من هنا وهناك

 

النباتات الطبية عبر التاريخ



ا الإحصائيات في ميدان الصحة أن عدد المرضى في ازدياد مطرد في جميع أنحاء العالم ، في البلدان المتقدمة وفي البلدان النامية على السواء. فما السبب في ذلك يا ترى ؟ هل الأدوية الكيميائية المكتشفة أصبحت غير ناجعة ؟ هل أصبحت مأكولات اليوم رغم مواصفاتها العلمية المضبوطة والمدققة لا تقوم بدورها الصحي والغذائي كما هو مطلوب وكما كان في السابق؟ كل هذه الأسئلة ، وغيرها ، تجعلنا نفكر في المشكلة الصحيحة التي تردى فيها إنسان اليوم وفي عجزه عن مجابهة أمراض وأوبئة لم تكن معروفة في السابق فما هي إذن أنجع الحلول للتصدي لذلك وللخطر الزاحف ، خطر العقاقير الكيميائية المستعملة في الصحة وفي الزراعة
لقد ثبت علميا أن لكل دواء كيميائي تأثيرات سلبية على الصحة رغم علاجه لمرض معين في الجسم ، كما ثبت أيضا أن المحلول الكيميائي الذي يرش على الأشجار وعلى النباتات يؤثر سلبيا على القيمة الغذائية لثمرتها رغم جمال مظهرها ورغم قطفها في غير وقتها الطبيعي
في هذا المجال ذكر بعض الباحثين الفرنسيين أن العقار الذي يرش على الشجرة يتواجد في أجزاء العشبة التي تنبت تحتها لمدة أربع سنوات متتالية حتى إذا لم يقع الرش من جديد ، فما بالكم إذا كان ذلك يقع كل سنة وإذا كانت الثمرة نفسها هي التي ترش للمحافظة على منظرها الجميل وبالتالي لإدرار الربح الوفير على صاحبها.فما الحل إذن لتفادي خطر الأدوية الكيميائية وللتصدي للأمراض الموجودة والتي يمكن أن تكتشف في المستقبل  
حسب عدة باحثين عصريين يكمن الحل الوحيد في مواكبة الطبيعة والارتماء كليا في أحضانها والثقة في أنها هي التي تداوي 
"أبيقراط" أبو الطب الإغريقي قال : "الطبيعة وحدها تشفي "وهذه المقولة ثابتة إلى اليوم وقد أثبت العلم الحديث صحتها. إن وسائل العلاج بالطبيعة عديدة وهي كما يلي:الحمية ، الصوم ، التمارين اليومية ، المعالجة المائية ، الأساليب الاسترخائية والذهنية ، المعالجة بالتمسيد ، بالتكميد ، بنور الشمس ، بالنوم الطبيعي وأخيرا وليس آخرا بالنباتات الطبيعية وهي التي تهمنا في هذا الباب. 
لقد استعملت الأعشاب منذ قديم الزمان للتداوي وقد اهتدى الإنسان إليها بحكم تجاربه معها وبحكم الملكة الفكرية التي ميزه الله بها على سائر المخلوقات 
فقد اهتدى في البداية بفطرته إلى أن تناول نبات معين قد يزيل التشنج في الجهاز الهضمي مثلا و أن آخر قد يشفيه من الصداع أو يخفف عنه وطأة الحمى فتناقل الناس ذلك جيلا عن جيل وزادوا عليه من تجاربهم الخاصة حتى وصلوا إلى مرحلة التدوين بالكتابة و الرموز ، فنرى ذلك لدى استقرائنا للخطوط الهيروغليفية الموجودة في مقابر ومعابد القدامى : لدى البابليين والآشوريين وفي برديات الفراعنة (Papyrus) ومن أهم تلك البرديات بردية ايبرس (Papyrus Ebers) التي شملت 877 وصفة طبية كتبت سنة 1550 قبل الميلاد وهي محفوظة الآن في جامعة ليبتسغ(Leipzig) بألمانيا الديمقراطية. وأما عن أقدم كتابة طبية في الهند فقد ذكر أن كتاب " الفيداس " المكتوب باللغة السنسكريتية (لغة هندية قديمة) قد كتب منذ ما يزيد عن الأربعة آلاف سنة ومع ما يحتويه من تعاويذ ذكر كذلك ما يقارب سبعمائة نبتة مستعملة للعلاج آنذاك ومنها ما هو مستعمل حتى الآن 
وأما ما وصل لنا من الطب الصيني القديم فقد ذكر أن تاريخه يعود إلى ألفي سنة قبل المسيح وقد دون في كتاب يطلق عليه اسم بن تساو(Pen-tsao) أي مجموعة الأعشاب الطبية ، كتبه إمبراطور الصين شين نونك " Shen Nung " وكشف فيه عن حوالي 365 نبتة مداوية. وفي بداية القرن الخامس قبل الميلاد ازدهرت حضارة اليونان فأخذ اليونانيون عن المصريين القدامى الكثير من العلوم الطبية وغيرها وكلمة (Pharmacopea) اليونانية التي تعني دستور الأدوية يرجع أصلها إلى الكلمة المصرية " فارما كي " بمعنى " يمنح الشفاء " ومن أشهر الأطباء اليونانيين  

أبيقراط (Hypocrates) الذي ولد سنة 450 قبل الميلاد والذي بنى وسائل علاجه على أسس علمية تجريبية وألف كتبا كثيرة عن الأمراض وطرق علاجها بالنباتات ترجمت إلى معظم لغات العالم ومن أهمها كتاب المجموعة البقراطية الذي احتوى على وصف 230 نبتة 
وقد أنشأ دورا للشفاء تتكون من عيادة خاصة بالمرضى ومخبر لتصنيع الدواء وهو أول من وضع أسس وقوانين تنظيم مهنة الطب والصيدلة. 

 ثيو فراستيس (Theophrastus) لقد عاش في الفترة ما بين 370 و287 قبل الميلاد وكان طبيبا وعالم نباتات وسمي بأبي النباتات لأعماله ودراساته الكثيرة والقيمة التي قام بها لوصف الأعشاب الطبية والتعرف على فوائدها وخصوصياتها في علاج الأمراض المعروفة آنذاك  

 ديوسقوريدس(Dioscorides) لقد قام بدراسات دقيقة حول الأعشاب الطبية في عهد الإمبراطور نيرون حوالي سنة 75 قبل الميلاد فسهل للمتعلم دراستها والتعرف عليها . ويحتوي كتابه الكبير عن الأعشاب وفوائدها على 958 نبتة مختلفة 

 جالينوس(Galen) ظهر هذا العالم والطبيب اليوناني المعروف سنة 88 بعد الميلاد وقد ألف الكثير من الكتب في الطب والصيدلة جمع فيها الآلاف من النباتات الطبية التي درسها عن سابقيه وتعرف عليها بنفسه خلال رحلاته الطويلة في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط وقد ضبط كذلك طرقا خاصة لتحضير الدواء من النباتات مازالت تستعمل حتى الآن . ولما احتل الرومان بيزنطة وانتشروا في حوض البحر الأبيض المتوسط واهتموا بكل علوم الإغريقيين ونقلوها إلى لغتهم بما في ذلك العلوم الطبية والصيدلية ثم جاء العرب من بعدهم لينشروا الدين الإسلامي في الشعوب القريبة منهم والبعيدة عنهم فامتزجوا بهم وأخذوا عنهم علومهم وبدأت بذلك حركة ثقافية نشيطة دامت عدة قرون وترجمت فيها كتب اليونان والهند وفارس إلى اللغة العربية ، ومن مشاهير الأطباء الذين ترجموا المراجع الأعجمية إلى العربية " تياذوق " طبيب الحجاج و" جرجس " بن يخشوع الطبيب السرياني في زمن الخليفة العباسي المنصور وهو الذي أسس بيت الحكمة في عهد هارون الرشيد وكان ذلك بمثابة مدرسة لتعليم الفلك والرياضيات وعلم النباتات والطب والصيدلة . ولم يكتف العرب والمسلمون بنقل العلوم الطبية إلى العربية فقط بل هم طوروها وأثروها ببحوثهم وتجاربهم الخاصة فقاموا بالرحلات إلى مختلف الأمصار لجمع الأعشاب الطبية ولتجربتها في مداواة أمراض مختلفة ، كما أنهم ابتكروا طرقا جديدة لتحضير الأدوية ، واخترعوا الكحول والانبيق وفرقوا بين الأحماض والقلويات . ومن أطباء وصيادلة العرب :المسلمين المشهورين  

جابر بن حيان : انه أشهر كيميائي عربي على الإطلاق ، إذ أنه اخترع عدة طرق جديدة للإذابة والبلورة والترشيح والتقطير والترسيب والتصعيد والتكليس ،وقد ألف الكتب العديدة في الصيدلة والطب منها : " سر الأسرار" و " الخواص" و " الخراج ما في القوة إلى الفعل" و " وصية جابر" و" كيمياء جابر" و " نهاية الإنفاق " و " كتاب السموم ودفع مضارها" بما في ذلك السموم النباتية كالسيكران والحنظل والأفيون الخ...كما له مؤلفات أخرى ترجم معظمها إلى عدة لغات أوروبية وظلت تدرس عدة قرون 
 أبو بكر الرازي: هو فارسي الأصل ولد سنة 854 وتوفي سنة 926 ميلادي.من أشهر الأطباء المسلمين ، كتب كتابه المشهور " المنصوري " الذي أهداه إلى المنصور أمير خرا سان آنذاك والذي يبحث في عدة علوم بما في ذلك الطب والصيدلة والكيمياء ، كما أن كتابه الطبي الشهير " الحاوي " ظل يدرس في كلية الطب بباريس حتى سنة 1394 ميلادي بينما جمع في مؤلفه " من لا يحضره الطبيب " وصفات طبية عديدة ومتنوعة ترتكز على استعمال النباتات . إن أبا بكر الرازي هو أول من صنع الكحول وأول من استعمله في تركيب الأدوية ، كما اخترع خيوط الجراحة المصنوعة من جلد الحيوانات .ومن أقواله المأثورة : " إذا كان في استطاعتك أن تعالج بالغذاء فابتعد عن الأدوية ، وإذا أمكنك أن تعالج بعقار واحد فتجنب الأدوية المركبة " 
 ابن سينا : ولد سنة 980 ميلادي في قرية قريبة من بخاري ، وكان من أعظم الأطباء المسلمين وبسبب أهميته الكبيرة أوصت منظمة اليونسكو بالاحتفال بذكراه الألفية سنة 1980 ، ولا غرو في ذلك إذا اعتبرنا مؤلفاته العلمية العديدة التي أفادت الإنسانية قاطبة ، منها كتابه المعروف باسم "القانون" والذي هو عبارة عن موسوعة ضخمة تتكون من عشرين مجلدا جمعت بين الدين والفلسفة والسياسة والطبيعة والموسيقى والكيمياء والطب والصيدلة ظلت مرجعا لا غنى عنه في الكثير من بلاد العالم حتى أوائل القرن الثامن عشر .ويضم كتاب القانون في الطب 5 أسفار: سفر يتحدث عن كليات الطب والتدريس بها وآخر يدور حول الأدوية المفردة جمع فيه 800 عقار وثالث يتناول أمراض أعضاء الجسم ورابع يتكلم عن الأمراض الناتجة عن التعفن وخامس يعالج الأدوية المركبة(الأقرابازين).وقد وقعت عدة شروح وتفاسير لهذا الكتاب آخرها طبع في "لاهور" في الباكستان سنة 1939 بعد ما ترجم إلى اللغة الباكستانية على يدي الحكيم خواجة رضوان أحمد.ومن الإنتاج التونسي تجد اليوم "الرسالة الالواحية " للشيخ الرئيس "ابن سينا" من تحقيق وتعليق الدكتور محمد السويسي -طبعة الدار العربية للكتاب-وهو كتاب مبوّب حسب الأمراض والأدوية المفردة من النباتات التي تعالجها 

 ابن البيطار الأندلسي: ولد في نهاية القرن الثاني عشر ميلادي في مدينة "مالقة" الأندلسية وتوفي سنة 1248 في دمشق تتلمذ على أستاذه المشهور أبي العباس أحمد ابن مفرج المعروف ب"النباتي" ،ويروى أنه كان يخرج معه إلى منطقة اشبيلية القريبة من مسقط رأسه لجمع الأعشاب ويساعده على ملاحظة أوصافها ودراسة خواصها الطبية ، فنشأ منذ صغره عشابا يعرف النباتات المختلفة وخاصياتها العلاجية وكيفية استخراج الدواء منها والجرعات المناسبة فجمع بين الطبيب والصيدلي والنباتي ولما سقطت مدينته في أيدي الإفرنج رحل إلى القاهرة في أيام الملك الكامل" الأثيوبي " الذي تولى الحكم في الفترة الفاصلة بين(1218 و1238) حيث لقي منه عطفا بالغا فأكرم وفادته وأسند إليه رئاسة العشابين في مصر تقديرا لمواهبه العظيمة في علوم الصيدلة والنباتات الطبية . وكان ابن البيطار يدقق النقل عن الأقدمين فما صح عنده بالمشاهدة والتجربة أخذ به وكان مخالفا لم يعمل به .فألف كتابه "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية " على هذا النحو ، ويقول ابن أبي اصيبعة فيه " لم يوجد في الأدوية المفردة كتاب أجل ولا أجود منه " كما يقول ماكس مايهوف "انه أعظم كاتب عربي ظهر في علم النبات" وانه قد رتب كتابه هذا حسب ترتيب حروف المعجم لتسهيل استعماله ومطالعته على القراء والطلاب ، ومن كتبه الأخرى القيمة "الجامع" و " المفتي في الأدوية المفردة " وغيرها. وقد طبعت أجزاء من ترجمانه باللاتينية سنة 1758 تحت عنوان "الأدوية البسيطة"

 داود الانطاكي : ولد في أنطاكيا سنة 950 هجرية ولما ترعرع رحل إلى بلاد الشام ثم استقر في مصر.وقد ترك كتابا ضخما " تذكرة داود " أحصى فيه العقاقير والأعشاب ورتبها حسب الحروف الأبجدية العربية وقد ظل هذا الكتاب مرجعا للطب والعلاج لعدة قرون 

أبو جعفر أحمد بن الجزار: انه الطبيب القيرواني المشهور الذي قام بكل دراساته في القيروان ولم يغادرها قط .وقد احتفلت تونس بألفيته سنة 1983 ، ولقد ترعرع في أسرة اشتهرت بالطب فنشأ منذ صغره مولعا بهذا الميدان .وتتلمذ على عمه أبي بكر محمد الطبيب الجراح ( 933 م ) وعلى يدي إسحاق ابن سليمان وإسحاق ابن عمران . من أشهر كتبه " زاد المسافر " الذي نقل فيه أسماء النباتات الإغريقية والفارسية إلى اللغة العربية التي يستطيع التونسي البسيط فهمها آنذاك ، وفي كتابه " سياسة الصبيان وتدبيرهم " يتحدث ابن الجزار عن علل الأطفال وكيفية معالجتها بالأساليب الطبيعية وبالنباتات الطبية. كان هؤلاء بعضا من أطباء العرب والمسلمين الذين استعملوا الأعشاب في علاجهم للأمراض المعروفة في عصرهم وإذا أردنا ذكر أسماء الباقين فالقائمة مازالت تطول وتطول . ولما احتك الغرب بالعرب والمسلمين أثناء الحروب الصليبية أخذوا عنهم علومهم في هذا الميدان وترجموها إلى لغاتهم وطوروها فانفصلت مهنة الطب عن مهنة الصيدلة وأصبح الصيدلي يبيع الأعشاب الطبية فقط وذلك على حالتها الطبيعية.ثم مع تقدم العلم والكيمياء في القرن الثامن عشر أصبحت النباتات الطبية تباع في الصيدليات على شكل خلاصات وصبغات ومستحضرات مختلفة. ثم مع تطور طرق التحليل فصلت من النبتة المواد الفعالة فيها ووضعت في شكل أقراص وحقن ودهانات وغيرها فأفاد ذلك البشرية جمعاء وقضى على عدة أوبئة كان صعبا التغلب عليها في السابق.إن التقدم العلمي والتكنولوجي يسر على الإنسان المعاصر استنباط أدوية جديدة مركبة لكن جلها مستحضر من مواد كيميائية يزاد عليها في بعض الأحيان جزء من مكونات بعض الأعشاب 
بينما أفادت الأبحاث والدراسات الحديثة أن مكونات النبتة لا تكون فعالة وذات جدوى إلا إذا بقيت مع بعضها في النبتة نفسها ولهذا من الأجدر أن تؤخذ العشبة ككل وألا تتجزأ مكوناتها، ويجب أن تستعمل وهي على حالتها الطبيعية . ومن الداعين لهذا والقريبين من تاريخنا المعاصر نجد من فرنسا مسيغي(Mességué) وكازين ( Cazin) ومن ألمانيا الأب كنايب ( Kneipp) ومن النمسا ماريا تريبن(Maria Treben) وغيرهم ولكن الذي يعتبر أب الطب النباتي في العصر الحديث وبدون منازع هو الدكتور لوكلارك( Leclerc ) الذي كون مدرسة ترتكز على البحث العلمي والتجربة والتحليل فأسكت كل الذين كانوا يشككون في فعالية النباتات الطبية وحرر بذلك الطب النباتي من الأحكام المسبقة ومن النظريات السحرية والدينية التي كانت ملتصقة به . لقد قام بتصحيح العقليات في هذا الميدان وسهل على الناس كيفية استعمال النباتات كما اكتشف نباتات أخرى لم تكن مستعملة لكنها صالحة للعلاج وذات فعالية أكبر من غيرها . إننا إذا نظرنا إلى البلدان المتقدمة في الغرب وفي الشرق على السواء نجدها قد قطعت شوطا كبيرا في هذا المضمار، إذ كلها تستعمل النباتات الطبية رسميا في العلاج ولكن بدرجات متفاوتة ، فبلغاريا مثلا تنتج سنويا1200 نوع من النباتات منها 500 تستعمل من طرف العامة و250 تصدر بكميات كبيرة إلى فرنسا وألمانيا وانقلترا بينما تستعمل البقية في المخابر المحلية لصنع الدواء الكيميائي المركب. هذا ونجد حاليا في روسيا و في الصين جل المستشفيات والصيدليات تتعاطى النباتات الطبية وهي على حالتها الطبيعية .

                 الدكتور "الهادي معتوق. 


 

 
 




 

اطبع الموضوع  

Home