القلم السياسي

 

لا تصمت .. هيا تجرأ .. وقل الحقيقة

وئام مطر



وئام مطر

  شئٌ مزعجٌ .. أن تركز شخصياتٌ عدة لها ثقلها ووزنها , تتمتع بمواقع ٍ مرموقة ٍ , على قضية الرواتب وتجعلها الهدف الأسمى للشعب الفلسطينى , وتحول الفلسطينيين إلى شعبٍ جل إهتمامه , وغاية مناله وطموحه وتفكيره , هو الحصول على الراتب ..

شئ ٌ مزعج ٌ .. أن نبدل المواقف والشعارات , نموت واقفين ولن نركع , شعارٌ قد مات إلى غير رجعة , يؤلمنا حقاً أن يقف قادة ٌ كبار كما يسميهم البعض , فيصرخون علناً دون خجل : نريد الراتب , لنكتشف حقيقة ً دفنتها عشر سنوات قد مضت , حقيقة ٌ مفادها : الراتب مقابل الأرض ..

وشئ ٌ محزن ٌ أن نستمع للبعض وهو يقول لا يعنينا شئ سوى الراتب .... وأن ينفضح أمرنا عبر شاشات التلفاز وعبر صوت الإذاعات لنغنى : وين الراتب ؟

وكل ذلك فى ظل توفير سلف ٍ مالية , أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها : تساعد على الصبر , وتترك مجالاً للصمود فى وجه الباغى الذى يحاصرنا نتيجة تمسكنا بحقوقنا وثوابتنا المشروعة.

أنا لا أقلل أبداً من أهمية حصول الموظف على راتبه , بل وأشعر بالمعاناة وأحياها , لكن أتمنى الحصول على الراتب بأسس سليمة وكريمة , بعيداً عن التفريط أو التنازل الذى لا يملكه أحد بل هو حق مشروع لأجيال ٍ قد سبقت وأجيال ستمضى , وأخرى ستأتى .

وبالله عليك أخى القارئ : لو أن أحداً أعطاك مبلغاً من المال مقابل أن تتنازل عن شرفك .. فهل تقبل ؟

لو أن أحداً أعطاك مبلغاً من المال مقابل أن تترك بيتك .. فهل تقبل ؟

لو أن أحداً أعطالك مبلغاً من المال مقابل أن تتنازل عن وطنك .. فهل تقبل ؟

لا تصمت , وعليك أن تتجرأ , وتقل الحقيقة ..

القضية أخى الكريم أكبر من الراتب , ولا تحاول جاهداً أن تتهرب من الحقيقة , ومفادها : أن الراتب كان يعطى مقابل التنازل والتفريط , وإلا فما هى حقيقة إغتيال السيد ياسر عرفات رحمه الله ؟

ولا أريد أن اجيبك بالتفصيل على سؤال ٍ يجول فى خاطرك : بأن الحصار على السيد ياسر عرفات رحمة الله عليه لم يقطع الرواتب , فالمجال هنا لا يسمح ولكن وبإختصار عليك أن تعرف أن الفرق واضح ,

وأجيبك الآن عن سؤال آخر قد يجول فى خاطرك : ما الحل إذن ؟

إلى متى ؟

سأجيبك على سؤالك ولكن بعد أن أطرح عليك بعض الأسئلة ....

إذا كانت غايتنا هى الرواتب : لماذا إنتفضنا فى عام 87 .. وقد كنا نعمل , وكانت الرواتب موجودة , ولم تكن هناك أى مشكلة على المستوى المعيشى ؟

ثم جاءت السلطة : لماذا إنتفضنا ثانية .. وكانت الرواتب موجودة , ولا وجود لمشاكل معيشية ؟

ثم إنتخبت حماس : لماذا إنتخبت .. ولم تكن الرواتب وقتها منقطعة ؟

القضية إذن لا تتعلق بالرواتب فقط كما يصور البعض , ولم تكن الرواتب يوماً جل أهتمام الشعب الفلسطينى ولا الهدف الأسمى له , ثم أطرح عليك سؤالاً آخر : تصور أن الحكومة الحالية برئاسة حماس قد أسقطت بسبب ضغط الرواتب , وقامت حركة فتح أو غيرها بتشكيل حكومة أخرى , تستجيب للمطالب الدولية المتمثلة بالإعتراف بدولة الكيان والإتفاقات السابقة ونزع سلاح المقاومة , هل تستطيع هذه الحكومة أو أى حكومة بعد ذلك أن تطالب بالحقوق الفلسطينية كحق العودة للاجئين أو إعادة القدس أو غير ذلك من الحقوق المشروعة ؟

لقد أسمعنا العالم صوتنا , ورفعنا شعارنا بأننا شعب ٌ لا يريد سوى الراتب , ولا يعنينا ما سواه كائناً ما كان , كيف يمكن لحكومة ٍ بعد ذلك تشكلها أى جهة أن تتمسك بثوابت وحقوق الشعب الفلسطينى ؟

لا يمكن ذلك ولا بأى حال من الأحوال , أتعلم لماذا ؟

لأن الطرف الآخر كما يسميه البعض قد عرف أسمى أمانينا , وأكتشف حقيقتنا , ليقول لنا عندما نلوح بأى ٍ من حقوقنا : إصمتوا أو نعيد الكرة ثانية ..

فنحاصركم ..

ونقطع رواتبكم ..

لا تتحدثوا نحن عرفناكم جيداً , وأمسكنا بخيوط اللعبة .

ثم تصور أخى , أن الحكومة الحالية إستمرت , أو تشكلت حكومة وحدة وطنية , على قاعدة التمسك بالثوابت والحقوق المشروعة , وألتف حولها الشعب الفلسطينى بأكمله , يدافع .. كما تدافع عن حقوقه وكرامته , ويأبى أن يفرط أو يتنازل , فما الذى يمكن أن يفعله العالم تجاه ذلك ؟

لو أنا حصلنا على المال القليل من أجل الوطن الكبير فصبرنا ودافعنا , فما الذى يمكن أن تفعله دولة الكيان لثنينا عن ذلك ؟

الحل أخى الكريم : أن نثق أولاً : بنصر الله تعالى , أتعلم لماذا ؟

لأننا مسلمون , والله غالب على أمره ولو كره الكافرون ..

لم يكن العقل البشرى زمن النبى صلى الله عليه وسلم , يصل إلى مجرد التفكير بأن ذلك العبد الحبشى بلال بن رباح يمكن أن يكون سيداً , ومن يشهد له بذلك .. إنه عمر الذى قال : أبو بكر سيدنا أعتق سيدنا .. يقصد بلال , ذلك العبد الرقيق الذى يرعى إبل سيده على حفنات من التمر ,

وسراقة ذلك الرجل الذى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم , يقتفى أثره ليدل المشركين عليه , يعده الرسول صلى الله عليه وسلم بسوارى كسرى إذا رجع وأخفى أثره , فى وقت كان المسلمون أضعف ما يكون , ونالهم من العذاب ما نالهم , أنها الثقة بنصر الله تعالى الذى لا يخلف وعده .

ثم الصبر والصمود , فمن يريد الوطن يصبر ويصمد , حوصر النبى صلى الله عليه وسلم وصحبه حصاراً شديداً , حتى كان الرجل يخرج من بيته فى ظلمة الليل , تطأ قدمه ما لا يعلمه فيأكله من شدة الجوع , ولم يثنيهم ذلك عن إرادتهم شئ , بل تمسكوا بدينهم فلم يفرطوا ولم يتنازلوا , إلى أن تحقق نصر الله تعالى , عرضت عليهم الأموال والنساء والحكم مقابل الرجوع عن دين الله فرفضوا وإستحقوا نصر الله تعالى بجدارة .

ثم الوحدة , على قاعدة التمسك بالحقوق , والدفاع عن الوطن .

هذا هو الحل , أما القول بأن الحكومة عاجزة , ويجب حلها , فلن يكون هناك حل أبداً حتى بتشكيل حكومة وحدة إذا ما تمسكت يوماً بالحقوق .


 




  أرشيف القلم السياسي

اطبع الموضوع  

Home