دراسات هامة

 

الأدلة القرآنية في الشعر الحسيني

نضير الخزرجي



الأدلة القرآنية في الشعر الحسيني .. قراءة أدبية معاصرة

نضير الخزرجي*

لا يختلف اثنان: أن القرآن الكريم في الوقت الذي يشكل محور وحدة المسلمين من الجنسيات واللغات والأطياف كافة، بوصفه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بأنه كان بمثابة الوعاء اللغوي الذي حفظ اللغة العربية حتى يومنا هذا، وإذا اختلف أرباب اللغة في مسألة أو أعياهم الجواب عادوا الى القرآن يستنطقونه الصواب. فلم يكن من صنع البشر، لان كل كاتب ينسج الكلام متأثرا بمن قبله، والقرآن الكريم عصي على النسج بمثله، فقد فشل من قبل مدعي النبوة مسيلمة الكذاب هارون بن حبيب الحنفي (ت 11هـ)، كما لا يستطيع أرفع قلم من أن يحذو في البلاغة حذوه، إلا أن يقتبس منه أو أن يستشهد به في خطابه أو شعره. ولم يكن من صنع النبي محمد (ص) على بلاغته، لأنه لو كان منه على سبيل المثال، لجاء القرآن على سنخ خطابات الرسول بلحاظ وحدة المصدر، لكن الأمر مختلف، وان الرسول محمد (ص) إنما يتناول من مائدة القرآن الكريم، من هنا، فان مشركي قريش عندما طلبوا من نبي البلاغة، الوليد بن المغيرة المخزومي (95 ق. هـ - 1 هـ)، أن يجبّه القرآن ويقول فيه شيئا يعيد شباب مكة الى جادة عبادة الأصنام، ويبعدهم عن طريق نبي الأنام، قال قولته الشهيرة: "والله لقد سمعت منه كلاما ما هو من كلام الإنس ومن كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطُلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر".
واعترف أمراء الكلام من خطباء وشعراء بعلو كعب القرآن، فصاروا عيالا على هذا الجديد الذي ليس من نسج الجن ولا البشر، بعد أن تمكن من نفوسهم وعقولهم، فراح الحفاظ يقرؤونه لمن دونهم، وراح الشعراء يخرسون شياطين شعرهم بملاك القرآن، فجاءت أبيات شعرهم ساطعة بنور آي الذكر الحكيم، يستحضرون شطرا من آية أو كلها في صدر أو عجز، لكون الاستحضار، الطريق الأقصر الى قلوب الناس الذين يقرأون القرآن أو يقرأ عليهم كل يوم.
ولما كثر هذا النمط من الشعر، انتظم في الأدب باب الشواهد أو الأدلة، حيث يتم إعادة البيت الشعري من صدر أو عجز أو كليهما الى مصدر الآية الكريمة وجذرها، أو مصدر أحاديث النبي محمد (ص) وأهل بيته (ع)، أو أن يتم تذييل الآية القرآنية بما ورد فيها من أحاديث، كما في كتاب "شواهد التنزيل" للحسكاني أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحذاء الحنفي المتوفى بعد 490 هجرية، الذي ربط الآيات الواردة في أهل البيت (ع) بشواهدها وأدلتها من الأحاديث الشريفة.
ونلحظ مثل هذا النمط من الأدب الراقي، في أشعار فطاحل شعراء المسلمين، الذين نضدوا لآلئ حكم وأمثال النبي وأهل بيته الكرام في عقود شعرهم، فجاءت أبياتهم تضئ بنور الحكمة والمعرفة، كما في كثير من إنشاء بشار بن برد العُقيلي البصري (95-167)، مثل قوله:
اذا أنت لم تشرب مرارا على القذى......... ظمئت. وأي الناس تصفو مشاربه
وهذه حكمة شعرية ترجع بجذورها الى قول الأمام علي بن أبي طالب (ع): "اغض على القذى والألم، ترض أبدا". أو كما في أشعار أبو الطيب المتنبي أحمد بن الحسين الكندي الكوفي (303- 355هـ)، مثل قوله:
ومن ينفق الأيام في جمع ماله....... مخافة فقر فالذي فعل الفقر
وهذه حكمة شعرية أصلها ثابت في قول الامام علي بن أبي طالب (ع) وفرعها في قصائد الشعراء: "إن أخسر الناس صفقة، وأخيبهم سعيا، رجل اخلق بدنه في طلب ماله، ولم تساعده المقادير على إرادته".
وفي الشعر الذي قيل في الامام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) الكثير من الأدلة والشواهد القرآنية، تضمنتها قصائد الشعراء على مر التاريخ، وقد عنّ للأديب الأردني محمود عبده فريحات، أن يبحث في الشواهد القرآنية التي وردت في احد عشر ديوانا من دواوين دائرة المعارف الحسينية التي غطت القرن الأول الهجري حتى التاسع منه، فجاء كتابه، الذي حمل عنوان: "الأدلة القرآنية في الشعر الحسيني من دائرة المعارف الحسينية للكرباسي"، والذي صدر مؤخرا عن بيت العلم للنابهين في بيروت، في 248 صفحة من القطع الوزيري، مع مقدمة وتعليق الحاج علي التميمي.
قرأ الأديب فريحات الدواوين الأحد عشر، وهي جزء من مجلدات دائرة المعارف الحسينية للدكتور الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، فاستضاءت له العشرات من الأدلة القرآنية فيما نظم في الامام الحسين (ع) من القريض، خلال تسعة قرون، فوقف على نحو أربعين منها، شارحا لها، جامعا في الكتاب بين أسلوب الأقدمين والمعاصرين، فيتناول الآية بإعراب مفرداتها، ثم بيان شرحها من التفاسير وسبب نزولها ومصاديقها، ومقارنة الشرح برأي الفقيه الكرباسي، ثم بيان المؤلف رأيه الشخصي، وبيان علاقة الشاهد وشرحه بالبيت أو القصيدة، فوافق الأديب فريحات الفقيه الكرباسي، في الأكثر من الرؤى، واختلف معه في الأقل.
ولما كان المؤلف من الشعراء الملهمين الذين أفرزتهم الساحة الأردنية والإسلامية، فان شروحه حوت الكثير من إنشائه، فطغى النظم على النثر، وانسجما كانسجام الألوان في لوحة زيتية خلابة، فجاء الكتاب نثرا وشعرا يعضد بعضه بعضا، في حلّة قشيبة، تضع النفوس التعبى رؤوسها على وسادة الأدب، ترفع عنها أغلال الدنيا ونصبها، تستنشق عبير الحياة، من بين بيوت وردية شعرية أنشئت وأنشدت في حق من وهب الحياة لهذه الأمة في عرصات كربلاء المقدسة.
وعلى غير عادة الكتّاب، الذين يهدون كتابهم من النثر لهذا العزيز أو ذاك، فان الأديب فريحات تهادى مع أحبابه، ببيتين من الشعر في "حب النبي وآله"، أنشأ فيهما:
حبُّ النبي وآله......... يشفي الفؤاد من السَّقامة
كم جربوه فأُشربوا......... روح السكينة والسلامة
وشكر دائرة المعارف الحسينية بأبيات ثلاثة، قال فيها:
لدائرة المعارف ثقلُ دَين .........على كَتِفي ... ليُبقِيَني مَدينا
فبارك ربُّ مَن فيها ... ففيها.........نفوس تملأ الدنيا يقينا
معاهد للوفاء علت، وأعطت ..........  وحبُّ حُسَينهم كان السَّفينا
 وأثنى على صاحب الموسوعة، الفقيه الكرباسي بأبيات ست، جاء منها:
فما موسوعة في الأرض كانت ..........تُضاهي متنها عمقا وبعدا
محالٌ أن يكون لها مثيلٌ ..........وأن تلقى لها في الوصف حدّا
وقدّم لمن انعقد عليه الكتاب الامام الحسين (ع) قصيدة من 25 بيتا، جاء في مطلعها:
إن القوافي باسمه تستعطرُ........وبما يُقال عن الحسين يُعطِّرُ
يا أيها القلم الذي أشدو به ......فافخر ... فعن زّين الشباب تُخبّرُ
واعلم بأن الشعر يطهُرُ باسمه........نظما ... وإنا باسمه نتطهّرُ
هذا ابن فاطمةَ البتول ... وجدُّهُ .......خيرُ الجدود .... وفي أبيه المذخَرُ
مدُنُ العلوم "محمدٌ" ... و"عليّنا" ........أبوابها ... والعلمُ فيها يُثمرُ
ويمهد المؤلف للكتاب بنظم ونثر، ينشد في نظمه:
ربي السلامُ ... ومنه كلُّ سلام .......ومحمدٌ: خيرُ الأنام إمامي
مَن لم يُصلِّ على الرسول وآله ......لم يُنجِهِ حجٌّ ... وطولُ صيام
الله ... يا ربي ... أمتني مسلماً.......فسعادةُ الدارَين بالإسلام
وينشئ في نثره: "إن الظواهر الحسينية التي حملتها ... وأكرمت بحملها دواوين الموسوعة - ابتداءً من القرن الأول، وانتهاءً بالقرن التاسع الهجري- مترامية أطرافها، دانية قطوفها، وان قداستها تملأ قلبي خشية، ورهبة ... وتناولها يفرض عليّ أن لا اختار كلمة دون أن أعرف قدرها، وحجمها ... حيزها، ووزنها ... عذريتها وطهارتها، ليكون هناك تناسب طردي بين الوسيلة والغاية. ألا إن لكل كلمة مفتاحاً ... وإن مفتاح الكلم في احتضان الآيات القرآنية في الشعر الحسيني: الصدق، الإصرار، الوفاء المتدفق ... فلا صلاة بدون وضوء ... ولا كتابة بغير إتباع الحق إرادة وتصميما حتى يكون ... وما كانت دواوين الموسوعة لأن تكون لولا عمق وفاء سماحة البحاثة الشيخ محمد صادق الكرباسي".
وقبل أن يلج المؤلف ساحة الأدلة، الواحد بعد الآخر، صدّر الكتاب، وكعادته بقطعة شعرية ومقطوعة نثرية، أجاد في القطعة في مديح "القرآن الكريم المعجزة الخالدة"، وأبان في المقطوعة خطل الذين حاولوا مساقاة القرآن وإنزاله منزلة البشر، ناقدا في الوقت نفسه التفاسير التي تجمدت على النقل دون أن تعمل عقلها، ومنتقدا الذين يحشرون القرآن في زاوية علمية دون أن يكون لهم باع في الموضوع نفسه، فتأتي تفسيراتهم خالية من الفائدة أو متعارضة مع العلم. فالقرآن عند الأديب فريحات، يجب أن: "يفسّر بالقرآن، والحديث والعقل، والتجارب".
ولما كان: (كل أمر ذي بال لم يبتدأ فيه باسم الله فهو أبتر) كما يقول الرسول الأعظم محمد (ص)، فان الكاتب في أدلته القرآنية بدأ بسورة النمل بلحاظ اشتمالها على قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ إني أُلقي اليَّ كتاب كريم. إنه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم) الآية 29 و30، مثنيا على الملكة بلقيس نظما:
وكم أنثى تفوق بصدق رأي:........وعهدٍ بعض آراء الرجال
ومثنيا عليها وعلى إعمالها للعقل والشورى، آخذا في الوقت نفسه على أولئك الذين: "سمّوا الشورى (ديمقراطية) فأطلقوا عليها اسما غير عربي ... بعيدا عن العروبة، وجذر اللغة العربية"، ليخلص الى إن القرآن الكريم ما حمل: "قصة بلقيس، وقصها عبثاً ... وإنما جاء بها ليرسّخ الشورى قيما في صدور المؤمنين".
ويتحدث المؤلف عن "الرؤيا" في شاهد قرآني ورد في قصيدة لشاعر العراق القاسم بن يوسف الكاتب القبطي المتوفى بعد سنة 213 هجري، ويستعرض الكاتب الآيات الست التي أشارت الى الرؤيا، وبخاصة رؤيا رسول الله (ص) في بني أمية. على ان لصاحب الموسوعة مجلدا تحت عنوان "الرؤيا مشاهدات وتأويل" بحث فيه مسألة الرؤيا والأحلام بشيء من التفصيل اعتمادا على النقل والعقل والعلم الحديث.
وفي شاهد قرآني آخر، يتناول المؤلف علاقة الأب بأبنائه، وبالعكس، فيدعو الأبناء نقلا من السيرة، ونظما من إنشائه، الى احترام الوالدين في حياتهم وبعد مماتهم، داعيا الأبناء الى الاعتبار بسيرة الامام علي بن الحسين السجاد (ع) (38-95 هـ) الذي كان يمتنع عن الأكل مع مربيته، وعندما سئل عن ذلك، قال: "أخاف أن تسبق يدي الى ما قد سبقت عينها، فأكون قد عَقَقتها!!".
وتحدث عن قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) سورة الأحزاب:33، ذاكرا الكثير من الأبيات لشعراء عدة، ضمنوا الآيات في أشعارهم، فشرح الآية وأبان عن مصاديق أشخاصها، وعدد أراء العلماء من الفريقين، ورأى أن الحق فيما رواه مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (204-261هـ)، والترمذي محمد بن عيسى السلمي (209-279هـ) بأن المعني بأهل البيت (ع) هم: علي وفاطمة والحسن والحسين، ذلك: "إن الذي رواه مسلم والترمذي عن أم سلمة - أم المؤمنين - انطلاقا من قوله تعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ... يثمر في العقل والقلب، لأنه حقيقة ... ولأنه أراد أهل البيت ذكورا وإناثا ... وليس كما يرى صفوة التفاسير- للصابوني- نساء الرسول (ص) فقط". على إن الفقيه الكرباسي يرى أن الانتقالة القرآنية من التأنيث في صدر الآية (وقرن في بيوتكن..) الى التذكير في مؤخرتها (عنكم)، انتقالة مقصودة لتنزيه (علي وفاطمة والحسن والحسين) مما لحق من تأنيب الهي لنساء النبي، لكون أهل البيت الذين أشار اليهما مسلم والترمذي، منزهون بالأصالة، ولا يصدر منهم ما صدر من بعض نساء النبي في قصة مشهورة، جعل النبي محمد (ص) يعتزل نسائه، فأراد الله أن ينزه هؤلاء الأربعة من باب الاستثناء المنقطع لدفع وهم محتمل.
ويستعرض الكاتب الشروحات الواردة في الشفاعة الواردة في قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) سورة الأنبياء: 28، التي ورد مضمونها في بيت للشاعر أبي الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي البصري (ت 69 هـ)، جاء فيه:
أترجو أمة قتلت حسينا ............شفاعة جده يوم الحساب
كما ورد المضمون في بيت للشاعر محمد بن مسعود الغافقي القرطبي (ت 540هـ)، جاء فيه:
ويلحقهم فضل الشفاعة بالرضى......كلوا واشربوا من خير أكل ومشرب
ويستعرض الكاتب، مسألة الشفاعة من حيث اللغة والسيرة، وبعد أن يقطع بكرامة الله لنبيه بالشفاعة، يؤكد حرمان قتلة الامام الحسين (ع) من شفاعة النبي: "وأني أرى - وهذا رأيي- ان الرسول الكريم لا يتشفع لهؤلاء القتلة ... وهو القائل: لأشفعن يوم القيامة لمن كان في قلبه جناح بعوضة إيمان".
وفي مقام آخر، يتعرض الكاتب الى خلق الإنسان في قوله تعالى: (خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب) سورة الطارق: 6 و7، حيث ورد مضمون الخلق من الأصلاب لقصيدة للشاعر البصري سليمان بن قتة العدوي (ت 126)، يقول في احد أبياتها:
تسعةٌ منهم لصلب علي .........قد اُبيدوا وتسعةٌ لعقيل
مستعرضا الأقوال في شرح الآية وسبب النزول ومعنى الصلب (عظام الظهر) والتريبة (عظام الصدر)، على ان للفقيه الكرباسي رأيه الفقهي والعلمي في مسألة الماء الدافق، فهو يرى أن الماء المشار في الآية يخرج من الرجل دون المرأة، فحدده بين صلب الرجل وتريبته، على خلاف المشهور من كون الصلب في الآية إشارة الى الذكور، والترائب (جمع تريبة) إشارة الى الإناث.
وحتى لا ينسى الانسان ممّ خلق، فان الأديب فريحات، يذكره بمسؤولياته في الحياة، مشيرا الى نفسه من باب (إليك أعني واسمعي يا جارة)، فينشئ:
ولو اشتكى في الصين - يوما- مسلم .......لسفحت في الأردن دمعا غاليا
وكما بدأ الكتاب نظما، ينتهي به الأديب فريحات، نظما، فينشئ في الوحدة والتوحد:
بالوحدة نفهم أعداء الدنيا.......أنّا نحن الأمّه
أنّا أعلى الدنيا هاماً..........وأعزّ بني الدنيا لحمه
أنّا كالجسم وهل يغفو.........وهنالك عضو في أزمه؟!
للأمة فجر ما طلعا..........والفرقة تنخر في الأُمّه
من صدّق من عادى ديني.........مرذولٌ مذمومٌ أعمَه
ويتركنا الأديب الأردني محمود عبده فريحات، في هذا المصنف، ونحن أشوق الى نثره ونظمه، يتناول فيهما وبهما أدلة قرآنية أخرى وردت في الدواوين، ترك شرحها الى مصنف آخر.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات
alrayalakhar@hotmail.com


 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home