مقال

 

فسحة أمل

مسعود عكو



فسحة أمل

مسعود عكو

في خضم ضبابية مستقبل، بات خجلاً من كل آثام الطبيعة، المزوجة بأنين أيامنا المتصدعة، تتسلل من خلف ستار عقيم كل أجنة الموت الأخرق، لتذرف من جديد أعين كئيبة، كل أحرف كتب القدر لها الفشل، في ظل هذه الحلكة القاحلة، وتتناثر خلف أسوارها الأليمة، أنين يوم خافت كتب له الهم على دفتر ذكرياته، أذكرني كلما بكيت.

هذه الدنيا تكمن فيها كل خروقات البشر، وتتألم من آهاتها كل القلوب المبتورة، لذا تعود الحجل أن يقبق حزناً على آمال نثرتها حماقات البشرية، وتبتر مدية ثلمة أخر فسحة أمل ظن التائه أنها أجمل لحظات حياته الكئيبة، وعاودت الأنانية المفرطة من بشر فقدوا كل أحاسيس الوفاء، والمحبة، ولم يجعلوا في أفئدتهم أية فسحة للتسامح، والأمل، والحب، وامتزجت أحرف دمائهم القاتمة بحقد دفين، لا يستوعب ظلامه كل مجرات الكون الكبيرة حتى بات الكون كله ضائعاً في هذه الأحقاد.

لماذا هذه الحياة قاحلة؟
لما البشر يولدون فيها، ومعهم أنين صرخة دائمة على مر الزمن الطويل؟
لما لا تستطيع أرواحنا أن تتطهر من كل آثامها؟
ألا يحق لنا أن نعيش بدون هموم؟ 
أم القدر كتب على جباهنا المليئة بخطوط الزمن الكئيب، الفشل، والخوف، والأسى.
هل باتت الحياة إلى هذه الدرجة أليمة كئيبة؟
لا مكان لأحد فيها سوى إذا كان متغطرساً مجرماً حاقداً قاتلاً.
ألا يحق للحب أن يجد لنفسه فسحة أمل بين طيات أفئدتنا الحزينة؟
ألا يحق للأمل أن يشرق من أرواح خذلها الزمن، وسلط عليها كل شياطين الكون الحمقاء؟

هل باتت أحلامنا، وأيامنا وليدة حدث ميت؟
أمالنا، وأفكارنا أجنة وئدت قبل أن تولد؟
الحياة رحبة أكثر مما نتوقع، ونفكر، ونظن.
لكن! أنفسنا الظالمة تأبى أن ترى أعين باكية تضحك، وأفواه جائعة تشبع، وأفئدة قتلتها كآبة الزمن تجد، ولو لمرة واحدة فسحة أمل تتسلق الفرح لعلها تجد لنفسها مكان يتسع لها في ضوضاء الذل، والخنوع، والكآبة.

لماذا عندما نبلغ النشوة في الفرح نبكي خوفاً من القدر؟
لماذا عندما نضحك نقول في أنفسنا اللهم أعطنا خير هذا الضحك؟
ألا نستطيع، ولو لمرة واحدة أن نضحك دون أن تذرف أعيننا عبرات الحزن الممزوجة بالخوف القادم من أنين الأيام الصدئة، والسنين الثملة بمي الآثام، والآلام.
ألا يحق لنا أن نسعد بلحظات ظلت دائمة خائفة من النحس، والخوف الأجوف؟
ألا يحق لنا كلنا أن نضحك، ولو لمرة واحدة دون أن نبدي في أنفسنا خشية من شيء مخفي وراء تلك السعادة.

يسلط علينا القدر كل شياطين الكون، وتتحد قوى الشر في ذواتنا الضعيفة فتأبى أنفسنا المريضة بشتى أنواع الشيزوفرينيا الهداية، فتنفصم أرواحنا، وحين نبحث عنها لا نهتدي إليها. بل نتوه أكثر في هذه البائسة التي حضتنا رغماً عنا، فلا نجد سوى كلمات ورقية، وأحرف إسمنتية تقع ذليلة أمام أعين من يتفوه بها.
هل كتب علينا الحزن كما كتب على الذين من قبلنا؟
نعم!!! ونشرنا من خلالها ثقافة الخوف، والحزن، والأسى.

فسحة أمل الكل بات يبحث عنها في هذه الساعة، وفي كل دقيقة تمر علينا كوقع السيوف الثلمة.
فلنجد لأنفسنا حياة غير التي نعيش فيها، ولنبدل أرواحنا كما نشاء، لا كما يقيدنا القدر بأرواح ذابلة تتساقط من أول لحظة خوف، وألم، وأنين.
لنجعل كل من في الكون يتمنى الأمل، ويحبه كما نحب الحياة، والماء، والهواء.
فلنمضي مسرعين إلى أيام جديدة لا للخوف، والذل، والموت، والكآبة أي أثر فيها.
فلنجعل كل أيامنا فرحاً، وحباً، ونخلق في هذا الشتات، والضياع الكبير، وفي خضم اليأس العقيم ، أكبر فسحة أمل، الكل فيها له فسحة، له فيها نافذة تطل على يوم جديد، ونهار باتت تشرق شمسه من بداية فجره.




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home