دراسات هامة

 

وقعت صك الحزن في أعصابي

الشحات غمري أبو قطرية



وقعت صك الحزن في أعصابي
قراءة نقدية
 بقلم الدكتور الشحات غمري أبو قطرية

شريف جاد الله من الشعراء المهمومين بقضايا الوطن العربي، عبر الزمان وعبر المكان، وشعره من المرايا التي تعكس نبض الوطن وترصد قضاياه المعاصرة.
وهذه قراءة نقدية لقصيدته التي جاءت لحنا حزينا باكيا لما يحدث في العراق .
حيث استوحى من التاريخ الإسلامي بعضا من الشخصيات والأحداث والأماكن، موظفا إياها في رحاب تجربته التي عنوانها (وقعت صك الحزن فى أعصابي)(1)، حيث يقول منها:

غاض الجمال بلحننا المنساب


يا بابلية ضمدى ألم السنا

وقعت صك الحزن فى أعصابى


عودى لكى يرتد طرفى ها أنا

مستصرخا لكن بدون جواب


فدم (الحسين) مضرج بجوانبى

عشق الخطابة مثل شهد رضاب؟!


هل (كربلاءٌ) أسكتت فمنا لاذى

والليل عربد ضاحكا برحابى ؟!


وتوضح الصبح الجيمل حداده


فيا يا بلية - طبقا لما يحتمل - رمز للأمة بأثرها، وإذا كانت (بابل) إحدى مدن العراق، فإنها تذكرنا هنا ببغداد قديما وحديثا. بغداد الخلافة والحضارة والثقافة والفكر والفن والقضاء والعلم، بغداد الإشعاع والمنارة، بغداد رمز الوحدة الإسلامية .
ساعتها كانت بغداد حاضرة الخلافة تسيطر على حركة العولمة سياسيا واقتصاديا وحضاريا، وكانت ملاذ طلاب العلم من شتى بلدان العالم، متزامنة مع شقيقتها؛ الحضارة الإسلامية فى المشرق العربي الأندلسي.
غير أن بغداد الآن هي الحصار والدمار وحقل تجارب للأسلحة الفتاكة، واللقمة السائغة للقوى الغاشمة، قوى التحالف ضد الخير والنور والحب والسلام.
من هنا ندرك الباعث على التجربة التي تأسى على الواقع المهين، وندرك لماذا بدأ الشاعر تجربته بإعلان حالة الاكتئاب، وإعلان حالة التعذيب النفسي فى مطلع دفقاته الشاعرة بالحزن والأسى قائلا:

وملأتُ من نهر الجوى أكوابى


أوصدتُ منْ فَرْطِ الأسى أبوابى

والبابليةُ كم تزيدُ مُصابى


الأعينُ النجلاءُ غازلها القذى

بين الضلوع مجامر لعذابى


والجفن خَضَّبه الحنين فأينعت


والصور والتراكيب تنبؤك عن مقدار الحزن: (فرط الأسى، نهر الجوى، تزيد مصابي- الجفن خضبه الحنين، مجامر لعذابي).
وقمة المأساة كما عايشها الشاعر بفنه هى تلك المفارقة العجيبة.
والتضاد الفني المعبر (الأعين النجلاء - غازلها القذى) هي لفظة شعرية حسية مصورة، تفصح عن الجرم الشنيع الذي يرتكبه الغرب الأحمق، منذ أمد بعيد، ضد الأمة الإسلامية، وتجئ الدفقة الثانية التحاما وجدانيا مع (البابلية) القناع (الأمة) الوجه أن تعود لسابق مجدها.
والصياغة الفنية تعبر عن الجرح الدفين (ضمد ألم السنا) إنه المجد يتألم مجروحا جرح الشاعر نفسه، وجرح المتلقي فى آن واحد، والصورة التشكيلية ترسم الأسى: (وقعت صك الحزن فى أعصابي).
وهنا تطل علينا بوجهها الوضاء شخصية (الحسين) إضاءة تنير التجربة، وتفصح عن هويتها، إنها الوحدة الضائعة، والألفة المفقودة يرمز لها الشعر بالحسين الشهيد.
ويجئ الاستفهام حاملا معاني التبكيت والإنكار:

عشق الخطابة مثل شهد رضاب؟!


هل كربلاء أسكتت فمنا الذي

ويؤازر الاستفهام في وظيفته تلك الصورة الفنية التي جمع الشاعر أطرافها من (الصبح والحداد) في قوله:
" وتوشح الصبح الجميل حداده " والاستعانة بكلمة "الجميل" في ثنايا الصورة إدانة تاريخية لمضيعي الحقوق، الذي يتخلون عن نصرة المظلوم.
وأسلوب التقابل الفني بين شطري البيت دال على فداحة الخطب في نفسية الشاعر:

والليل عربد ضاحكا برحابي ؟!


وتوشح الصبح الجميل حداده
 

وفيه أيضا تصوير فنى (استعارة) والطباق والتصوير كلاهما يعربان عن ملازمة الحزن والجوى لصاحب التجربة، غير أن استعماله لواو العطف فى قوله (وتوشح) لا قيمة من ورائه فى السياق الفني الأدائي، وإن كانت تؤدى إلى سلامة الإيقاع الشعري من الزحافات، والزحاف لا ضرر منه في عمودية القصيدة.
والشاعر من خلال استلهامه لشخصية (الحسين الشهيد) يدين بعض المعاصرين، الذين وافقوا على المقاطعة والحصار، وكأن العراق في محنته هي (كربلاء) فى الدلالة التاريخية و الفنية.
وإن كان الشاعر قد وفق فى توظيف شخصية (الحسين) - رضي الله عنه- فإنه قد أخفق في توظيف الأماكن والمعارك الإسلامية حيث قوله:

أبدت مفاتنها وحسن خضاب


والقادسية(2) خلعت أثوابها

والكرخ ترفل فى الأسى المتصابي


والأعظمية يا عراق بكت دما

إذ كيف للقادسية أن تستعرض جمالها، وتظهر مفاتنها في سياق الحزن والأسى؟ وكيف للأسى أن يتصابى ؟ وإذا كان يقصد في البيت الأول أن القادسية مزقت ثيابها حزنا على ما حدث للعراق، فإن الألفاظ لم تجئ على رتب المعاني، كما أن الصور الشعرية لم تأت في سياقها الفني.
والحق كما يقول الآمدى " وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ فى مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه، المستعمل فى مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه(3)"
واستنادا إلى هذا التوجيه النقدي للآمدى، تكون أدوات التشكيل الفني في البيتين مخلين بالترابط العضوي بين الرؤية الشعرية والأداة التعبيرية.
وإذا كان-الشاعر- قد أخفق في استدعاء القادسية والأعظمية، فإنه قد عاد يحالفه التوفيق الفني في تعبيره بشخصيات (هارون الرشيد) و(صلاح الدين الأيوبي) و(المعتصم) و(خالد بن الوليد):

وخنوعهم كالطائرِ المرتاب


(هارون ) هل يرضيك ذلة قومنا

والعازفُ الموهوبُ عافَ ربابى


الناي ما عاد الشجي بحينا

و ارفع لواء الحق رد شبابي


قم يا صلاح الدين عائق خالدا

بائية تروى مدى الأحقاب


ما عاد معتصم يعيد قصيدة


إن تكثيف الشاعر نصه بهذه الكثرة من الشخصيات التراثية الإسلامية، دال على العطاء التاريخي المنتصر ذي الوفرة المتنوعة الأزمنة والتواريخ، وفيه تعويض لنفسية دغدغتها عاصفة الصحراء وهيجتها قوى التحالف الباطشة الزاعمة بمناصرة الحقوق الإنسانية- والمتغنية - وهى الآثمة - بالحريات والسلام والعدل.
ومن هنا جاءت الشخصيات - لبنات التجربة - من سياقات تاريخية مختلفة، (فخالد بن الوليد) بطل موقعة (اليرموك) وغيرها من الانتصارات، والخليفة العباسي (المعتصم) بطل (عمورية) ضد الروم البيزنطيين، و(أبو تمام) المؤازر والمؤرخ الفني لانتصارات المعتصم من خلال بائيته المشهورة
(السيف أصدق أنباء من الكتب   فىحده الحد بين الجد واللعب).
و(صلاح الدين الأيوبي) بطل (حطين) وفاتح (بيت المقدس) وكاسر شوكة الصليبية.
 والتعبير بهم فى هذه الرؤية الشاعرة- صرخة من الشاعر لبعث الهمم فى المعاصرين، تطلعا إلى التحرير والتنوير، والخروج من ربقة الانهزامية.
ولذا جاء ختام القصيدة بكائية من أجل العراق وأهله يلتحم فيها مع الأمة (بابلية) بنزعة ساخرة، متلونة بالأنين والزفرات الحارقة:

فالنجم يهوى في المدار الكابي


يابابليةُ رددي لحنَ الفنا

غور الأفول وخلوة الغيَّابِ


هذا مدارك يا عروبة داخلٌ

حداه قد صيغا من الأخشاب


ما عاد سيفك يا عروبة قاطع

صهواتها، فلقد كبا بركابى


والخيل ما عادت فوارسها ترى

لعروبتي ممهورة الجلباب!!


أواه يا نخل العراق المنتمى

والصبح أصبح كالبريق الخابي


سهدى يطول كطول ليل بلادنا

نفسي التي تسقى مرار شراب!


أواه يا أرض العروبة يا منى

رأسا أبت دوما خضوع رقاب ؟!


حتى متى تحنى شواشى نخلنا


إنها صرخة شعرية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من العزة والكرامة، إنها دفقة متوجعة للأمة تستدرك ما فاتها، وتتوحد.
وسخريته من الوضع الراهن دفعه للإتيان بالصورة الفنية الساخرة: (حداه قد صيغا من الأخشاب). 
ويرمز بنخل العراق للعزة والإباء والأنفة العربية التى تأبى الضيم، ترفض الخنوع.
والشاعر متعجل يوم الخلاص من هذا السجن النفسي العميق باستفهام مستفز، يشحذ العزائم ويلهب الضمائر (حتى متى...)؟
والتراث يرمز يصحب التجربة الإسلامية عبر الأوطان، حيثما وجد الإسلام والمسلمون.
فحيثما يوجد فى قطر إسلامي تستوجب التعاضد والمؤازرة، فإن الضمير الشعري الحي يكون سابقا ويكو ن سباقا، ويكون أول المبادرين بالكلمة المقاومة الرافضة، بعاطفة دينية هادرة، ذلك لأن العاطفة الدينية من أقوى العواطف وأنبلها.

(1) القاها الشاعر بمهرجان الربيع في كلية اللغة العربية في جرجا - سوهاج - مصر،  عام 2000م.
(2) القادسية: معركة تاريخية إسلامية ضد الفرس بقيادة سعد بن أبى وقاص سنة 16هـ. وهى من أعظم وقائع المسلمين وأكثرها بركة . انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي 4/292 - دار صادر بيروت 1979م. 
(3) الموازنة بين أبى تمام والبحتري للأمدى ص 351 تحقيق الشيخ/ محمد محيى الدين عبد الحميد ، المكتبة التجارية القاهرة، ط ثانية ، 1373هـ/ 1954.

 




  أرشيف دراسات هامة

اطبع الموضوع  

Home