القلم النقدي

 

الجاحظ والأعشري والأرنب

دياب الهيموني



 الجاحظ والأعشري والأرنب

بقلم: دياب الهيموني

لأنني أرفض لغة القهر وما تتضمنه من تجريح أو ما شابه، فإنني برغم الوجع أحافظ على هذه القناعة، وفي ظل المناخ السياسي السائد على منطقتنا ومع تغير خارطة الطقس بين لحظة واخرى، يصبح الصمت موجعا، وحتى المقارنة بين ما هو مر وما هو أمرّ يكون موجعا أكثر. ولست احتاج إلى إضافة غيظ جديد في قلوب من لا يستطيعون أن يسمعوا الآخر حتى لو كانت النوايا حسنة، فالأمر لا يحتمل النوايا الحسنة أو النصائح المجانية في هذا العصر، لأننا سنجد ألف جلاد يجلد كلمات المقال، ويحللها في مختبرات الأحزاب والأيدلوجيا. لا، لست أكتب لأشحذ همم خاوية ضد أحد، وإنما أكتب بمداد الوجع لأن من حقي كإنسان أن أطرق الخزان (كما جاء في رواية غسان كنفاني).
ولأنني خبرت أن الكثيرين يقرأون ليفهموا ما بداخلهم أكثر من رغبتهم بفهم ما هو مكتوب، فيكون ردهم قاسيا على أحرف تعرت من ذاتها لتغطي عورات هذا الواقع الذي هو أحد من السكين، فكم تحتمل الأوراق من لهب ينفخ كثيرون ليحرقوا طفولة الكلمات.
ولم يكن بدا من الكتابة، دون رموز، وبمباشرة عكسية، كان لا بد من إحضار أحد كتاب العصر العباسي، ليتحدث نيابة عنا، فأستنسخت فوق الصفحات الجاحظ، وطلبت منه أن يقص القصة ويقول الرواية بعباراته وبصراحته المعروفة، بشرط أن لا يسمي الأشياء بمسمياتها، تاركا للقارئ أن يفهم ما يريد، لأنها طبائع الأشياء في هذا الوقت العصيب.
يقول الجاحظ (العصري) في كتابه (نفخ المراجل في قلي الفلافل): حدثنا الأعشري عن أبيه أن غلاما من غلمان بني جهلة زار القدس يوما مع سيده باطون ابن حديد، ونام على مداخل القدس ينتظر أن يقوم الفرنج بفتح البوابات للدخول إلى المسجد الأقصى، وفيما هو كذلك أغذته غفوة من تعب وسفر، والكلام هنا للأعشري. ويضيف: أن الغلام هب من نومه فزعا، يصرخ وهو لا يدري ما يهذي، فما كان من سيده إلا أن قام بجلده حتى أدماه. انتهى كلام الأعشري.
يقول الجاحظ: لم يخبرني الأعشري ما الذي أفزع الغلام، وكذلك لماذا قام سيده بجلده؟
الجاحظ يضيف في كتابه (علم التواصل في جمل المحامل): حدثني غلام لابن أبي قصعة قال: سمعت حديثا من سيدي سمك بن قملة يقول في مجلس له أن الأعشري كان يوما في مجلس الشاكي يسمع قصص الآحاد والقرون والكل كأن على رؤسهم الطير يستمعون إلى الراوي إنترنت بن فضاء وفيما هم كذلك هب الأعشري يصيح: وجدتها وجدتها! وما فتئ بكررها، حتى غضب منه الحاضرون فهجموا عليه بضربونه بالايدي والنعال حتى ما عدت تعرفه من كثرة ما سال من دمائه. انتهى كلام الغلاف آسف الغلام.
يقول الجاحظ: لم يعرف أحد ولم يسأل أحد الأعشري ماذا وجد؟
يضيف الجاحظ: اجتهدت أن أعرف أسرار الروايات في قصص الأعشري، وبعد البحث
والتعري آسف التحري، وجدت الأسرار كلها عند الأعشري، فقصدت بيته لأسأله، فأخبرني أبنا له أن أباه قد ذهب للحج، وعدت أدراجي وأنا أستغرب،فموسم الحج لم يحن وقته بعد، وفيما أنا في الطريق شارد الذهن أفكر في هذا الأعشري، وجدت كليلة الشاعر الكبير، فسألني عن حالي فقلت لها الحكاية، فضحك حتى انفلقت شفتاه، وقال:
ألم تكتشف سر الحكاية؟ قلت لا، قال إسمع مني سر الحكاية.
يقول الجاحظ: يقول كليلة: حدثني جدي أن ثعلبا في الغابة كان يقف في طريق الأرنب فيسأله: لماذا أذنيك طويله، فلا يجد الأرنب جوابا، فيقول له الثعلب: لا تريد أن تجيبني، ويضربه، واستمر الحال حتى ضاقت الدنيا بالأرنب، فذهب إلى الأسد ملك الغابة يشكو الثعلب، فوعده الأسد خيرا، وقال له: سأمنع الثعلب من ذلك. واستدعى الأسعد الثعلب وقال له: أنا أفهم أنك تحب أن تضرب الأرنب، ولكن أليس لك حجة غير أذنية؟ فسأله الثعلب: ليس لدي حجة غيرها، فقال له الأسد: اطلب منه تفاحا فإذا أحضر تفاحا أحمر تسأله لماذا التفاح أحمر؟ فتضربه، وإن كان أخضر تسأله لماذا التفاح أخضر؟ فتضربه وهكذا. فانطلق الثعلب في طريق الأرنب، وناداه: لن أضربك،
أحضر لي تفاحا، وهنا وقف الأرنب قائلا: وماذا تريد لون التفاح يا سيدي؟ وهنا هجم الثعلب على الأرنب يضربه وهو يقول له: أسألك دائما لماذا أذنيك طويلة. يقول الجاحظ: قررت إعتزال الكتابة بعد هذه الكتابة.




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home