عن آخرها. وكأنها بذلك تضع كلمة النهاية لروايتى عنها. فإن كان الفيضان هو الحدث الأول الذى أعيه جيداً. فإن الحريق المروع كان ختام الأربعين سنة الأولى من عمرى. إن الفيضان يعنى خطر المياه. لقد أتى فى القرآن الكريم: وجعلنا من الماء كل شئ حى. إن الماء هو الحياة. ولكنه الخطر والفناء أيضاً. والنار من عناصر الطبيعة الإنسانية الأولى أيضاً. من حسن حظى أن الضهرية قرية أم. فيها المدرسة والمستوصف والمركز الاجتماعى. ومركز الشباب ويتبعها عدد من العزب الصغيرة. وإن كانت لم تعرف الإقطاع بمعناه المعروف. كان فيها أغنياء. وملاك أراض. وفيها أيضاً فقراء وأنا واحد من هؤلاء الفقراء. ولكنها لم تعرف المعدمون تماماً من حيث الفقر. أو الذين يقول عنهم علماء الاجتماع. يعيشون تحت خط الفقر. ولم تعرف الإقطاع من حيث الغنى. كانت كما يقولون قرية وسطاً. وهذه الوسطية أخرت كثيراً بالواقع الاجتماعى لقريتى. فلم تعرف الانتقالات الاجتماعية الكبرى. من محاسن صدف الضهرية. أنها يحدها من الشرق بحر النيل. وهم يقولون عنه بحر تعبيراً عن كبره. ومن الغرب ترعة ساحل مرقس. التى تبدأ من التوفيقية. من الرياح الإبراهيمى. وتنتهى عند رشيد.
الضهرية اسم لسبع قرى فى الوطن العربى. بناها الظاهر بيبرس. علاوة على حى باسمه فى القاهرة. وقد اهتديت إلى قريتين فى مصر تحملان اسم الضهرية. واحدة مركز شربين بالدقهلية. والثانية كانت قريبة من الإسكندرية. وأصبحت جزءاً من حى غيط العنب. وفى هذه القرية ولد جمال عبد الناصر. ولم يولد فى بنى مر. التى كان ينتسب إليها والده وأهله. واهتديت إلى قريتين فى الوطن العربى اسمهما الضهرية. واحدة فى فلسطين المحتلة اهتديت إليها خلال متابعة أخبار الانتفاضة الفلسطينية البطلة. والثانية زرتها فى جنوب العراق. والغريب أنها تقع ضمن محافظة اسمها الناصرية. إن الضهرية تشكل جزءاً جوهرياً من حياتى. ومن قصتى. وكل رواياتى تدور أحداثها فى الضهرية. أو القرى المحيطة بها. وقد وردت فى الروايات بأسمائها الموجودة فى أرض الواقع. لقد أعجبتنى فكرة كاتبين أمريكيين هما: جون شتاينبيك ووليم فوكنر. حيث أسس كل منهما جمهورية فاضلة تخصه. قدم أعماله الأدبية من خلال أعمال موجودة فى أرض الواقع كما هى. ولذلك تجد أن رواياتى الأولى تجرى أحداثها ما بين الضهرية. ومركز إيتاى البارود ومدينة التوفيقية. وقرية السوالم بحرى. والسوالم قبلى. ودميسنا. ونكلا العنب. وهى كلها قرى موجودة بهذه الأسماء فى أرض الواقع. تحيط بالضهرية من كل جانب.
*  من هم الأدباء والمفكرين الذين تأثرت بهم (عربيا وغربيا) وكيف كان هذا التأثير ومداه وأسبابه؟
** مسألة التأثر بكاتب معين تتغير من عمر لآخر ومن سنة لأخرى. هل من حقى الآن الكلام عن الذين أعجب بهم الشباب الذى كنته فى النصف الأول من ستينيات القرن الماضى؟. أم عن الذين استمروا معى حتى هذه الأيام؟.
الأدباء بالنسبة لى نوعان. نوع قرأت له وأعجبت به ولم أعرفه شخصياً. ونوع عرفته ثم قرأت له بعد ذلك. وأضافت المعرفة بالسلب والإيجاب إلى التعارف الأول القائم على القراءة فقط. مصرياً وعربياً أعجبت فى سنوات البداية الأولى بنجيب محفوظ كروائى. ويوسف إدريس كمبدع قصة قصيرة. وصلاح عبد الصبور كشاعر وسعد الدين وهبة ككاتب مسرحى. ولويس عوض كناقد. من الطبيعى أن تكون هناك إعجابات استمرت حتى الآن. وأيضاً قد يتخلى الإنسان عن بعض من معجبيه. وقد يضيف لهم. وقد يعيد النظر فى هذه الإعجابات.
والحمد لله أن الذين تأثرت بهم من الأدباء. قرأت لهم أولاً. ثم تعرفت عليهم بعد أن أصبحت كاتباً. قد استمر إعجابى بهم بعد التعرف. فشخصيتهم لم تسبب نفوراً لى من إبداعهم الإدبى. لقد أزداد حبى لصلاح عبد الصبور بعد تعرفى عليه. وأيضاً فإن صفات الفنان التى كان يتصرف بها يوسف إدريس فى علاقاته الإنسانية زادت من محبتى له. إن نوازع الفنان فى أعماق يوسف إدريس قد زادت من محبتى له. شطحات لويس عوض كثيرة. ولكنه كان أقرب للناقد الفنان. وكانت هذه الشطحات تقربه من الآخرين. وتزيد من ارتباطه بهم. ونجيب محفوظ تلخصه كلمة واحدة هى التنظيم. ما من صاحب مشروع كبير إلا ولا بد وأن يكون منظماً فى حياته. وفى هذا اكتشفت أن جزءاً جوهرياً من قدرة الأستاذ محمد حسنين هيكل هى قدرته الفائقة على التنظيم. وهو الأمر الذى لم يقدر عليه. عدد كبير من أبناء جيلى. الذى قد يكون أقرب إلى الفوضى. على أن الإعجابات المبكرة تخطت الحدود. يعجبنى فى تولستوى كل هذا التدفق فى الحكى. خاصة فى رائعته "أنا كارنينا" أنا تبدو لى كما لو كنت قد عرفتها فى الحياة اليومية. أعجبنى فى تشيكوف كل هذا الشجن وتحويل نثر الحياة اليومية إلى شعر حقيقى. أما ديستيوفيسكى فقد تأثرت كثيراً بعلاقته بالنفس البشرية. من الداخل أو فى أعمق أعماقها. عندما سافرت إلى الاتحاد السوفيتى - الذى كان طبعاً - إلى موسكو ولينجراد وزرت متاحف تولستوى وتشيكوف وديستيوفيسكى زادت معرفتى بهم. وفهمت الكثير من غوامض رواياتهم. خاصة هذا العذاب الإنسانى الذى يتجلى فى قصص تشكوف. شتاينبيك كاتب أضاف لى الكثير. إنه الوحيد الذى عبر عن فكرة فى رواياته. دون أن يتم ذلك على حساب البعد الجمالى فى أعماله الروائية.
قبل هؤلاء جميعاً. هناك نصوص أدبية. أثرت فى ولولاها ما كتبت. هناك قصص القرآن الكريم. وفيها كل منجزات الحكى الحديث. المونولوج والديالوج والفلاش باك لها وجود فى قصة سيدنا يوسف. وفى قصة مريم. وقصص العهد القديم والعهد الجديد. أيضاً فإن ألف ليلة وليلة. وشخصية شهرزاد. التى تلخص طفولة الحكى الإنسانى كله. إن ألف ليلة وليلة. هى العمل الوحيد الذى أتمنى لو أننى فقدت ذاكرتى حتى أنساه. فأعيش من جديد لذة قراءة هذا النص الجميل والممتع. ثم هل أتكلم عن رواية حافة الليل لأمين ريان. ورواية جسر على نهر درينا لا يفو آندرش. ودون كيشوت فى ترجمة عبد الرحمن بدوى. وهى الترجمة الأكمل بما فى ذلك ما فيها من هجوم المؤلف الأسبانى على شخص الرسول صلى الله عليه وسلم. هل يمكن إغفال الكاتب البرازيلى جورجى أمادوا ورواياته الجميلة والبديعة. التى تقدم واقعاً ربما كان الأجمل من الواقع الذى نعيش فيه. وهل أغفل كاتبى المفضل اليابانى "كاوباتا" الذى سافرت إلى اليابان وذهبت إلى المكان الذى انتحر فيه بعد حصوله على نوبل. لأن ينابيع الإبداع بداخله كانت قد جفت. وعندما عجز عن الكتابة. قرر عدم الاستمرار فى الحياة. وانتحر.
  *  هل قصدت أن تكون مؤرخا للقرية المصرية ولماذا كل هذا الحزن الشفيف الذى ينبعث من عالمك ؟
** صدقنى لم أفكر فى أن أكون مؤرخاً للقرية المصرية. لقد كتبت عن القرية لأنها تمثل الواقع الذى أعرفه جيداً. ولا تنسى أننى أكتب الرواية. التى هى فن التفاصيل الصغيرة. ولابد من وجود معرفة حقيقية بتفاصيل هذا الواقع. إن العمل الأول الذى يكتبه الكاتب. يشكل بذرة عالمه الروائى. الذى يستمر فيه بعد ذلك.
أما الحزن الذى يجده القارئ فى رواياتى. فتلك مسألة هامة. وهذا الحزن موجود لأننى إنسان حزين. وقد لفت الأستاذ نجيب محفوظ نظرى إلى أننى فى الحياة العامة فكه. وأقول كثيراً من الكلام الذى يمكن أن يكون مضحكاً. ومع هذا. فإن كتاباتى تقطر حزناً. قلت له.. وأنت أيضاً ابن نكتة كما يقولون. وقبل الوصول لسؤالى له قال لى. عندى كثير من الأبطال الذين يلقون الكثير من النكت. قال لى صلاح عبد الصبور مرة. أن الحزن ابن التأمل. ومحاولة التفكير فى ظروف الحياة وأنه رأى الحزن واحد من سمات البشر فى كل زمان ومكان. لا أستطيع أن أصدر تعليمات لنفسى. قبل الجلوس للكتابة. بأن أكون حزيناً أو أن أرفض الحزن. تلك مسألة لا تتم بقرارات. إن جزءاً كبيراً من اللا وعى تتم من خلاله. ومن يقول لك من الأدباء أنه قرر أن يكتب فكاهة ونجح فى ذلك. كاذب فى أصل وجهه. فالعملية الإبداعية يتم جزء كبير منها فى منطقة اللاوعى. أو الوعى الخفيف. أو الإدراك الذى لا يمكن السيطرة التامة عليه.
*   ما هو مدى الحلم عند (يوسف القعيد)؟
** الحلم ومكانه فى حياتى. كأنك تقرأ أفكارى. لدى تخطيط. لأن أكتب نصاً روائياً عن الحلم. إن الحياة لا تطاق لو كانت بدون أحلام. وأنا لا أقصد أحلام النوم فقط. ولكن أحلام اليقظة أكثر. التى اعتبرها أكثر أهمية من أحلام النوم. لا أعرف ماذا كنت سأضع كتابى بدون القدرة على الحلم. إن حجم مصر الآن هو فقدان القدرة على الحلم. وإعادة هذه القدرة إلى الناس تسبق غيرها من الأمور الأخرى.
للحلم مكان كبير فى حياتى والليلة التى تمضى بدون أحلام. أعتبرها من ليالى القحط والجفاف. وعندما يأتى الحلم أعيش لحظات نادرة من السعادة الإنسانية.
*   هل للحياة اليومية فى مجتمعاتنا النامية أثر فى حياة الكاتب والى أى مدى يكون هذا التأثير؟
** لأى مجتمع أثر فى حياة المواطنين الذين يعيشون فيه والكاتب إنسان قبل أن يكون كاتباً. وللمجتمع الذى يعيش فيه تأثير بالغ وكبير عليه. إنه هو الذى يشكل وجدان الكاتب ووعيه. ومورثه الإنسانى. وبدون المجتمع من الصعب إن لم يكن من المستحيل. أن يعيش الإنسان. أن التأثر والتأثير متبادل. فكما يؤثر المجتمع فى الأفراد. فإن البعض منهم يؤثرون فى هذا المجتمع.
وهذا يجرى فى كافة المجتمعات سواء أكانت نامية أو متقدمة. منذ مجتمع الغابة. وصولاً إلى الحياة فوق سطح القمر. فإن المجتمع لابد وأن يؤثر فى حياة الناس الذين يعيشون فيه. فضلاً عن أن هذا المجتمع يشكل الموضوع الذى يكتب عنه الكاتب. بصرف النظر عن الشكل الفنى الذى يكتب من خلاله. ابتداء من المقالة اليومية. وصولاً إلى الملحمة الشعبية الطويلة. مروراً بالقصة القصيرة والقصيدة الشعرية. والنص المسرحى والرواية القصيرة أو القصة الطويلة. والرواية. ما دام يكتب لا بد أن يكتب عن واقع يسكنه بشر. وتنتج الدراما الإنسانية من خلال العلاقة المعقدة بين البشر والواقع الذى يعيشون فيه.
*   ما هى من وجهه نظركم مهمة الأدب فى مجابهة الأخطار والمتغيرات التى تهدد هوية الأدب والثقافة العربية؟
** أفضل الكلام عن أدباء وليس عن الأدب. لأن الأدب منتج. يبدعه أدباء. الأخطار التى تهدد هوية الأدب كثيرة. ومن يدافع عن الأدب هم الأدباء. سواء بإبداعهم أو مواقفهم اليومية. أما من حيث الأخطار فهى كثيرة ومتجددة. منذ الاستعمار القديم وصولاً إلى العولمة. التى تقوم على فكرة رفض كل ما يميز أى شعب من الشعوب. والتركيز على العموميات التى تجمع الشعوب مع بعضها البعض. وعندما ندرك أننا شعب متخم بالتاريخ وبالحضارة. فى مواجهة أمريكا. التى هى عبارة عن شعب من المهاجرين من كل مكان فى الدنيا. أى أننا نعانى من زيادة فى التاريخ والحضارة. وهم يعانون من جوع للتاريخ. وجوع للحضارة. إذاً فنحن الهدف الأول أمام مخططاتهم تجاهنا. وواجب الكتاب يأتى فى المقدمة من كل فئات المجتمع المصرى. لا بد من رفض هذه المخططات وكشفها للناس. وتبصيرهم بمصالحهم ومصالح الوطن الذين يعيشون فيه. هذا واجب كل كاتب وطنى. ولكن ليس معنى هذا أن الكتاب جميعاً يؤمنون بهذا الواجب ويقومون بالمطلوب منه. فهناك من الكتاب من يغلب مصلحته الشخصية على مصالح الوطن. وهناك أيضاً من يعتبر أن مشكلة الوطن مشكلته. حتى وإن لم يعان منها.
*   ما هو دور الأدباء والكتاب نحو مجتمعاتهم ؟وهل تشبه علاقة الأديب بمجتمعه فى المجتمعات النامية علاقته فى الدول المتحضرة والمتقدمة؟
** دور الكاتب فى مجتمعه يتحدد وفق فهمه لرسالته ودوره. هناك كتاب يقول لك الواحد منهم أنه يكتب لأن الكتابة تعالجه من هموم. وهناك من يعلن أنه يعيش فى برج عاجى. ولا تطلب منه أى دور فى المجتمع. الكاتب الواقعى مثلى يؤمن أن كل حرف يخطه يكون فى خدمة المجتمع. ومن أجله نهوضه ودفعه إلى الأمام. ولكنى لا ألزم أحداً غيرى بهذا الكلام.
فى الجزء الثانى من السؤال لا أحب وصف أو تعبير الدول المتحضرة. لأن هؤلاء الذين يوصفون بالتحضر يمارسون ضدنا فى العالم النامى. أبشع ألوان القهر. انظر إلى ما يقومون به فى فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال وجنوب السودان. وهذه مجرد أمثلة على هول ما يقومون به ضدنا.
واختلاف ظروف المجتمعات يؤدى بدوره لاختلافات فى الأدوار. وأيضاً لابد وأن نضع فى الاعتبار فروق الكتاب الفردية. فهل يتساوى التزام هنرى ميللر تجاه واقعة مع التزام شتاينبيك مثلاً؟ مع أنهما ينتميان لدولة واحدة ومجتمع واحد هو المجتمع الأمريكى. ولزمن واحد هو القرن العشرين.
*   هل هناك علاقة بين الأدب والسياسة وكيف تكون هذه العلاقة وما الفرق بينهما عربيا وغربيا؟
** فى كل أدب سياسة. حتى لو كانت قصيدة حب. فإن فيها قدر من السياسة. من الخطأ تصور السياسة على أنها العمل السياسى المباشر. وكلما كان تناول هذه السياسة بعيداً عن المباشرة والظهور المباشر للكاتب. لكان ذلك أفضل. إن الإنسان العادى يتعرض فى يومه للعديد من التأثيرات ومنها السياسة. أيضاً فهو يفكر فى أمور سياسية. ولكى يكتمل تناول الإنسان فى الأعمال الأدبية. لابد وأن تكون هناك سياسة ولكن بدون فجاجة فى التناول.
ومن ناحية الجزء الثانى من السؤال لا أعتقد أن هناك فوارق بين التناول السياسى فى الأدب بين الشرق والغرب. إن كان هناك فارق ربما كان بين الدول الإشتراكية والدول الرأسمالية. كان هناك التزام فى الدول الإشتراكية. وفى المقابل كانت هناك حرية أو حريات فى الدول الرأسمالية. ستقول لى أن الدول الإشتراكية تسكن التاريخ الآن. بعد سقوط الاتحاد السوفيتى المدوى. ولكنى أقول لك إن الرأسمالية وصلت إلى طريق مسدود. انظر إلى هزيمة المشروع الصهيونى. صحيح أنهم يحتلون فلسطين. والغرب كله يقف معهم. ولكن الأهداف الحقيقية التى قامت إسرائيل من أجلها. لم يتحقق منها شئ. يهود الشتات لم يعودوا كلهم. بل إن هناك هجرة عكسية الآن من داخل إسرائيل إلى الخارج. تتزايد كل يوم. كذلك فإن المشروع الأمريكى فى أفغانستان سقط. وفى العراق فى طريقه إلى السقوط. ليس معنى هذا أننا فى أحسن الأحوال. لكن الأمل يلوح فيما يسمى الآن. بالطريق الثالث. الذى لا هو اشتراكية ولا هو رأسمالية. وأنا ألمح كثيراً من الذين يؤمنون بهذا الطريق ويسيرون عليه. ويتزايدون كل يوم.
* هل استطاع الكتاب السابقون واللاحقون تحقيق ولو جزء بسيط مما يناضلون من أجله؟
** هذا ليس سؤالاً. إنه مشروع كتاب. حتى فى الشطر الأول منه. عن الكتاب السابقين. ولكن هل يمكن السؤال عن الكتاب اللاحقين. دون إيضاح محدد عن المقصود بالسابق؟ والمقصود باللاحق؟ أى سابق؟ هل هو السابق علينا؟ واللاحق هل هو المعاصر لنا؟ إن التعميم خطر. من المستحيل الكلام عن كتاب حققوا ما كانوا يناضلون من أجله. لأن ذلك يتطلب معرفة الأهداف التى كان يناضل من أجلها كتاب سبقونا. وكتاب لحقونا. وهو أمر أكثر من صعب.
* كيف ترى المشهد الثقافى الآن؟
** هذا سؤال صعب أيضاً. لأنه يتكلم عن أمر آنى. يتغير من لحظة لأخرى. وأنت كلمتنى عن مشروع كتاب. أى أنه ضد فكرة الآنية فى التناول. لا ثوابت فى مثل هذا الموقف. وبالتالى فإن مشروع الإجابة مسألة غير مضمونة.
   *   هل يوجد لدينا فى الوقت الحالى نقد حقيقى وفعال لخدمة الأدب؟
** أعترض على الجملة الأخيرة من السؤال. والتى تحدد دور النقد فى خدمة الأدب أى خدمة؟ وأى أدب؟ أقول لك أن لدينا إبداع أدبى جيد. لا يواكبه نقد أدبى. وذلك لأن الإبداع مسألة فردية. يكفى أن يغلق الكاتب باب مكتبه أو بيته عليه ثم يكتب. فى حين أن النقد مرتبط بالواقع الذى يعيش فيه الكاتب. مرتبط بمدى قبول المجتمع لفكرة النقد نفسها. وهى للأسف الشديد. فكرة لا تلقى قبولاً من المجتمع. دعك من الذين يقولون عن أنفسهم أنهم من أهل الديمقراطية. ويقبلون فكرة النقد ويرحبون بها. ولكن هذا كلام نظرى. ما أن نصل إلى أرض الواقع حتى نجد الرفض الكامل لفكرة النقد والانتقاد. لدينا نقد انطباعى صحفى. وهو ليس نقداً. بمعنى أن النقد هو تبيان المحاسن والعيوب. كما أن هناك مدارس من النقد الأدبى تحاول ربط النص الأدبى بصاحبه والنص بغيره من النصوص. والنص بالواقع المكتوب عنه. إلى جانب النقد الذى يعتمد على التحليل النفسى. أو الرؤية الاجتماعية للأدب.
من مشاكل غياب النقد المتخصص أن صحفنا لا تفرد له صفحات. بل أن الصفحة الثقافية تكون مرشحة للحذف. بمجرد وجود إعلانات. لا يجرؤون على حذف صفحة الحوادث. ولا صفحة البخت. ولا الرياضة. التى تعد من المواد المقدسة. لا تنس أن الجريدة سلعة لابد أن تكتب ما يتم الإقبال عليه. وكلما ازداد الإقبال. كلما كان الحرص شديداً على بقاء هذه المادة أو تلك فى الجريدة. ليس معنى كلامى أننى أبرر هذا الوضع. أنا ضده. ولكن ما باليد حيلة. من بيدهم الأمر يعطون الأولوية المطلقة للمادة الإعلانية. يليها من التحرير المادة المقروءة. أيضاً فإن الجامعات المصرية قد انكفأت على نفسها وتوقفت عن مد الحياة الثقافية بنقاد يؤثرون فى الواقع الثقافى. هل تعرف أن فى دمنهور. عاصمة محافظة البحيرة التى أنتمى إليها كلية للأداب. لا تعرف أى شئ عنى؟ أو لا تريد أن تعرف أن شئنا الدقة. وأن فى إيتاى البارود المركز الذى ولدت فيه وأكتب عنه كل رواياتى. كلية لدراسات اللغة العربية. لم تسمع عنى أيضاً. أو لا تريد أن تسمع عنى. إن تخلى الجامعات المصرية عن دورها الثقافى محنة حقيقية. وهى السبب الجوهرى فى غياب النقاد. أو بدقة الأجيال الجديدة من هؤلاء النقاد.
*  ما هو مدى ارتباط الأجناس الأدبية ببعضها ؟
** هذا سؤال مهم. وهو سؤال يراهن على الآتى. أعتقد أن التطور الطبيعى للكتابة. سيصل إلى كتابة النص الذى يحتوى بداخله على الشعر والقصة والرواية والمشهد المسرحى وربما الدراسة. هذا التداخل الشديد الذى نشهد مقدماته الآن فى الكتابة سيوصلنا إلى النص المفتوح الذى يحتوى كل الأشكال الأدبية. أو بعضها بداخله. تاهت الفروق القديمة. ولم يعد لها وجود. وقد قام بذلك مبدعون أساساً. ولم يبشر به نقاد أو باحثون. ولا أعتقد أنه أتانا من الغرب. ولكنه موجود فى بعض كتابات تراثنا الأدبى. إن كتابات النفرى فيها كل الأشكال الأدبية التى عرفناها من قبل. أيضاً فإن كتابات الحلاج - على قلتها - فيها أنفاس من الشعر. ومحاولات للحكى والقص. هل لاحظت كمية الشعر الموجودة فى ألف ليلة وليلة. إنها أكثر من مجرد الاستشهاد ببعض الأبيات فى هذا الموقف أو ذاك. وهذا ما طوره العالم. لكى نصل إلى النص المفتوح على كافة الاحتمالات. وهو ما أعتقد أنه قد يصل إلى تداخل لوحة الفن التشكيلى مع النص الروائى أو القصيدة الشعرية. مثلما حدث فى رواية "فى امتداح زوجة الأب" ليوسا. أو الاعتماد على المشهد المسرحى. وهو ما فعله بريخت. إن وحدة الفنون مع الأداب وليس وحدة الأداب وحدها فقط هى الصفحة القادمة من تطور الأدب والفن.
*  تمارس الكتابة السياسية والنقد والقصة والرواية ..أى هذه الأجناس أقرب إليك؟
** أصحح السؤال قبل الإجابة عليه. أنا لا أمارس الكتابة النقدية. ما أكتبه عبارة عن انطباعات عامة. لكنه ليس نقداً بالمعنى المتعارف عليه. إن النقد ليس شيئاً يكتبه الإنسان بعض الوقت وينصرف عنه البعض الآخر. أيضاً فإن الكتابة السياسية تحتاج إلى تدقيق. أنا أكتب المقال الصغير الذى يعلق على بعض القضايا الآنية.
أصل إلى جوهر السؤال ولبه. وأقول لك فوراً. وبدون تردد أن الرواية. وليس غيرها هى الفن الأقرب إلى نفسى وروحى. وهو الفن الذى عندما أتوقف عنه. أو أبتعد عنه لفترة من الوقت. أشعر بحالة من الخصام مع النفس. حتى المقال الذى أكتبه تكون له روحاً قصصية. فيه حكى قبل أن تكون به أحكام. إن الحكاء بداخلى هو الأهم.
*  ما هو مشروعك الأدبى الذى تدعو اليه من خلال كتاباتك ؟
** مشروعى الأدبى بسيط. يقوم على الإحساس بوجود خلل ما فى الواقع. ومهمتى إشعار القارئ بوجود مثل هذا الخلل. وتحريضه على التوجه نحو الواقع لحل هذه المشكلة. أو لمواجهة ذلك الخلل. أو التقليل من هذا التناقض. أصل المشكلة وجوهرها أن هذا القارئ لم يعد له وجود. الجماهير نفسها ليست جزءاً من الحسبة العامة. وسؤالى لنفسى قبل الآخرين هو: على من أراهن فى كتاباتى؟! ذلك هو السؤال. وتلك هى القضية التى تؤرقنى الآن. لن أنزل من بيتى لكى أبحث عن هذا القارئ فى كل مكان. ولكنى أعتقد أن كتابة بدون قراءة معناها أن الكلمات المطبوعة ما لم تقع عليها عين قارئ تظل ميتة. لا تحييها سوى نظرات من يقرأ هذه الكتابة. موقفى من القارئ لا يتوقف عند حدود القراءة فقط. ولكن ما بعد القراءة نفسها. ليس معنى هذا الكلام أننى قد أعيد النظر الآن فى موقفى. ولكن المسألة قد تكون أقرب إلى التقاط الأنفاس ما بين مرحلة ومرحلة أخرى.
*  المصادرة والرقابة والقمع الفكرى ..هل هى السبب فى تراجع المشهد والدور الثقافى فى عالمنا العربى؟
** برحيل عبد الناصر ومجيئ السادات. بدأ تراجع المشهد الثقافى المصرى. ووصل إلى غيابه التام. وهو الحاصل الآن. منذ أن بدأ السادات هجومه على الأفنديات ابتداء من منتصف السبعينات وحتى الآن. وهو يقصد بالأفنديات طبعاً جماعة المثقفين. هناك حالة من تراجع الدور الثقافى. مع أن مصر. دولة دور. ودورها الثقافى مبرر وجودها أساساً فى الحياة. لقد قادت مصر الأمة العربية. بالكتاب والفيلم والأغنية والمسرحية ولوحة الفن التشكيلى. وغياب هذا الدور معناه أن مصر تستقيل من مصر. وليت دور السادات توقف عند هذه الحدود. لكنه مكن الإسلام السياسى من مصر. لتصوره القاصر أن الخطر عليه سيأتى من الناصريين أو اليساريين. مع أن اغتياله قد جاء بيد واحد من الذين فتح لهم أبواب العمل والقتل والاغتيال. وهؤلاء حرموا الفن والأدب والإبداع. لقد انفردوا بالساحة العامة من عام 1975 وحتى الأن أى أكثر من 30 سنة. فى مواجهة جماهيرية تعانى من الأمية. وهم يرفعون شعاراً مطاطاً. يقول أن الإسلام هو الحل. ويواجهون جماهير كفرت بالأرض وما على الأرض من البشر وبدأت تنظر ناحية السماء. باعتبار أن القيمة فيها فقط. مثل هذه التيارات أساءت لصورة المثقف لدى الجماهير. فما بالك بإنتاج المثقف. ومن جاء بعد السادات فعل مثله. مبارك فعل مع الثقافة ما فعله السادات من قبله. وانسى ثقافة المهرجانات وثقافة الصهللة والصهيل. لأن المظاهر لا تصنع ثقافة حقيقية. فى هذا الزمن اغتيل فرج فودة. وجرت محاولة لاغتيال نجيب محفوظ. ومنع سيد القمنى من الكتابة. وهدد كاتب سيناريو شرع فى كتابة سيناريو عن العبارة الغارقة. إن استمر فى الكتابة. وهدد أسامة أنور عكاشة بالقتل لمجرد أنه انتقد حجاب الفنانة حنان ترك. إن شعار هذا الزمن سواء بساداته أو بمباركه. هو نفس شعار جوبلز وزير إعلام هتلر: كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسى.
إن الموقف أكبر من التراجع. إنه العداء للثقافة. وإن كان هناك ترحيب فهو بأشخاص بعض المثقفين من منطق وردة حمراء فى عروة النظام. إنهم يدعوننى كثيراً من أجل الظهور فى تليفزيونهم. ولكن ليس من أجل الكلام عن رواية جديدة لى. أيضاً من المستحيل أن أقول عكس ما اقتنع به من أجل إرضائهم. لأننى أحب أن يكون كلامى مع كتابتى فى خندق واحد. لا أؤمن بالمثل العربى القديم الذى يقول: لكل مقام مقال. إنهم يعادون نتاج المثقف ويرحبون ببعض المثقفين. لا عن اقتناع. ولكن من باب الرغبة فى الاحتواء. إن المصادرة والرقابة تعبير عن حاله وليست سبباً فى حد ذاته. إنها جزء من المشهد الراهن.
*  حدثنى عن تجربتك فى اللغة مع (لبن العصفور) ألست ترى معى أنها لغة اختلفت عن اللغة الروائية فى بقية نصوصك؟
**   إنها نصى الوحيد بالعامية المصرية. لم يكن هناك ما قبله. ولم يأت ما بعده. إنها نزوة. من حق الكاتب بعد أن يؤسس مشروعه الثقافى. أن يمارس بعض النزوات الفنية فى عمره. وقد فعلت هذا. لإعجابى الشديد بالعامية المصرية. وببعض الأعمال الأدبية المكتوبة بها. مثل قنطرة الذى كفر لمصطفى مشرفة. ومذكرات طالب بعثة للويس عوض. وبيت سرى للمستشار عثمان صبرى. والسيد ومراته فى باريس. لبيرم التونسى. أيضاً فإننى أكتب رواياتى عن الفلاحين. ومن المستحيل ترجمة الحوار على ألسنتهم من العامية إلى الفصحى. إن ذلك سيعد نوعاً من الافتعال الفنى ومجافاة الواقع. قبل لبن العصفور كان هناك توسع فى استخدامات العامية فى رواياتى. وهذا التوسع يزداد من نص لآخر. إن المسألة لها ضرورات مرتبطة بالمنهج الذى أكتب من خلاله. ألا وهو الواقعية. عندما كنت أكتب رواية لبن العصفور بالعامية المصرية لم يكن رضائى عنها كاملاً. لسبب سياسى وهو أننى ابن لحلم القومية العربية. إن العرب لابد وأن يتوحدوا. والعامية ليست من علامات توحد العرب أبداً. ليس لأن الذين نادوا بها كانوا الإنجليز والفرنسيين مثل وول كوكس وغيره. وأن من تحمسوا لها بعضهم من المسيحيين المصريين مثل: سلامة موسى ولويس عوض. ولكن هذه المشكلة قد حلت. وهذا المأزق خرجت منه. عندما كنت فى اليابان. وزرت كلية لدراسة الأدب العربى. وجرى حوار بينى وبين مستشرق يابانى. هل صحيح القول بمستشرق أم يقال مستغرب يابانى؟ باعتبار أننا نقع فى الغرب من اليابان. المهم أن هذا الدارس للأدب العربى. كنت أحدثه عن خطر العامية على الفصحى. قلت له عبارة شوقى الشهيرة: لا أخاف على الفصحى إلا من عامية بيرم. مع أننى أؤمن أن العامية مجرد لهجة من لهجات الفصحى. وليست لغة قائمة بذاتها. كان ما يؤرقنى أن تتحول الفصحى إلى لغة مثل اللاتينية فى أوروبا. وأن العاميات من الممكن أن تصبح مثل لغات أوروبا الراهنة. قال لى المستشرق. أو المستغرب. أن هذا لن يحدث. سألته عن السبب. فقال لأن القرآن الكريم نزل بالعربية. إن اللاتينية لم ينزل بها كتاب مقدس. والقرآن سيظل واسطة العقد بالنسبة للعربية الفصحى. ولهذا سيبقى لغة أساسية ما دام هناك عرق ينبض فى عربى واحد.
ثم أن لبن العصفور من الروايات النادرة لى التى "سمّعت" مع الناس. أن عمال المطابع الذين كانوا يجمعونها. هنأونى عليها. وهم العمال الذين جمعوا كتاباتى الأخرى. إن اللغة ليست مجرد وسيلة للكتابة بقدر ما هى كيان متكامل.

*  ما الذى أخذه المواطن مصرى (الفيلم) من الرواية (الحرب فى بر مصر) وما الذى أضافه اليها؟
** لا يجب نسيان أن المواطن مصرى كان الفيلم الأول المأخوذ عن إحدى رواياتى. والفنان نور الشريف يعود له الفضل فى التنبية لرواياتى. بل وحاول الحصول على موافقة الرقابة على تحويل روايتى الحرب فى بر مصر إلى فيلم. ورفضت الرقابة ذلك ومررنا بكل مراحل التقاضى مع الرقابة. وكان الرفض مؤكداً. ولعلمك فإن نور كان يخطط للتحول من التمثيل إلى الإخراج. وهو حلم قديم عنده. كان يريد إخراج الفيلم وإنتاجه وعدم الاكتفاء بالتمثيل فيه فقط. ولو تمت الموافقة لكان قد حدث تحول جوهرى فى سيرة نور الفنية. ولكنه لم يحدث. وصرف نظره عن الرواية. وإن كان قد حاول تقديم نفس الفكرة فى فيلم قام ببطولته هو زمن حاتم زهران.
أما صلاح أبو سيف. فلعلمك عندما اتصل بى كان يريد تحويل يحدث فى مصر الآن إلى فيلم سينمائى. ورفضت الرقابة. ولأنه كان ثانى رفض. فقد اقترحت الرقابة حذف كلمة الآن من عنوان العمل. وإضافة كلمة ريف. فيصبح عنوان الفيلم: يحدث فى ريف مصر. وحذف موكب الرئيسين نيكسون والسادات من الفيلم. وبهذا لا يبقى هناك شئ. كان صلاح أبو سيف نصف متحمس لتنفيذ فكرة الرقابة. وقد رفضت ذلك. فتوقف العمل. ثم عاود صلاح أبو سيف الاتصال بى. وكانت معه نسخة من طبعة بغداد من الحرب فى بر مصر. وقال لى أنه سيحول هذه الرواية إلى فيلم. ولولا شجاعة الرقيب حمدى سرور أمد الله فى عمره. ما تمت الموافقة على المواطن مصرى ثم بعد ذلك على زيارة السيد الرئيس المأخوذ عن يحدث فى مصر الآن. وقد سألت حمدى سرور عندما قابلته بعد ذلك لماذا جازف وتحمل مسئولية الموافقة على تحويل الروايتين المشكلتين إلى فيلمين سينمائيين؟ قال لى أنه لاحظ فى الندوات التى يعقدها. سواء داخل مصر أو فى الوطن العربى أو فى العالم. أن السؤال الأول الذى يوجه له من المستمعين. عن موقفه من هاتين الروايتين. فقرر أن يخلص من الموضوع كله وأن يوافق عليهما. وأنا أشيد بشجاعته رغم أنه كان رئيساً للرقابة فقط. ولم يكن له منصب سياسى يعطيه الحق فى مثل هذا التصرف الكبير. أثناء التنفيذ أصر صلاح أبو سيف على تغيير اسم الفيلم إلى المواطن مصرى. رغم أن جميع العاملين فى الفيلم كانوا ضد تغيير الإسم. ولكنه قال لى أنه فى الإخراج السينمائى لابد من التفرقة بين ديمقراطية المناقشة. وديكتاتورية القرار. والفيلم ينسب لمخرجه. هو ابن مخرجه. مهما كانت العناصر الأخرى المشاركة فى العمل. وهو صاحب القرار الأخير. وهو المسئول عن هذا القرار.
لقد كتب السيناريو والحوار صديقى وابن جيلى ورفيقى محسن زايد. رحمه الله. كان مخلصاً للرواية. ومحسن زايد أفضل سيناريست حول الأعمال الأدبية إلى أعمال فنية. ومازالت أعظم أعمال نجيب محفوظ التى حولت إلى السينما أو مسلسلات التليفزيون كتبها محسن زايد. كان قادراً على وضع يده على جوهر النص الأدبى وتحويله إلى شكل فنى. لم يتفوق عليه أحد ولم يقترب من الذروة التى وصل إليها أحد. وأشهد أن سيناريو محسن زايد كان ممتازاً. ولكن الذى حدث أن الفنان عمر الشريف عندما أحضروه للقيام ببطولة هذا العمل. وكنت ضد مشاركته فيه. لأن له مواقف ضد روح الرواية. عمر الشريف عندما أتى من باريس. طلب القيام بعد المشاهد التى يظهر فيها ومقارنتها بعدد مشاهد عزت العلايلى. ومشاهد عبد الله محمود. وعندما اكتشف أن مشاهده أقل. طلب تعديل السيناريو. ولأننى كنت أثق ثقة مطلقة فى ضمير محسن زايد لم أتابع الأمر. ولكن بعد التعديلات تغير الموقف. روايتى بطلها مصرى. والفيلم بطله العمدة الذى لعب دوره عمر الشريف. وروايتى مشهدها الجوهرى حرب أكتوبر 1973. فى حين أن الفيلم يدور جزء جوهرى منه حول عودة الإقطاع إلى الريف المصرى. كما أنه تمت إضافة خطيبة لمصرى. لعبت دورها الفنانة حنان شوقى وجرى تغيير النهاية بسبب إلحاح عزت العلايلى. حتى يمثل مشهداً يحصل به على الأوسكار. فى روايتى يتعرف والد مصرى عليه بمجرد أن ينظر إلى جثمانه. ولكن التغيير الذى جرى أن والد مصرى لا يعرفه عندما ينظر إليه. من أجل أن يؤدى عزت العلايلى أحد أدوار عمره الكبيرة. ولكن رغم هذه التغييرات فقد أبقى صناع الفيلم عن القضية المحورية فيه. وهى أن حرب أكتوبر 1973 صنعها فقراء المصريين. وحولها الأغنياء إلى مشروع استثمارى. فى كل عمل أدبى نقطة ارتكاز أو قضية جوهرية والباقى تفاصيل. وهذه القضية موجودة فى الفيلم وهذا يكفى.
*  إنتاجك الغزير كما وكيفا فى الرواية يؤكد تحيزا منك لهذا الجنس الأدبى على حساب القصة القصيرة .. بماذا تفسر ذلك وماذا تمثل القصة القصيرة ليوسف القعيد؟
** لن أمر عابراً على حكاية إنتاجى الغزير. ولن أطالبك بمقارنة هذا الإنتاج بغيرى من أبناء جيلى. فى الحياة الثقافية عدد من الشائعات الأدبية والثقافية. مجرد تكرارها دون التصدى لها. يجعلها أمراً واقعاً. مع مرور الوقت. وأنا أخطأت لأنى لم أتصد لمثل هذه الشائعات كل فى حينه. كنت أتصور أن مهمتى ودورى فى العالم هما الكتابة فقط. عموماً هذا يكفى الآن لحكاية غزارة الإنتاج. أما حكايتى مع القصة القصيرة فأنا روائى أساساً. بدأت بالرواية. فى حين أن كل نجوم الرواية فى مصر الآن بدأوا بكتابة القصة القصيرة. ثم تحولوا إلى الرواية لأسباب لا يهمنى التوقف أمامها الآن. "خلى الطابق مستور". القصة القصيرة بالنسبة لى استراحة روائى. أكتبها فى تلك المنطقة الرمادية بين رواية وأخرى. فى فترة الاحتشاد لعمل روائى جديد. أكتب القصة القصيرة. وهذه هى الحكاية. طبعاً لم يكن من المناسب أن أقول هذا الكلام الذى يمكن أن يستخدمه الذين يصطادون فى الماء العكر. أو الماء الصافى ضدى. ولكنى مؤمن بمبدأ يقول إن قلت ما تخفشى وإن خفت ما تقولشى.
*  لماذا تتوقف معظم أحداثك وشخوصك فى الكثير من اعمالك  عند مرحلة الانفتاح فى عصر السادات؟
** هذا أول سؤال يثير لدى حالة من النرفزة. لأنه يطلق من حالة عدم متابعة لما نشر لى. ثم هل ما فعله الانفتاح بمصر توقف حتى تتوقف الكتابة عنه؟! ثم أن الروائى ليست مهمته متابعة الأحداث التى تجرى فى الوطن. تلك مهمة الإعلام. وليست مهمة الكتابة الروائية. ومع هذا يتضح من سؤالك أنك لم تقرأ الروايات الصادرة فى عقد التسعينات. آخر رواية لى صدرت فى 2004 من لندن وبيروت. وكانت متوفرة فى معرض القاهرة الدولى للكتاب. وهى "قسمة الغرماء" إننى لا أحب الكلام عن نفسى ولا أستريح لكلمة أنا. التى تعكس حالة من تضخم الذات عند من يدمنها. ومع هذا أقول فقط بعض العناوين. روايتى قسمة الغرماء تتوقف أمام العلاقة الملتبسة بين المسلمين والمسيحيين فى مصر الآن. وقبلها رواية قطار الصعيد التى تركز على نفس الهم. مع توقف أمام الصعيد المنسى. ورواية 24 ساعة فقط التى تدور أحداثها فى يوم الزلزال الرهيب الذى ضرب مصر فى 12 أكتوبر 1992. من خلال أم حاولت الاطمئنان على أبنائها السبعة بعد أن عجزت أن تفعل ذلك تليفونياً. إنها تعيش فى قرية. والأبناء إما فى القاهرة. أو هاجروا للدول العربية. وكذلك رواية أطلال النهار. وذلك النهار هو السادس من أكتوبر 1973 بعد عشرين عاماً. وغيرها مثل رواية المجهول التى أعمل فيها الآن. ثم تقول لى. أننى توقفت عند حدود الانفتاح الاقتصادى.
* القرية وقعت تحت متغيرات كثيرة ومتلاحقة .. ماذا فى جعبتك عن القرية القادمة؟
** لدى الكثير فى جعبتى وأنا لا أحب كلمة الجعبة هذه عن القرية المصرية. ولدى مشروع لرواية ضخمة عن قريتى الضهرية. من سنة 1944 سنة ميلادى. وحتى سنة 1984 وهى السنة التى احترقت فيها الضهرية عن آخرها. إن هذه الملحمة ستبدأ بمشهد الفيضان عندما كان نهر النيل يفيض كل عام فى الصيف. وستنتهى بمشهد الحريق. ومن خلال ذلك. أقدم أيضاً قصة حياتى أنا. كما أن لدى فى خططى عمل قد يكون عنوانه: وجوه من ريف مصر. أقدم فيه الوجوه الجديدة التى أطلت فى حياة القرية المصرية. ولم تكن موجودة من قبل. إن المشروعات أكثر من الهم على القلب. والمهم هو وجود العمر والصحة واستمرار القدرة على الكتابة التى أعتبرها مصدر وجودى فى الحياة والسبب الجوهرى فيها.
*  النهايات المأساوية ومفردات القرية والغربة والغروب نلمحها بسهولة فى السرد عندك. بماذا تفسر سبب التركيبة المصرية الحزينة؟
** سبقت الإجابة عن هذا السؤال فى الكلام عن الحزن. لا يبقى فى السؤال سوى الكلام عن التركيبة المصرية الحزينة. والمصرى حزين بطبعه إن كنت من الريف ستلاحظ أن الفلاح المصرى عندما يضحك طويلاً. يتوقف ويقول: اللهم اجعله خيراً. أى أن هذا الفلاح يعتبر أن الضحك فى حياته حالة استثنائية. لا بد وأن يتوقف بعدها ويتوقع ما هو سيئ. نحن شعباً أقرب إلى الحزن منه إلى الفرح. وهذا موضوع يطول الكلام فيه. هل تعرف أننا عندما نفكر فى الاحتفال بكاتب مصرى نحتفل بعيد وفاته؟! ونغفل عيد ميلاده. مع أن الموت فناء والميلاد حياة. إن المصرى يحتفل بالعيد بالذهاب إلى المقابر. وقبل أن يفكر فى بناء بيت فهو يبنى قبراً أولاً. يقول أن الدار الباقية أهم من دار الفناء. إن يوم الخامس من يونيو ما زال قائماً فى وجداننا. أكثر من يوم السادس من أكتوبر. لأن الأول يوفر لنا حالة الحزن التى نبحث عنها. إن الأهرامات التى بناها أجدادنا. المصريون القدماء. وأنا أحب هذا التعبير أكثر من الفراعنة. لأن الفراعنة كانوا الحكام. أما المصريون القدماء فهم الشعب. الذى هو أبقى من كل الحكام. إننا نباهى بالأهرامات الدنيا. ونريد أن نعيش من دخلها السياحى. لينطبق علينا المثل الذى يقول إن الخواجة عندما يفلس يبحث فى دفاتره القديمة. ونقول أنها واحدة من عجائب الدنيا السبع. ما هى إلا قبور. لكى يدفن فيها بعض الملوك. إن الشخصية القومية المصرية. شخصية أقرب إلى الحزن والبكاء منها إلى الفرح. صحيح أن المصريين من أخف الشعوب دماً. ولكنه الحزن المصرى الكبير.
* (زمن الفيضان الروائى)..هل يعنى هذا أننا فى زمن الرواية وماذا عن تصورك عن مستقبل الرواية فى مصر؟
** زمن الرواية تعبير أصبحت له حالة من السيادة. لدرجة أن الصراع الآن من الذى أطلقه لأول مرة. هل هو جابر عصفور أم عبده جبير. كما أكد لى عبده بنفسه. وقد وصل الأمر لنسبة هذا التعبير لهيجل الفيلسوف المعروف. وبصرف النظر عن الخلاف والاختلاف حول الأب الشرعى لهذا التعبير. فقد أصبح حقيقة. فالرواية التى يقال أنها ديوان العرب الآن هى أكثر الفنون الأدبية كتابة ونشراً وقراءة. بل أن الكثيرين من كتاب الفنون الأخرى قد تحولوا لكتابة الرواية. وأكثر الذين تحولوا هم الشعراء.
أما عن مستقبل الرواية فى مصر. أى الشباب الذين يجربون الكتابة الآن لأول مرة. فأعتقد أنها ستصبح نصوصاً فيها الكثير من الأجناس الأدبية الأخرى. أيضاً سيتراجع الهم الاجتماعى. والكتابة عن المهمشين. أيضاً فإن وجود الوسائط الجديدة مثل الإنترنت سيكون له وجوده القوى على ساحة النشر باعتباره يشكل جديداً. والجديد دائماً وأبداً. يكون له الكثير من السحر.
*  فى تصورى أن الكتابة للطفل هى الأساس الهام فى تنشئة وإيجاد أجيال قادرة على استيعاب ما يمر عليها من أحداث ومتغيرات وتأثيرات وبالتالى تستطيع هذه الأجيال أن تقف على أرض صلبة للتصدى لأى محاولة من محاولات الغزو بشتى أنواعه (ثقافى .. سياسى .. اقتصادى... الخ) هل ترى اننا ننهج هذا النهج بالفعل وهل جرب يوسف القعيد ولو مرة الكتابة للطفل ..ولو كتب للطفل ماذا كان يمكن أن يقدم له ؟
** لم أجرب من قبل فكرة الكتابة للطفل. وإن كنت لا أحبذ فكرة موجودة لدى كل الكتاب. ألا وهى أن يجرب الكاتب نفسه فى الكتابة للطفل كنوع من الوجاهة أو تجريب النفس فى كل شئ. بما فى ذلك الكتابة للطفل. ليس لدى هذا الهاجس وما أفكر فيه كيف يمكن كتابة نص يصلح للقراءة من قبل الطفل والكبير فى نفس الوقت. نموذج رواية الأمير الصغير لأنطوان دى سانت أكزوبرى. وأيضاً كتابات مارك توين. ثم أن بعض ما كتبه كامل كيلانى تصلح للطفل والكبير معاً. مثل محاولات كيلانى تبسيط كتب التراث الإنسانى الكبرى للطفل. لدى محاولة وحيدة فى هذا الميدان. ألا وهى إعداد بعض روايات نجيب محفوظ للأطفال. قمت بذلك لدار الشروق. وإن كان النشر مسألة لا علاقة لها بالكتابة. كنت مقيداً فى هذا المشروع. بمعنى الالتزام التام والدقيق. بأصول النص المحفوظى. والبناء المحفوظى. وذلك قلل من الجهد الذى قمت به. من أجل خلق نص آخر مغاير ومختلف.
*  حبك للأستاذ (محمد حسنين هيكل) غير عادى الى الحد يجعلك تتفرغ لحديثة الأسبوعى وتقول بالفم الممتلئ (الأستاذ)..هل لأنه من رائحة الزمن الجميل؟.. أم ماذا؟
** أولاً لا ألتقى بالأستاذ هيكل بصفة دورية "أسبوعية". واللقاء الأسبوعى الثابت مع نجيب محفوظ. وعندما كنت ألتقى به بصفة دائمة ومستمرة كان ذلك فى الوقت الذى كنت أعد فيه كتابى: هيكل يتذكر: عبد الناصر. والمثقفون والثقافة. وقد حكيت من قبل. وكتبت فى مقدمة كتابى معه عن قصة لقائى معه. يمكنك قراءة القصة فى هذا الكتاب وعنوانه: عبد الناصر والمثقفون والثقافة. هيكل يتذكر.
تكملة من الكتاب عبد الناصر والمثقفون
لكنى بعد هذا التعارف الأول. اكتشفت فى الرجل العديد من المزايا تختلف كثيراً جداً عما يعرف الناس عنه. فالرجل لديه اهتمام فريد بالثقافة والأدب يحفظ الكثير من الشعر العربى. لدرجة أنه يمكن أن تصبح له مختارات من الشعر العربى. كما أنه يتابع الأدب الروائى مصرياً وعربياً ودولياً. عندما حدثت أزمة رواية وليمة لأعشاب البحر. فضل عدم الكتابة والكلام فى الموضوع قبل قراءة الرواية أولاً. وقد حصل على نسختى المهداة لى من حيدر حيدر منذ سنوات. ثم كتب مقاله الشهير عن الأزمة فى مجلة "وجهات نظر". الذى يعد مرجعاً مهماً فى الأزمة.
له العديد من الصداقات مع الأدباء والكتاب والمفكرين على مستوى العالم كله. مرة حدثته عن رواية صينية وزعت 6 مليون نسخة هى رواية بجعات برية. وكانت دهشتى بالغة عندما قال لى ببساطة أن المؤلفة كانت ضيفة على الغذاء عنده بالأمس. وحدثنى عما وراء سطورها فى الرواية التى تؤرخ للصين من خلال ثلاث نساء من أجيال مختلفة وقصصهن. وعندما كلمته عن كتاب بول جونسون المثقفون. قدم لى بانوراما طويلة عن المؤلف. وأزماته النفسية التى دفعته لكتابة مثل هذا الكتاب.
ناشره فى لندن هو نفسه ناشر سلمان رشدى. لذلك كان حريصاً على التعرف عن قرب على ظاهرة سلمان رشدى وما تمثلها. كما أن تجربته فى أهرام الستينات تظل من أهم التجارب الثقافية فى تاريخ الصحافة المصرية. وكل ما أتمناه منك أن تقرأ كتابى معه. هذا ليس ترويجاً للكتاب ولكنه سيكون مفيداً بلا حدود للأحاديث التى تجريها.
* ماذا يشدك الى أديب نوبل (نجيب محفوظ) وعالمة؟
** يشدنى إلى نجيب محفوظ عديد من العوامل. التى لا علاقة لها بحصوله على نوبل من عدمه. فقد تعرفت عليه فى النصف الأول من ستيينيات القرن الماضى. يشدنى إليه إخلاصه للكتابة والقراءة. إنه الوحيد من أبناء جيله الذى عرق كثيراً جداً من أجل الكتابة. نجيب محفوظ على المستوى الإنسانى يمكنك الاختلاف معه. ومع هذا لا يكرهك ولا تكرهه أبداً كما أنه حافظ على استقلاليته وتلك مسألة ليست سهلة أبداً. قد يقولون عنه أنه وفدى الهوى. ولكنه لم يكن عضواً فى الوفد أبداً. يعجبنى فى نجيب محفوظ أنه لم يضع قدمه فى سفارة أجنبية أبداً. منذ بداياته فى منتصف ثلاثينيات القرن الماضى. وحتى الآن. إن ما يمكن قوله عن نجيب محفوظ وتجربته فى الكتابة وأخلاقه الإنسانية وتعامله مع الناس ودماثته وأدبه الجم. قد يحتاج إلى مجلدات كثيرة. وهذه عجالة سريعة جداً لأننى قد أكتب شيئاً كبيراً عن نجيب محفوظ فى يوم من الأيام. خاصة الأمور غير المعلنة لقصته مع جائزة نوبل. فالرجل يحتاج إلى الإنصاف فى هذه القضية. فهو لا يتكلم كثيراً. وعلينا أن نقوم بهذا الدور نيابة عنه.
*  متى يكون التاريخ أدبا والأدب تاريخا ؟
**  التاريخ هو مجمل ما مر بنا من الأحداث. والوقائع سواء الحسنة أو السيئة. أيضاً سواء أكان ذلك على المستوى الفردى. أو المجتمعات والشعوب والأمم والدول.
 أما الأدب فهو نشاط متخيل. كتابه عن وقائع إما جرت فى أرض الواقع أو تخيلها كاتب. أو يكون المكتوب واقعاً مضافاً إليه الكثير من خيال الكاتب.
 إن نقطة التقاء الرواية والتاريخ تحاول كتابة التاريخ من خلال الرواية. وهو ما يقولون عنه الرواية التاريخية. التى يكون فيها قدر من التاريخ وقدر من الخيال الأدبى. مع عملية مزج بين هذا وذاك. إن الأدب يكون تاريخاً عندما يحاول كاتبه تدوين أحداث تاريخية. والتاريخ يصبح أدباً عندما يجد من يدونه بروح الأدب والكتابة الأدبية. وأنا أعتبر أن عبد الرحمن الجبرتى. ومحمد بن أحمد بن إياس المصرى روائيان كبيران. كل المشكلة أنهما لم يطلعا على النتاج الروائى. عندما كتب كلاً منهما تاريخه. ولو قرأ الكتابة الروائية والأدبية قبل أن يكتبا تاريخهما لاختصرا العديد من السنوات من عمر الكتابة الأدبية فى مصر. لقد دونا أحداث أيامهما يوماً بيوم. وأحدهما ابن إياس كان يميل إلى السخرية. والأول كان جاداً فى كتابته. وقد حاول الجبرتى معارضة سياسات محمد على عندما انفرد بالحكم. وبدأ يتكلم فى هذه الأمور. فما كان من محمد على إلا أن ربط ابن الجبرتى أثناء عودته من صلاة الفجر. وقد جرى التمثيل بجثمانه. حتى يكون درساً وعبرة لمن يحاول الاقتراب من نفس المحاولة.
 دعنى أقول لك أن التاريخ يقع فى منطقة الأدب والأدب يحقق فى نفس المساحة.
*  ما هو رأيك فى مسألة تقسيم الأجيال الأدبية؟
**  مشكلة واقعنا الأدبى تدور حول الارتباك الشديد فى مسألة المجايلة الأدبية. أى تقسم الأدباء إلى أجيال ربما لأن هذه القضية تقع ضمن نطاق علم اجتماع الأدب. وهو من العلوم التى تتعرض لإهمال شديد فى بلادنا. ولا يوجد متخصصون فيها. ثمة كتاب وهو هنا. وكتب آخر هناك. إن مسألة الجيل نفسها تعانى من الغموض. فما هو الجيل. هل هو العصر الذى شهد متغيرات وسمات هامة. إن السؤال هو: ما هو العصر الأدبى تحديداً؟ هل يجوده تاريخ ميلاد الكاتب؟ أم الزمن الذى كتب فيه. مرة قال لى أبو المعاطى أبو النجا: أن القول بأنكم جيل الستينات فيه خطأ جوهرى. فنحن أيضاً كتبنا وأدبنا فى الستينيات من القرن الماضى. وقد سمعت نفس الجملة من نجيب محفوظ. لأن من يتابع إنتاجه الأدبى يدرك أن أفضل أعماله الأدبية هى ما نشرت فى عقد الستينيات من القرن الماضى. فهل يعتبر هو أيضاً من جيل الستينيات الأولى؟ عن نفسى أعتقد أن الفترة من 1919 إلى 1952 تمثل زمناً واحداً. وطرحت جيلاً واحداً فى ميدان الكتابة. وهى ما تسمى بمرحلة المد الليبرالى فى تاريخ مصر. ثم إن الفترة من 1952 حتى 1967 تمثل مرحلة لها ملامح معينة. ومن 1967 إلى 1973 ثمة مرحلة أخرى. ثم من 1974 وحتى اغتيال السادات مرحلة. وهكذا. إن الغموض يحيط بحكاية الأجيال الأدبية. لأنها قضية تقع فى منتصف المسافة بين النقد الأدبى. وعلم اجتماع الأدب.
*  أصحاب النفوذ والسلطة والانتهازيين هل ترى أنهم أثروا فى المشهد الثقافى وكيف؟
** أولاً أصحاب النفوذ هم أصحاب السلطة بلا زيادة أو نقصان. وهذا الثلاثى قادر على إفساد كل ما فى الحياة. فما بالك بالواقع الثقافى. ثم ما هى حاجتهم للثقافة. التى لا يسمعون عنها أصلاً. إنهم قد يحتاجون الصحافة باعتبارها جزء من منظومة الإعلام. ومن يمتلك الأحلام يمكنه أن يحكم البلد التى يصدر فيها هذا الإعلام. شعار هذا الثلاثى هو عدم الاعتراف بالثقافة ورفضها. وليس مجرد إفسادها. إنهم يؤثرون فى المشهد الثقافى وذلك من خلال تجاهله. يبقى احتمال أن يكتب هؤلاء وفى هذه الحالة يكون هدفهم الجوهرى هو الاعتراف بهم. وإعطائهم قيمة أدبية لا يستحقونها. وليس لهم أى دور فيها. إنهم خطر على الإبداع الأدبى فى جميع الأحوال.
*  يقول البعض أن الصحافة هى مقبرة الأدب .. تعليقك على هذه المقولة؟
** من قال ذلك؟! إنها مقولة تحولت إلى شائعة. والشائعة أصبحت لها قوة الأمر الواقع. أعترف أننى استفدت كروائى كثيراً من العمل فى الصحافة. على الأقل وفى الحد الأدنى تمكنت من رؤية كل حشد فى مصر. وبفضلها سافرت إلى الكثير من البلدان العربية والأجنبية. والأهم من كل هذا أنها أزالت قداسة ما أكتبه. من قبل كنت أتصور أن كل حرف أكتبه مقدساً. ولا يجوز اختصاره. ولكن فى الصحافة لابد من التركيز. ليس معنى الاستفادة من الصحافة أننى أختصر من أعمالى الأدبية بعد الانتهاء من كتابتها. ولكن العمل الصحفى جعلنى أدرك أنه إن كان بداخل الإنسان مشاعر تساوى ثلاث نقاط لابد من كتابتها وتدوينها فى كلمات تساويها. لا تزيد ولا تنقص. هناك مثال قاله هيمنجواى وردده من ورائه جارثيا ماريكز كثيراً جداً. هذا القول هو: تناسب الصحافة الروائى كثيراً جداً. وذلك بشرط أن يعرف الوقت الذى يغتزلها فيه. لا يقوم ولا يتأخر عنه أبداً. وقد رددت هذا القول كثيراً. ووضعته موضع التنفيذ ابتداء من الثامن من فبراير سنة 2000 أى منذ ست سنوات مضت. حيث أخذت أجازة مفتوحة. - بدون مرتب طبعاً - من العمل الصحفى. تماماً نهائياً. ومع هذا لم يكن هذا هو الوقت المناسب. لقد تأخرت كثيراً فى الوصول إلى هذا القرار. كان من الأفضل أن يتم ذلك القرار قبل ذلك بكثير. المهم أنه حدث لا قيمة لحكاية التأخير هذا. وإن كانت تدمى قلبى كثيراً. أعتقد أن استمرارى أطول مما ينلغى فى العمل الصحفى قد يمثل أحد الفرص الضائعة من العمر.
*  ألا تؤيدنى أننا بحاجة ماسة وملحة لمن يكتب (شكاوى المواطن مصرى)؟
** أعود من جديد إلى القراءة. الفريضة الغائبة فى حياتنا الثقافية. فما بالك بحجم غيابها فى الحياة العامة. سؤالك يشكل عنوان رواية لى. ثلاثية. تقع فى أكثر من ألف صفحة. نشرت أكثر من ثلاث طبعات. ما بين القاهرة وبيروت. عنوانها: شكاوى المصرى الفصيح. الجزء الأول عنوانه: نور الأغنياء. والجزء الثانى عنوانه: المزاد. والجزء الثالث والأخير عنوانه: أرق الفقراء. والفكرة الجوهرية التى تقف خلف العمل تقول أن وظيفة الدولة المصرية. هى حماية الأغنياء من أرق الفقراء. أيضاً فإن الحادث الجوهرى فى الرواية يدور حول مواطن مصرى. ضاق به الحال. فعرض أولاده للبيع فى ميدان عام. وهى الحادثة التى تكررت كثيراً جداً فى الحياة المصرية. وخارج مصر بعد ذلك. ولكن من يقرأ ومن يسمع. لا أحد يقرأ. وعدم القراءة تسلل إلى جماعة المثقفين أنفسهم لا يقرأون بعضهم. وكنت أتمنى أن تقشرأ مؤلفاتى قبل إجراء هذا الحوار. لأنه كان سيكون أكثر عمقاً. فى هذه الحالة.
*  يقولون الحراك السياسى وأنا أقول الصراخ السياسى ..فى رأيك الى أين نحن ذاهبون والى متى يستمر هذا الصراخ وهل ما يحدث من انتفاضات شعبية فى صالح مصر والمواطن ؟
** أولاً هناك فارق ضخم بين الحراك والصراخ. وأنا أعذرك ربما ترى الأمور هكذا وأنت فى طنطا التى أعتبرها عاصمة الوجه البحرى. مثلما أرى أسيوط عاصمة الوجه القبلى أو الصعيد. وحتى يعتبر الصراع له جانبه الإيجابى. فمن يصرخ فإن هذا الصراخ معناه أن من يصرخ قد وصل إلى حد الصراخ. وأن هناك من الألم ما دفعه إلى هذا الحد. ولأن أسئلة هذا الحوار عنقودية. أى أن كل عنقود من القضايا يتم فى سؤال واحد. فهناك جوانب أخرى لابد من الإجابة عنها من السؤال. إلى أين نحن ذاهبون. كل المؤشرات تقول أننا ذاهبون فى داهية. كما قال بيرم التونسى عن مصر منذ سنوات مضت. وأننا نعيش فى بلد لا صاحب له. وأن أصحاب هذا البلد لا يعينهم مصيره أو مستقبله. طبعاً لا صاحب لمصر سوى المصريين أنفسهم. ولكن المقصود بأصحاب البلد هو من يحكمونه ومن ينهبونه. ومن يسرقونه. ولهذا لابد من استمرار هذا الصراخ الذى أسميه أنا الاحتجاج العظيم والنبيل والجميل. لابد من استمراره طويلاً جداً. حتى تزول الأسباب التى يمكن أن يؤدى إليه. آخر حبة فى عنقود السؤال تقول: وهل ما يحدث من انتفاضات شعبية فى صالح مصر والمواطن. وأقول لك ليتها كانت انتفاضات شعبية فعلاً. أين ما يجرى من الانتفاضة الشعبية. أين ما يجرى مما حدث فى يناير 1977. الذى سماه السادات انتفاضة حرامية. وقد كانت انتفاضة الخبز. وإن كنت تقصد مظاهرات وسط القاهرة. التى يدعى المسئولن أنها عطلت مصالح الناس. إن الرد عليهم يكون بسؤال بسيط: كم تعطل مصالح الناس مواكب المسئولين؟ مؤخراً بسبب موكب الرئيس مبارك فى محافظة من المحافظات فى عدم ذهاب الطلاب إلى امتحانهم. ورسبوا جميعاً. المظاهرات لصالح المواطن. والمواكب تكرس لفكرة الدولة المصرية وقهرها للمواطن. ولهذا أحب أن أصحح صورة المظاهرات لدى الإنسان المصرى الذى يعيش خارج القاهرة. لأن أعلام الدولة المصرية. وهو وسيلة من وسائل الحكم. يشوه الصور. وينقلها بصورة معكوسة إلى الناس.
*  كاتب وكاتبة (عربيا وغربيا) يشدانك إليهما .. وما هى الأسباب ؟
** أنا لا أحب صيغة أفعل تفعيل هذه لأنها إن كانت تسيّد كاتباً أو كاتبة. فإنها تقلل كثيراً من حقوق الآخرين. لماذا كاتب؟ ولماذا كاتبة؟ هل صيغة السؤال من أجل التوابل الصحفية؟ من ناحية الأدباء الأشقاء العرب. نحن مقصرون فى مصر فى متابعتهم. لا نقرأهم بالقدر المطلوب. ولا نبادلهم اهتماماً باهتمام. هذا خطأ جوهرى نمارسه باقتدار "للأسف الشديد" تجاه المبدعين العرب المعاصرين لنا. ولذلك أقرأ كثيراً من الأدباء العرب. ليس النجوم الذى حولناهم نحن فى مصر إلى نجوم. ولكن أصحاب الإبداع الحقيقى. وقد أسرد لك كثيراً من الأسماء. ولكن أخشى نسيان إسم هنا أو إسم هناك. ولأننى مؤمن أن مصر تكون قوية ثقافياً بالعرب. وأن العرب يكونون أقوياء بمصر. وأنه لا مفر أمامنا سوى بالثقافة قبل غيرها من الاعتبارات. هل أكلمك عن عبد الرحمن منيف وعن جبرا إبراهيم جبرا. وعن هاديا سعيد. هذه كاتبة عربية أكثر من جميلة. أدبياً حتى لا تغضب وهل أكلمك عن سحر خليفة أو حنان الشيخ. الكاتبة العربية - خاصة فى ميدان الرواية - تقدمت كثيراً. ولابد من إعادة النظر فى مسألة الريادة الثقافية المصرية هذه. لا أقول بنظرية القائد والتابع. ولا أردد حكاية المركز والأطراف. فنحن كيان واحد. وهذه الوحدة هى الحائط الأخير لنا جميعاً.
*  رسالة تود توجيهها الى المسئولين والقائمين على شئون الثقافة المصرية؟
** ولماذا أوجه رسالة إلى المسئولين عن الثقافة المصرية؟ أنت تريد هذا. ولكنى لا أريد. إن كنت أرغب فى توجيه رسالة فلتكن إلى أى مثقف مصرى. أقول له أن الكلمة أمانة. وأن التصرف مسئولية. وأن المثقف يكاد أن يكون رسولاً فى زمنه. وأن عليه دوراً كبيراً فى إشعار الناس بمشاكلهم وهمومهم وجعلهم يتحركون لحل مشاكل الواقع الراهن إلى الأفضل وإلى الأحسن وإلى الأجمل. المثقف أهم من فى هذه الأمة. وهو مكمن الخطر. والأمل معقود عليه دون غيره. وبه يكون هناك أقل. وبدونه تبدد لهذا الأمل. أما المسئول عن الثقافة فكل مهمته تقديم خدمة لابد منها لهذا المثقف. وتمكينه من أداء دوره.
*  يقولون أن الإغراق فى المحلية هى الطريق الى العالمية .. تعليقكم على هذا؟
** فعلاً. المحلية هى الطريق - ربما الوحيد - للعالمية. وألفت نظرك إلى ماركيز وإلى محفوظ. لقد ارتبط كل واحد منهما بواقعة المجلس. وعبر عنه عرف طريقة للعالمية. وإن كنت أرفض ولا أحب تعبير العالمية هذا. ولا أحب أن يكتب الكاتب وعينه على هذه العالمية. لأن هذه العملية تفقد الكتابة تلقائيتها وبساطتها. وتجعل من العملية الإبداعية. مسألة حسابات للربح. ولتحقيق العالمية. ولذلك أرى أن التركيز على قضايا الجنس. والإغراق مسائل الدين. والكتابة كثيراً عن الأقليات " مثل التموين " هدفها الوصول إلى هذه العالمية من أقصر الطرق. وأى إبداع ينطلق من هذه الأرضية محكوم عليه بالفشل. لا أعتقد أن نجيب محفوظ عندما كتب زقاق المدق كان يفكر فى العالمية. أو أن ماركيز عندما كتب عن قريته كان يفكر فى العالمية. لأن هذه الأمور من الممكن أن تتم بصورة تلقائية. أما عند التخطيط لها. فالأمر يختلف.
*  قديما كانت هناك مقولة (القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ).. من وجهه نظرك هل هناك وجود حقيقى حالى لهذه المقولة؟
** هذه مقولة أطلقت فى ستينيات القرن الماضى. من يمكن أن يتذكر تلك الأيام. التى مضت وربما لا تعود لنا مرة أخرى. اليوم من الصعب تكرار مثل هذا الكلام. لا القاهرة هى نفس القاهرة التى كانت فى ستينيات القرن الماضى. ولا بيروت هى نفس بيروت ثم أين هى بغداد التى كانت؟ بغداد محتلة من قبل الأمريكيون. والأمريكان هنا فى مصر. والأمريكان فى بيروت ليست مريضاً بأمريكا. ولكن أمريكا من أجل أن تنفذ لإسرائيل كل ما تريده. لابد من تحجيم الدور المصرى فى الوطن العربى. لابد من تحويل مصر من دولة قائدة. إلى دولة تابعة. أو على الأقل غير مؤثرة. وهذا ما يجرى حتى على المستوى الثقافى. بل أن الثقافة هى الأهم والأخطر من وجهة نظرهم. هل يمكن أن تستمر مقولة منذ أكثر من نصف قرن حتى الآن. الذى بقى منها أن بيروت تسبق القاهرة فى النشر. من حيث المتابعة والملاحقة والمعاصرة. وأيضاً من حيث شكل الكتاب وإخراجه وتحضره. وحتى دور القاهرة فى إصدار الكتاب الرخيص. والشعبى أصبح دوراً داخلياً ومحلياً. وانسحب من بعده العربى.
*  المتغير والثابت فى كتابات يوسف القعيد؟
** تريدنى أن أتكلم عن الثوابت والمتغيرات فى أدبى. وهذا كله يندرج تحت بند الكلام عن النفس. فضلاً عن أنه ليس من يهمنى. أعتقد أن الكلام عن ثوابت ومتغيرات كتاباتى دور يمكن أن يقوم الناقد أو الباحث.أو حتى أنت. لأن الإنسان عندما يتكلم عن نفسه يشعر بخجل حقيقى ولا يكون قابلاً للتصديق من قبل من يقرأه. ثم أن نظرتى تمثل هذه الثوابت والمتغيرات قد تختلف كثيراً أو قليلاً عن القراءة التى يمكن أن يقدمها. آخر أى إنسان غيرى. الكاتب يكتب ما لديه وينتهى دوره عند هذا الحد. وأى كلام بعيداً عن المتن يمكن أن يسكن الهوامش. وأنا لم أصل بعد إلى مرحلة الهوامش.
*  كيف يمكن لنا من وجهه نظرك أن نعيد الملايين التى انصرفت عن القراءة وجرفها تيار الثورة المعلوماتية والتكنولوجية الجبارة إلى محراب القراءة مرة أخرى. خاصة وأن الإحصائيات تقول أن ما يقرأه المواطن العربى فى العام الواحد لا يتجاوز الست دقائق؟ وما هى فى رأيك الأيدولوجيا التى يمكن الأخذ بها لتحقيق هذا وجعلها جزءا أساسيا من النشاط البيولوجى للمواطن العربى؟
** أنا لا أصدق أن متوسط قراءة الإنسان العربى فى السنة ست دقائق فقط. فى هذا الكلام مبالغة غريبة عصية على التصديق. أما استعادة القارئ العربى. فتلك مسألة لا بد وأن تبدأ من البيت الذى يخلو من المكتبة. وكذلك الحضانة والمدرسة والمعهد والكلية. حتى تصبح القراءة عادة من عادات الإنسان العربى. وجزءاً من مكونات حياته. وليست فقط من أجل قضاء الوقت. أما استعادة الإنسان من تيار ثورة المعلومات التى سرقت الإنسان من الثقافة. ما المانع من أن يقرأ وفى نفس الوقت يتعامل مع الوسائط الجديدة من إنترنت وخلافه. إن الأمرين لا يتناقضان وكلاً منهما يكمل الآخر. بالعكس إن النت ممكن أن يخدم الثقافة نفسها. المهم كيف نجعل هذا فى خدمة ذاك. لأنك يمكن أن تجد على النت. الصحف التى تصادرها الحكومة. ويمكن أن تقرأ الكتب الممنوعة. وتشاهد الأفلام المطاردة. وبالتالى يمكنك النت من الانتصار على إرادة الدولة الغبية التى تتصور أن المنع ممكن أن يمارس فى هذه الأيام.
*  ماهى فى رأيك أسباب الفجوة الثقافية بيننا وبين الغرب ؟
** أنا مندهش من أن كثرة الكلام عن الفجوة الثقافية بيننا وبين الشرق والغرب لا تتم إلا الآن فقط. هذه الفجوة موجودة منذ سنوات بعيدة. بل قرون. منذ أن قال كبلنج أن الشرق شرق والغرب غرب. ولن يلتقيا أبداً. والحال هكذا. سواء عبر استعمار الغرب لنا. وأنا لا أحب كلمة استعمار هذه. لأن فيها قدر كبير من التضليل. ثم الحروب الصليبية والصدامات الكثيرة التى دارت حولها. لقد استغربت كثيراً جداً للثورة الأخيرة ضد الرسومات المسيئة للرسول. والضجة التى صاحبتها. مع أن رواية مثل دون كيشوت فى ترجمة عبد الرحمن بدوى فيها الكثير من الهجوم على الرسول صلى الله عليه وسلم. لدرجة أن البطل كان يشبه حماره برسول المسلمين طوال الرواية. ومع هذا لم نتحرك ولم نثر. وتعاملنا مع هذا الغرب كأننا حلفاء له. بل ونعيش حياتنا كما يعيش الغرب. ونأكل كما يأكل. ومنذ أن قال مفكروا النصف الأول من القرن العشرين. طه حسين ولطفى السيد. أن خلاص مصر لن يأتى إلا بالاتجاه شمالاً. ونحن نحاول أن نكون جزءاً من هذا الغرب. حتى الهجمة الأخيرة. لم تتعد ردود الأفعال. التى تمت بيننا هنا. ولم تمتد إلى الآخر. لتتعامل معه انطلاقاً مما قام به تجاهنا.
*  فى ظل صدام الثقافات ..هل ترى أن لنا قدرة ومقومات تساعدنا على التوازن فى هذا الإطار؟
** مصادر قوتنا أن نحافظ على ما يميزنا فى مواجهة الغرب الذى يريد حرماننا من كل هذا التميز. وهذا التميز هو الذى سيحقق التوازن بيننا وبين الغرب. من الناحية العسكرية لا قوة لنا. ومن الناحية السياسية فقدنا كل أشكال هذه القوة. وعلاوة على كل هذا. لقد سلمنا كل مقادير حياتنا للغرب الذى يناصبنا العداء فى كل شئ. علينا التعامل كما لو كنا فى معركة مع هذا الآخر. صحيح أنها معركة مفروضة علينا من الآخر. ولكن ليس أمامنا سوى الهزيمة دون الدخول فى معركة أو الهزيمة بلا معركة. وربما كانت الهزيمة بعد معركة أفضل. أو بدقة أشرف لنا من الهزيمة بدون معركة.
*  كتابة السيرة الذاتية نوع سائد من الكتابة حاليا ..ما هى المقومات المطلوبة فى هذا النوع من الكتابة؟
** مشكلة كتابة السيرة الذاتية فى بلادنا. أننا لا نكتبها بالصراحة المطلوبة. بل نخفى كل الأشياء الحقيقية التى مررنا بها. نحن نقول ما يرضى أنفسنا. أو ما يرضى الآخرين عنا. والأهم ما قد يظهرنا باعتبارنا من الأبطال الكبار. قمنا بكل البطولات الممكنة والمستحيلة. لا بد أن تكون للإنسان تجربة. تهم الآخرين وتؤثر فيهم. وأن يكتبها بصدق حقيقى حتى لو تطلب الأمر نشر هذه المذكرات بعد وفاته ورحيله عن عالمنا. كل هذه القيم لا وجود لها فى حياتنا ثم أن كل من هب ودب يكتب سيرته ومذكراته. حتى لو لم يكن عنده ما يستحق الكتابة. أصبحت كتابة السيرة الذاتية. مرادفة للخروج على المعاش. وكأنها وسيلة لشغل وقت الفراغ. أو أن هذا الخارج على المعاش يريد أن يقول ها أنذا. موجود كما كنت من قبل. وهذا لا يخرج أدباً ولا سيرة ولا ذاتية.
*  لو أتت لك الفرصة لتصرخ بكل ما بداخلك من صراخ .. الى من توجه هذه الصرخة وما هى أسبابها؟
** أشعر أن كلمة الصراخ لها مدلولات. ربما كانت سلبية لديك. لماذا لا تقول الاحتجاج أو الاعتراض أو الرفض. فى هذه الحالة أقول لك كتبت الكثير جداً حول الرفض. والاحتجاج. بل أننى أشعر فى أعماقى أننى جئت إلى هذا العالم لأعترض. وأن كلمة لا هى المناسبة لما أحب أن أقوله. وقد مارست هذا الرفض. وليس مجرد الصراخ فيما كتبته من قبل. وما سأكتبه لاحقاً. أما ما يمكن أن يقوله الإنسان فى هذا الاحتجاج فهو كثير وبلا حصر أو حدود. ما الذى يمكن أن يرضى الإنسان العادى فى الحياة من حولنا. فما بالك إن كان هذا الإنسان مثقفاً وله موقف من قضايا الواقع.
*  هل لاتجاهاتك السياسية تأثير مباشر على عدم التواجد الدائم دراميا مع أن كتاباتك تمس بشكل مباشر كل قضايا الوطن والمواطن ؟
** هذه مسألة مؤكدة. فلو تابعت ما قدم لى فى السينما والتليفزيون. تكتشف أن الفيلمين المواطن مصرى وزيارة السيد الرئيس. قدمهما القطاع الخاص. ومن ناحية المسلسلات. مسلسل واحد أنتجه التليفزيون المصرى. ممثلاً فى شركة القاهرة للصوتيات والمرئيات. ومن أجل خاطر المخرج إسماعيل عبد الحافظ الذى تحمس لرواية "وجع البعاد". وأخرجها فى مسلسل بديع. ثم تعثرت الروايات فى دهاليز أروقة شركات الإنتاج. وفى هذه الدولة المصرية القديمة والمعمرة. إما أن تمشى أمورك سريعاً. كأنها إكسبريس. أو أن تتعثر وربما تتوقف حسب تعليمات وأوامر لن تصل إليها وإلى من أصدروها أبداً. وعندى شعور قوى أنهم هم الخاسرون من وراء هذا المنع. أما خسارتى أنا فأعتقد أنها مؤقتة. لأن دوام الحال من المحال. ولو دامت لغيرك ما وصلت لك.
*  هناك من يقول أن عدم وجود لجان للقراءة تتعامل بضمير ووازع يأخذ فى اعتباره ترسيخ الريادة فى الثقافة ساهم بشكل مباشر فى سوء النتج الثقافى؟
** من الصعب التعميم فى أى قضية من القضايا. لجان القراءة شر لا بد منه. ولو أن أعضاء هذه اللجان يتم اختيارهم على أسس سليمة. وأن هؤلاء الأعضاء يدركون مدى الأمانة الموكولة لهم. وتعاملوا بنزاهة وشفافية. والشفافية أهم ألف مرة من النزاهة. لما عشنا كل المشاكل التى نعيشها فى المجال الثقافى.
*  من المؤكد أن بداخلك مشروع تتمنى أن يخرج إلى النور ..نرجو إلقاء الضوء عليه..ومتى يخرج إلى الحيز الخارجى ؟
** سبق أن أجبتك عن هذا السؤال عند الكلام عن الرواية التى أعمل فيها عن قريتى وعن حياتى. من سنة ميلادى 1944 وحتى سنة احتراق القرية فى عام 1984. وكان عمرى أربعين عاماً. فى ذلك الوقت.
*  المؤسسات الثقافية .. غياب دورها .. من المسئول  ومن المفترض أن يحاسب ويؤاخذ ..وهل نصيب المواطن المصرى من الثقافة متساوى فى كل الأرجاء؟!
** تكلمت كثيراً من قبل عن هذه المؤسسات الثقافية. ولكن الجديد فى السؤال هو الظلم الذى يمكن أن يقع على بعض المواطنين من ناحية نصيبهم من الثقافة. وهذا الظلم موجود فى كافة نواحى الحياة الأخرى. هل يتساوى مصرى يعيش على الحدود مع السودان. مع مواطن يعيش فى القاهرة؟  هل يتساوى ساكن الواحات مع ساكن الإسكندرية؟ إن كان عدم التساوى يحدث فى الطعام والشراب وفرص الحياة. فمن الطبيعى أن يكون فى الثقافة أكثر. التى ربما يتصور البعض أنها من الكماليات. التى لا قيمة لها. إن نصيب المصرى من الثقافة فى القرية المصرية. ربما يصل إلى الصفر. وفى المدينة ربما كان أكثر. ولكن فى الحالين فإن هذا النصيب أقل مما ينبغى إذا ما قورن بالمعدلات العالمية أو حتى ببعض دول العالم الثالث - مثلنا - أو المفترض أنها مثلنا فى أمريكا اللاتينية وآسيا.
*  ما رأيك صراحة فى مشروع القراءة للجميع .. ألست تشاركنا الرأى انه لابد من مشاركة الناشرين فى مثل هذا المشروع وأن تدعهم الدولة بدلا من أن يكون قاصرا على هيئة الكتاب بدلا من انصراف الناشرين إلى نشر الكتب التراثية والتقاويم بسبب انخفاض أسعار الكتب المطروحة من خلال مشروع القراءة للجميع.. وهناك من يقول أن اقتناء الكتاب قد تحول من هدف القراءة لهدف التباهى وجود مكتبة لديه؟؟!
** المفروض أن فلسفة مشروع القراءة للجميع. ومكتبة الأسرة قائمة على مشاركة الجميع فيه. أى الناشرين الآخرين الذين لا بد من مشاركتهم. بنسب معينة. صحيح أن هذه المشاركات قد لا تحدث فيها بعض المشاكل. وربما تتراجع. وتلك مسئولية اتحاد الناشرين المصريين. الذى يجب أن يدافع عن حق كل ناشر فى المشاركة فى المشروع. بشرط أن يكون لديه الأعمال المنشورة التى ترقى للمشاركة فيه.
 من ناحية الاهتمام بكتب التراث. فإن الإقبال عليها أكثر من أى كتب أخرى. إنها تأتى بعد الكتاب الدينى مباشرة. والسبب فى هذا هى حالة النظر إلى الماضى باعتباره أجمل من الحاضر. وأن المستقبل مرعب. والتراث هو كل ما تركه لنا الماضى. السطر الأخير من السؤال يشير إلى أزمة التعامل مع الكتاب باعتباره من أدوات الوجاهة الاجتماعية. أكثر من كونه وسيلة للتثقيف. وإعداد الإنسان الجيد. وتلك المشكلة جزء من الواقع الاجتماعى الجديد فى مصر. حتى تناول الأطعمة وشراءها وشراء الدواء. كل هذا يمثل حالة من المباهاة الاجتماعية أكثر من تلبية الاحتياجات داخل الإنسان. ثم إن الأسر الجديدة التى تعيش فى شقق ضيقة. لا تجد مكاناً تخصصه للمكتبة. وهى نفسها لم تقرأ. لذلك سيخرج للحياة جيل جديد من المصريين. ربما لم يسمع كلمة قراءة.
*  الى أى زمن تحن وما هى أسباب هذا الحنين؟ وهل الكتابة هى نوع من الحنين؟
** وهل هذا سؤال؟ أرى أن ستينيات القرن الماضى هى العصر الذهبى لمصر. وما جرى فى مصر. وأنا أعبر عن هذا الحنين الذى يكوى الفؤاد بالكتابة وليس بغيرها.
*  مشروع الكتاب الإليكترونى هل من الممكن أن يكون من بين عناصر الجذب لمعاودة القراءة؟
** من الممكن أن يكون الكتاب الإليكترونى من عناصر الجذب للقراءة. ذلك بشروط: أن يتم اختيار النص الذى يوضع على النت بعناية فائقة وأن تمحى أمية امتلاك هذه الأدوات. والقدرة على التعامل معها. والتركيز على الأجيال الجديدة والطالعة. لأن الأجيال السابقة مثلنا. لا تجيد التعامل مع هذه الأدوات الجديدة والطارئة. الورقة والقلم وسيلتى الوحيدة للكتابة. والكتاب الورقى. أجمل عندى ألف مرة من القراءة على الجهاز الخاص بالقراءة. من المستحيل أن يتشبع الإنسان ساعات طويلة على هذا الجهاز من أجل القراءة. لذلك فالكتاب الورقى أفضل ألف مرة. ومع هذا يبقى الإنترنت ثورة كاملة غيرت وستغير كل ما فى الحياة.




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home