كتاب العدد

 

الإرهاب الغربي

روجيه جارودي



في كتابه الأخير، روجيه جارودي يعلن:

 

الفكر الغربي.. مارس أبشع أنواع الإرهاب تحت قناع الحضارة

 

النهضة الغربية المتوحشة قامت على مص دماء البلدان المغلوبة.

الفكر الغربي فكر مسيحي ولا يمكن أن ينسلخ من عباءة الكنيسة.

(العولمة) جريمة في حق الإنسانية.

دولة إسرائيل امتداد للإرهاب الغربي.

أمريكا – في نظر جارودي- هي طليعة الانحطاط في العالم.

الفكر الماركسي لا يزال يسيطر على عقلية جارودي في معالجة الأمور.

 

الكتاب  : الإرهاب الغربي .

المؤلف : روجيه جارودي. 

تعريب  : د. داليا الطوخي- د. ناهد عبد الحميد – د. سامي مندور – عبد المسيح فلي.

الناشر  : مكتبة الشروق الدولية.

سنة النشر: 1425هـ/2004م.

 

بقلم: ياسر محمد غريب 

 

يعد روجيه جارودي في صدارة أولئك الفلاسفة الغربيين الذين يثيرون جدلاً صاخباً حول تحولاتهم الفكرية وآرائهم المثيرة للجدل، وقد برز اسم جارودي في العالم الإسلامي منذ أعلن إسلامه في بداية الثمنينات، وعلى الرغم من ذلك لم تتوقف الانتقادات الموجهة إلى جارودي، بل ازدادت هذه الانتقادات بدخول فلسفة جارودي الخاصة إلى ساحة الفكر الإسلامي.

وربما تكمن إشكالية الخلاف في الفكر الإسلامي عند جارودي في أن التحولات الفكرية التي مر بها قبل الإسلام - منذ أن كان طفلا يعيش في أسرة ملحدة ثم رحيله إلى الماركسية ثم اعتناقه البروستانتية – قد تركت في نفسه وعقله أثراً لم يمح بدخوله الإسلام، أو على حد تعبير جارودي عن نفسه:" لم يعن وصولي إلى الإسلام أبداً قطيعة كاملة مع كل خبراته الفكرية والوجودية السابقة".

وأيا كان الأمر فإن كتابات هذا الفيلسوف تستأهل الوقوف أمامها بالقراءة والفهم والتحليل، وتأتي أهمية الكتاب الذي بين أيدينا اليوم في ثلاثة أشياء:

  1- أن المؤلف استهلك جزءا كبيرا في بداية الكتاب في شرح وتحليل تحولاته الفكرية المتتالية حتى وصل إلى الإسلام، وتأتي أهمية هذا الجزء في أنه يعد (مفتاحا) لشخصية جارودي، قد يسهم في تيسير قراءة وتفهم مواقف جارودي – وليس بالضرورة قبولها- في مؤلفاته جميعاً، والتي لم يتنازل فكريا عن أي منها بوصفها الممثل الصادق عن مراحل التطور الطبيعي لفكره.

2- إن الكتاب يعالج قضية في غاية الأهمية، إنها قضية (الإرهاب الغربي) في مقابل الإرهاب الإسلامي (المزعوم)؛ وهي قضية تحتاج إلى مثل جارودي ذلك المثقف الغربي أن يقدمها وأن يؤصل لجذورها في الفكر الديني والسياسي الغربي.

3- إن هذا الكتاب ربما يكون الكتاب الأخير الذي يؤلفه جارودي، إذ جاوز التسعين من عمره، وشرع في أن يغلق دكانه.

 

التحولات الفكرية في حياة جارودي:

استغرق جارودي ما يقرب من الخمسين صفحة الأولى في الكتاب في استعراض تحولاته الفكرية الشخصية؛ وهو يقول: "مرت حياتي بانشقاقات لا آسف على أي منها؛ لأنها ليست إنكارا لما سبق ولكنها تجاوز لحد ما".

لقد نشأ جارودي في أسرة فرنسية ملحدة، لكنه اعتنق البروتستانتية في الرابعة عشر من عمرة، ثم انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي في الثانية والعشرين حتى أصبح عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفرنسي، وفي الوقت ذاته كان رئيسا لجمعية الشبان المسيحيين البروتستانت.

وقد (طرد) جارودي من الحزب الشيوعي منذ أكثر من ثلاثين عاما، وكان سبب ذلك أنه قال: " إن الاتحاد السوفيتي ليس بلدا اشتراكيان، وإن الاشتراكية ليس لها وجود فعلي في أي مكان في العالم".

أما أكبر تحول في حياة جارودي فكان تحوله للإسلام؛ لقد تعرف على الإسلام مبكرا جدا، وهو يقول في أحد الحوارات التي أجريت معه:" لقد عشت في بداية الحرب العالمية الثانية تجربة فريدة من نوعها؛ لأن قوات الاحتلال الألماني قبضت على المجموعة الأولى للمقاومة الفرنسية حين سقطت باريس، وصدر الأمر بنقلها إلى معسكر "جلفة" في جنوب الجزائر، وكنت أحد أفراد هذه المجموعة، فدعوت رفاقي إلى تمرد في السجن، وفي مارس من سنة 1941م دعوت حوالي خمسمائة منهم إلى التظاهر لتأكيد اعتراضنا على السياسة النازية..

وبعد ثلاثة إنذارات من قائد المعسكر.. أصدر أوامره للجنود بإطلاق النار علينا ففوجئنا برفض الجنود ذلك حتى بعد تهديدهم بالسياط..

ولم أفهم للوهلة الأولى سبب رفضهم، ثم عرفت أن هؤلاء الجنود كانوا من الجزائريين المسلمين، الذين يرون أن شرف وأخلاق المحارب المسلم تقتضي ألا يطلق النار على إنسان أعزل!".

ويضيف جارودي:" لقد صوروا لنا المسلم على أنه متوحش همجي، فإذا بي أمام منظومة قيم متكاملة لها اعتبارها، لقد علمني هذا الموقف، واستفدت منه أكثر من استفادتي عشر سنوات بالسوربون".

 

أزمة العقل الغربي:

يذهب جارودي إلى أن التسلط الغربي على العالم يضرب بجوره إلى آلاف السنين منذ أسطورة (شعب الله المختار)، هذه الأسطورة التي بررت إبادة الآخرين، حتى "الإمبراطورية الرومانية" التي ادعت أنها تضم في حدودها كل العالم المعروف آنذاك، وهذا ما سمته أوروبا بـ" الحضارة"، كما لو كانت حكرا عليها، لكي تعطي الشرعية لاستعباد واستعمار الشعوب الأخرى.

 أما قادة الولايات المتحدة فقد جعلوا مهمتهم -التي كلفهم بها القدر- هي قيادة العالم لإقامة نوع من " العولمة" أي نظام وحيد خاضع لما سماه أحد منظريها بـ " قانون السوق".

ويقول جارودي: " ولكي ننجز مهمتنا ونحقق الوحدة المتناسقة لعالم اليوم الذي انقسم إلى شمال وجنوب، بعد عشرين قرنا من انفصال الغرب، وخمسة قرون من الاستعمار، وخمسين عاما من الهيمنة الأمريكية الإمبريالية، نجد أنه من الضروري أن نرسم منحى لتطور الغرب النهاب، ونعود إلى أسباب الانقسام، ونبحث عن الوسائل التي تضع نهاية ذلك، فنضع نهاية لهذا الصدع الذي يزداد باستمرار – حتى في الغرب نفسه – بين من يملكون ومن لا يملكون".

ويتفق جارودي مع (بول فاليري) أن ثلاثة تقاليد شكلت أوروبا؛ وهي:

1-    المسيحية، وبأكثر دقة الكاثوليكية، في المجال الأخلاقي.

2-    التأثير المستمر للقانون الروماني في مجالات القانون والسياسة والدولة.

3-    التراث الإغريقي في مجال الفنون.

لكن ما يتميز به جارودي وهو دعوته بألا نفصل هذه التيارات الثلاثة عن مصادرها؛ "لأنه بهذا الفصل يتولد الإيهام بأن الغرب ما هو إلا بداية مطلقة، ليس قبله شيء، وأنه ظهر كنبته قد نمتنع عن تتبع جذورها، نبته منعزلة ووحيدة كنوع من المعجزة التاريخية!".

وقد أسهب المؤلف في عملية التأصيل للفكر الغربي بمنابعه الثلاثة السابقة طيلة الفصلين الثاني والثالث خاصة ما يتصل منها بالعنصر الديني الأخلاقي الذي صرح بأن أوروبا رغم علمانيتها اليوم لا يمكن لها أن تتنازل عنه، فيقول:

" إن التاريخ الديني للكنيسة يسيطر سيطرة تامة على التاريخ الغربي، فأوروبا لم يكن لها وجود خارج إطار الكنيسة، وستظل دائما وأبداً داخل هذا الإطار الذي لن تستطيع الخروج منه، حتى بعد أن وقعت معاهدات ويسفاليا عام 1648م، وتفككت أوروبا إلى أمم كثيرة. ولن تجدي أيضا محاولتها إقناع العالم أن بإمكانها القيام بنهضة أو قيامة حقيقية باستبدال الكنيسة بالسوق الموحدة التي يسيطر عليها الدولار وتابعه (اليورو).

وهو يؤكد بالدليل الفلسفي والواقع التاريخي بعد تتبعه لجذور الفكر الديني المسيحي أن التاريخ الأوروبي أو بمعنى أصح –حسب تعبير جارودي- التاريخ المسيحي الذي أدى إلى نشأة أوروبا، تاريخ دموي حافل باضطهادات الهرطقة التي ولغت في الدماء والتعذيب الجسدي.

 

نشأة المتوحشين:

تحت هذا العنوان كتب جارودي أحد فصول الكتاب، وكان يقصد به أصحاب النهضة الغربية الذي بدأت مع القرن السادس عشر، وصنعت تلك المواجهة الجدلية بين مصطلحي (التقدم) و(التخلف)؛ فالتخلف هو التعبير عن علاقة استغلال بلد لبلد آخر، وبمعنى آخر: التنمية والتخلف هما مكونان لنظام واحد هو النظام الرأسمالي. فتكديس الثروات ونماءها تم على عدة مراحل:

-       إبادة هنود أمريكا بدأ من القرن السادس عشر.

-       تجارة العبيد التي كانت ضرورية لاستغلال مناجم وأراضي أمريكا لخلوها من سكانها بسبب هذه الإبادة.

-       القضاء على العبودية بدءاً من الثورة الصناعية، لأنه كان لا يسمح أبدا بتنفيذ التقنيات الجديدة.

-  بداية الاستعمار بالمعنى الصرف للكلمة، أي السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية على إفريقيا وأكبر جزء من آسيا وأمريكا اللاتينية، لضمان الاستثمارات المربحة للغاية في الصناعة والتجارة عن طريق فرض الأسعار البخسة على الأيدي العاملة، والأسعار المرتفعة للمنتجات المستوردة.

وقد أخذ المؤلف يتتبع تطور الفكر الغربي منذ القرن السادس عشر، ذلك القرن الرهيب الذي بدأت فيه عملية نهب 90% من الثروات المادية التي انتهجها أولئك الذين يعيشون من أجل الثراء والقوة.

وهذا هو ما يطلق عليه في الغرب مصطلح " العصور الحديثة" والمؤرخون مكلفون بنقل أيديولوجيته إلى الأطفال، ووسائل الإعلام مكلفة بنقلها إلى البالغين.

 

العنف في السياسة الأمريكية:

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي بدأ الغرب (الولايات المتحدة وبريطانيا وحلف الأطلنطي) وإسرائيل والصهيونية العالمية حملة تشهير كبرى ضد الإسلام والمسلمين باعتبارهم العدو الجديد للحضارة الغربية؛ وقد بلغت هذه الحملة اليوم مبلغها عسكريا وثقافيا وسياسيا، وكل ما نفعله اليوم هو محاولات متقطعة لنفي الإرهاب عن الإسلام، مع استغلال بعض حكومات الشرق الأوسط تلك الحملة العالمية لزيادة البطش ضد المعارضة بزعم محاربة الإسلام أو مساندة الحملة الغربية على الإسلام.

في حين يأتي التعريف الأمريكي للإرهاب كما بينه تشومسكي في كتبه (أوهام الشرق) و(السيطرة على العالم) و(11/9) ينطبق تماما على من السياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما قام جارودي بتتبعه في الكتاب الذي بين أيدينا حين يذكر أن العنف الذي تمارسه الولايات المتحدة في سياستها الخارجية إنما هو امتداد لما يمارس في الحياة داخليا منذ العام 1889م، يوم أن أكد السيناتور ألبرت جي بفريدج (عضو مجلس الشيوخ) أن:

" التجارة الدولية يجب أن تستحوذ على النصيب الأعظم منها، وأن نقوم بغزو البحار والسيطرة على التجارة البحرية من خلال تملك أسطول ضخم يتناسب مع قوتنا وطموحاتنا، فهناك مستعمرات كبيرة تحكم نفسها ويمكنها التغلب على مراكبنا؛ لذا يجب أن نضع نصب أعيننا ضرورة السيطرة على الطرق التجارية، وأن يرفرف علمنا على العديد من مناطق العالم من خلال وصول تجارتنا إلى هذه المناطق، يجب أن تصمم مؤسساتنا على وصول القانون الأمريكي والعلم الأمريكي والنظام الأمريكي والحضارة الأمريكية إلى هذه المناطق والطرق التجارية في العالم، وقد يكون ذلك بصورة دموية.. وستكون نعمة الرب معنا حتى يصبح نجمنا ساطعا في أرجاء عديدة من العالم".

كذلك فإن العقيدة الأمريكية التي تقوم على ثنائية عقائدية وهي: عناية الرب الحتمية وعبادة الدولار، تدفع ريتشارد نيكسون أن يعلن أن " الرب مع أمريكا.. يريد الرب لأمريكا أن تقود العالم". وهكذا تتوجه أمريكا وحلفاؤها إلى الشرق لتنفيذ إرادة الله وحصاد المال واستنزاف الثروات.

لكن الحقيقة التي يجب ألا تغيب والتي التفت إليها جارودي هو العداء الخفي بين أوروبا والولايات المتحدة، فأوروبا لم تغفر للولايات المتحدة حتى اليوم ما جرته سياستها الخارجية منذ بدأ ظهورها على الخريطة الاقتصادية والعسكرية مع الحربين العالميتين، حين دفعت دول أوروبا فواتير الدمار التي انتجته السياسة الأمريكية.

فبالرغم من توحد جذور الفكر بين أمريكا والغرب؛ إلا أن أمريكا في نظر جارودي وفلسفته تحظى بنصيب أكبر من الاحتقار جعلها تحظى بلقب (أمريكا طليعة الانحطاط) وهو عنوان لأحد كتب جارودي القيمة.

ويعلق أحد الباحثين قائلا: إن جارودي يعيد سياسة الهيمنة الأميركية التي صنعت وتصنع "فوضى عالمية جديدة" إلى البعد المادي المسيطر على صناعة القرار في منظومة الحضارة الغربية، والذي يرسّخ ما يعتبره ديانة جديدة يطلق عليها وصف "وحدانية السوق" الناجمة عن تطوّر اقتصاد السوق باتجاه السيطرة على صناعة القرار وطنيا وعالميا في مختلف الميادين في إطار حضارة مادية احتكارية تلغي الآخر "الحضاري".

 

أين المسلمون في هذا المأزق:

ما هو موقف المسلمون من هذا التوجه العنكبوتي الذي يلف بخيوطه هذا العالم؟! إن جارودي يتفق مع سيد قطب في أن الإسلام وتعاليمه هو الأقدر على قيادة البشرية وإنقاذها في هذا العالم الذي تقوده حضارة بلا قيم، ويتفق مع المفكرين المسلمين في تجسيد سر تأخر العرب والمسلمين في نقطتين رئيستين:

1-   حصر وحكر الإسلام – وهو دعوة عالمية لكل زمان ومكان - على استيعاب (فقهنا) لتجربة وفهم المسلمين في القرون الأولى، وعالمها المحدود.

2-   الشريعة هي قانون الله، لم تعد عند النصيين أو الحرفيين – المتمسكين بالحروف عوضا عن الجوهر والأساس- قاعدة للتطبيق العالمي، المؤسس على قوانين عامة، قابلة للتطبيق في مجتمعات متنوعة تنوع الزمان والمكان.

ويهتم المؤلف بالتوجيه إلى ضرورة إحداث نهضة في العالم الإسلامي، حيث يرى أنه:

1-  يتطلب تحقيق أي نهضة سياسية وروحية في للعالم الإسلامي: قراءة جديدة للقرآن من ناحية، والتحرر من أي تفسيرات سطحية يقدمها العلماء من ناحية ثانية.

2-  لا يجب أن تطرح مشكلة (الحداثة) في العالم الإسلامي، انطلاقا من أيديولوجية غربية.. تستبعد مشكلة "الغايات النهائية" الخاصة بالعالم الإسلامي وتبرر الوسائل التي تقود إلى القوة والثراء انطلاقا من الاستعمار العسكري والاقتصادي والثقافي لباقي أجزاء العالم.

 

الماركسية في فكر جارودي:

يرى جارودي على أن الفكر الاقتصادي الماركسي لا يتعارض مع الإسلام كدين، وأنه يمثل عبقرية فذة تم تشويه صورتها من خلال ممارسة الفكر الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي والدول التابعة له، وأن هذه الدول لم تطبق أفكار ماركس كما أرادها هو. ومن هنا خرجت أفكار جارودي التي تهاجم التفكير الرأسمالي بشراسة، وقد برز ذلك في هذا الكتاب وفي غيره بوضح شديد، مما يعني ضرورة أن يبين هذا الأمر على يد المتخصصون في الفكر الاقتصادي الإسلامي.

 

من تجاوزات جارودي:

وبالرغم من عقلانية الطرح للمرض الذي يعاني منه المسلمين إلا أن جارودي قد جاوز حده في احترام عقله (المخلوق) ليبرر أحد قوانين (الخالق) حين يحاول التمثيل لما ذهب إليه بالأخطاء في تطبيق الشريعة الإسلامية، وذلك بالإصرار على تطبيق قانون العقوبات في القرن السابع؛ حين يقول: "مثل قطع أيدي من يقترف جرم السرقة، على مجتمعات حيث أصبحت السرقة فيها صورة من صور المضاربة.. لا تستخدم الأيدي بل هناك سرقات أفظع وأشد هولاً، لا تستخدم فيها الأيدي.. سرقة الحياة الشريفة الكريمة العزيزة من ملايين البشر.. سرقة أعمار الشباب وأحلامهم وطموحاتهم.. سرقة البشرية من نفوس البشر"!! ثم يضيف: " التطبيق الحرفي كان تطبيقا تاريخيا، خاصا بزمان ومكان"!!.

ومما لا شك فيه أن في فكر جارودي الكثير من الموضوعات التي تستحق المراجعة والمناقشة، ولا مجال لإعادة سردها في هذا المقال، وقد تحدث في ذلك كثيرون.

 

أخطاء شنيعة في ترجمة الكتاب:

تبقى في النهاية ملاحظة هامة ينبغي أن يتيقظ لها الناشرون وهي:

1- ضرورة عدم تشتيت ذهن القارئ مع أكثر من مترجم للكتاب الواحد، أو على الأقل وجود مترجم واحد يقوم بمراجعة النص كاملاً، فلكل مترجم لغته الخاصة وثقافته المغايرة، والتي تنعكس بالضرورة على تعريبه للنص الأجنبي.

2- ضرورة المراجعة الموضوعية فضلا عن المراجعة اللغوية؛ وإذا أخنا على سبيل المثال لفظ (العولمة) في ترجمة كتاب جارودي الذي بين أيدينا، وجدناه في أكثر من موضع بمعان مختلفة، فمرة يأتي ممدوحا بمعنى (العالمية) أو (الإنسانية) بمعناها الواسع، وذلك في ترجمة الدكتور سامي مندور للمقدمة حين تقول ترجمته:" لقد بدأ محمد (ص) بعولمة الرسالة، فأمر بتكريم الأنبياء السابقين، الذين أرسلهم الله".

بينما لا تمر عشر صفحات إلا ونرى الدكتور سامي مندور يتعامل مع نفس المصطلح بمعنى آخر وهو معنى التسلط والهيمنة حين تقول ترجمته على لسان المؤلف: " يبدو بالنسبة لنا - نحن الغربيين – أن طريق الهيمنة الذي أخذ اليوم اسم العولمة أضحى ممهدا جداً".

أو يقول المترجم في مكان آخر على لسان جارودي أيضاً" العولمة: هي اسم مرادف لطموحات الهيمنة العالمية لدى الولايات المتحدة والتابعين لها، الذين يقودننا في القرن – الواحد والعشرين- إلى انتحار كوني".

3- إسناد تعريب جزء من الكتاب لمترجم غير مسلم واسمه (عبد المسيح فلي)، بل وتخصيص الجزء الذي يعالج قضية الشريعة في الإسلام وكيفية التعامل مع نصوص الشريعة له، أمر يثير الريبة، خاصة أن لرجاء جارودي الكثير من الإشكاليات في هذا الباب. وهذا الأمر يعتبر سقطة كبيرة للناشر.

 




  أرشيف كتاب العدد

اطبع الموضوع  

Home