القلم الفكري

 

الناس يصعدون إلى السماء

أحمد الخميسي



الناس يصعدون إلي السماء
 
أحمد الخميسي
 
منذ شهر تقريبا ، حكي لي ابن خالتي وهو محاسب شاب كيف شاهد النيران وهي تشتعل في عربة أتوبيس قبل مزلقان إمبابة ، ولم تترك العربة إلا وهي مجرد هيكل محترق .  أحسست بالقلق . ألم يكن هناك احتمال لتواجدي داخل العربة ؟ .

 لم ينقض أسبوع إلا وطالعت تقريرا بمجلة البحوث البيئية يفيد أن عدد حوادث المرور في مصر يصل إلي نصف مليون حادثة سنويا تخلف ستة آلاف قتيل ، واثنين وعشرين ألف مصاب !  قلت لنفسي " لن أركب الآتوبيس بعد ذلك أبدا . مترو الأنفاق وسيلة آمنة وسأعتمد عليها بالكامل في مشاويري " . وحين دعاني أحد أقاربي إلي عرس ابنته في الزقازيق نصحني جاري المخلص وأنا أهبط على سلم العمارة ألا أركب القطار . قال لي : احذر القطار . ألا تذكر حادثة قطار قليوب في أغسطس هذا العام ؟ مات فيها 56 مواطن غير المصابين ! ثم لا تنسى صدام القطارين في شبين القناطر بعد قليوب بشهر واحد ! نصحك واجب علي .أنت جاري وصاحب عيال ! شكرت الرجل ، فأضاءت السعادة وجهه لأنه عمل خيرا وله عليه ثواب ، وواصل صعوده على السلم . قلت لنفسي " لن أحضر العرس ، البركة في برقيات التهنئة " . وكنت في عيادة طبيب أنتظر دوري حين قرأت في مجلة مقالا جاء فيه إحصاء رسمي أن مصر شهدت ستين حادثة قطار من عام ألفين إلي يومنا . قلت لنفسي لن أركب القطار بعد ذلك أبدا .
بعد ذلك بأيام زارتنا حماتي ومعها كيلو موز ، وقالت لنا  أثناء العشاء إنها تعتزم الحج في أقرب فرصة . باركنا قرارها ، وخطر لزوجتي أن تسأل جارنا بالتليفون عن أسعار بطاقات السفر ، لأنه ممن يتابعون أسعار كل شئ . لكن الرجل الشؤم قال لها إن الحديث لا يصلح بالتليفون ، فالمسألة أخطر من ذلك ، وجاء إلينا بنفسه وجلس وهو يحكم عباءته على جسمه . وقال لي موبخا : يا راجل ، عاوز الست الكبيرة تسافر بطيارة ؟ . قلت : ليه لاء ؟ . سحب رقبته للخلف وزام بلوم العارفين : يعني يا أخويا لحقت تنسى الطائرة التي تحطمت من سنتين أول ما طلعت من مطار شرم الشيخ ؟ ده كلام ده ؟ تخلي الست الكبيرة تسافر بالطيارة ؟ يعني لو أنت اللي مسافر ح تسافر بطيارة ؟! . دقت حماتي على صدرها فزعة وقالت : بلاش الطيارة . أسافر في البحر . هز جاري الواعي رأسه بدهاء قائلا : بحر ؟ طب والعبارة يا ست الكل ؟ عبارة السلام 98 التي غرقت في فبراير السنة دي ومات فيها أكثر من ألف مواطن؟  . ونظر إلي نظرة اتهام : يعني لو أنت اللي مسافر ح تسافر بعبارة ؟ . شهقت زوجتي مذعورة : بلاش يا ماما والنبي . سألته محتدا : إمال تسافر إزاي ؟ . قال وهو ينهض : ده مش شغلي . وغادرنا وقد أضاءت السعادة وجهه لأنه قدم خيرا وله عليه ثواب . قلت لنفسي : جار الشؤم عنده حق . وقررت ألا أركب الطيارات والعبارات إضافة إلي الأتوبيسات ، والقطارات . الحمد لله أن مترو الأنفاق موجود ، وجدير بكل احترام . لكنني بالأمس فقط سمعت وأنا جالس في المقهى أن المترو تعطل داخل نفق محطة السيدة زينب ! المترو ؟!  وأن الركاب ظلوا محبوسين كالقطط داخل العربات في عتمة النفق ساعة يصرخون من نقص الهواء إلي أن نصحهم السائق بتحطيم زجاج النوافذ والخروج ، ففعلوا ، لكن بعضهم جرح خلال التدافع ، وصدم البعض من تخبطه فوق القضبان المكهربة . ووقعت في قبضة يأس عميق متسائلا : ماذا أركب الآن ؟ . لاحظ أحد الرجال الطيبين في المقهى أن وجهي قد تغير ، فهمس لي وهو يسحب نفسا من النرجيلة : لا تحزن . قلت : كيف ؟ أجابني : في الشارع المجاور قرب محل العصير يبيع عمك فرغلي أجنحة ! صحت فيه مندهشا وأنا أنظر إلي النرجيلة المتوهجة : أية أجنحة ؟ قال مبتسما : وكيف يذهب الناس الآن إلي أعمالهم ؟ سحبت نفسين من النرجيلة فامتلأ صدري بعطرها الفواح ، ونهض الرجل الطيب وسار أمامي بهدوء ، وأنا أتبعه ، إلي أن وصلنا لعم فرغلي . كان الرجل العجوز جالسا على الأرض وبجواره قفص . سألني عم فرغلي عن المقاس المطلوب . ثم ناولني جناحين . وأعطاني كتيبا صغيرا وهو يقول : احفظه عن ظهر قلب ، به تعليمات النجاة . وضعت الكتيب في جيبي ، وجربت الجناحين ، ثم استفسرت من الرجل الطيب : لكن الطيران سهل ؟ . طمأنني : كلنا كنا خائفين مثلك أول مرة ، في البدء ستجد حركتك مضطربة ، لكنك سرعان ما تتحكم في جناحيك ، وتشق طريقك وسط السرب .  
صباح اليوم التالي ، كنت أطير إلي عملي في العباسية ، وفوجئت بالكثيرين يحلقون بين السحب عن يميني ويساري ، وأخذت أنظر للأرض المزدحمة تحتي بدهشة ، الأكثر من ذلك أنني وجدت إشارات مرور ، تصادف أننا توقفنا عند واحدة  منها ، لكن رجلا  بجناحين فاخرين اقترب من الشاويش وغمزه بجنيه ففتح لنا السكة ، وآمنت أننا شعب من الملائكة ، وواصلت الطيران بمزاج رائق .
عدت من عملي بعد الظهر ، فهبطت على سطح المنزل ، وقبل أن أخلع أحزمة جناحي ، وجدت جار الشؤم يضرب الهواء بجناحيه ليهبط بجواري وقبل أن تستقر قدماه على سطح المنزل سألني : الأجنحة اللي عندك دي صيني ؟!

 




  أرشيف القلم الفكري

اطبع الموضوع  

Home