مقال

 

أيتها النسوة أرتدين سِترَ النجاة !؟

شمس علي



شمس علي الحياة - 11/11/06//

عندما نرصد وضع المرأة السعودية اليوم، نجدها في حال تخبط واضح وتأرجح مسعور، بين أعراف بالية لا تزال أطياف من المجتمع تقرها وتتشبث بأذيالها وبين متطلبات إنسانية ملحَّة، بين تطلعات مستقبلية عريضة ومحدودية إمكانات متاحة، وبين حال تقوقع تام وهامشية محبطة وبين محاولة انفتاح عشوائي غير مدروس وممهد له وملم بأعراضه الجانبية، ومدرك لحقيقة ضوابطه الشرعية، بين رغبة صادقة في الانعتاق من حال اللا جدوى، والدور غير الفاعل، وخوف من مغبة الفشل، ومقاربة المحظور.
وهذا نتاج طبيعي لحال عدم وضوح الرؤية والضبابية التي تعيشها المرأة السعودية، نتيجة لمحدودية مخزون خبراتها الحياتية العملية، التي اقتصرتْ في السابق على مجال عملي ضيق، لم يتعدَ في كثير من الأحيان الإطارين الصحي والتعليمي، لكن مع تضخم مؤشر حاجاتها الماسَّة اليوم، وتصاعد وتيرة حاجة المجتمع لدورها المغيّب، باتت بعض الشرائح النسائية الواعية تسعى لتمزيق شرنقة الخمول، والتمرد على واقع خانع، ومعوقات زائفة، حالمة باقتحام مجالات رحبة، وخلق فرص عمل جديدة لها، تفجر من خلالها طاقاتها الإبداعية، في ذات الوقت الذي تنسجم فيه مع حشمتها، وقيمها الإسلامية الخالدة، كامرأة مسلمة في المقام الأول والأخير، لتسد بذلك رمقاً أو ُتقوّم جانباً مادياً، وأحياناً لتقتل شبح الفراغ البغيض، وكثيراً جداً تحقيقاً للذات مع رغبة مبطّنة بالنهوض بالوطن الحبيب وبنائه. لكن المقلق حقاً بالنسبة لها، أن يتم كل ذلك بمعزل عن رصيد معرفي، خبراتي، يعتد به، يعزز من ثقتها بذاتها ويفجر قدراتها الكامنة، ويعمل على منحها قاعدة متينة، رصينة، لانطلاقة سليمة، مبنية على أسس معرفية وفهم عميق لحقائق الأمور وملابساتها، وإلمام تام بفنون العمل المقبلة عليه، ليسهم كل ذلك في تقويض صروح العتمة من أمامها، ويهبها قدرة كافية على التخطيط السليم المدروس، واستشراف المستقبل العملي المبهم بالنسبة لها، فيتيح لها كل ذلك رصداً دقيقاً للمعطيات والإمكانات المتاحة لتوظفها جيداً مستقبلياً، وتشق طريقها على بصيرة من أمرها، وتقطع الدروب حثيثاً، وتتخطى الصعوبات والعراقيل التي لابد منها في كل معترك حياة، فتنمو بذلك تجربتها العملية الحياتية بسلاسة، في مناخ صحي، غير مقلق، مدروس وواضح الخطوط، بعيداً عن منزلقات العشوائية المهلكة، التي إن لم تمحق العمل ككل، فهي في أحسن الظروف تعرقل حصاد ثماره المرتجاة. فهل دُرِستْ حقاً، كما ينبغي، ظاهرة إقبال النساء المحمومة اليوم على اقتناص أية وظيفة ما، دراسة مستفيضة من خبراء، وأعد من أجلها سلسلة برامج تثقيفية، توعوية، وأقيم بشأنها الندوات والدورات لتعريف المرأة، التي تطرق مجالات عمل جديدة، بحقيقة الدور النهضوي المناط بها، وواجباتها وحقوقها كعضو عامل، سواء في مؤسسات الدولة أو القطاع الخاص، غير مُغفل كونها لا تزال في طور تجريبي للقدرات، وفي حاجة ماسّة لقدر وافٍ من الوعي الوظيفي المسبق الذي لن يتهيأ لها من دون إشراع بوابات ورش عمل تدريبية، أكثر مما هو متاح الآن، تختصر عليها خبرات زمن طويل، ليصب ذلك في المقام الأول في خانة العمل الوطني.
فورش تدريبية مسبقة مثلاً، توليها مؤسسات القطاعين الخاص والعام، بعضاً من الاهتمام، وتخصص لها موازنة جيدة، ستكون عاملاً محفزاً قوياً، يسرِّع من عملية المراس، لتعم الفائدة كل الأطراف بلا استثناء وعلى رأسهم الوطن.
فماذا أُعِدَ حقاً في سبيل برمجة وتفعيل دور المرأة الوظيفي، لينعم وطننا الغالي، ببيئات وحقول عمل مثمرة وجادة؟
هل تفي حقاً تلك الورش التدريبية التطوعية القليلة المتناثرة هنا وهناك، والتي تضج بمنتسبيها، لتلبية وتفعيل قطاع عريض من الطلبات المُلحَّة، التي تلج عتمة أدراج مكاتبها، في سبيل الظفر بأي دورة تعليمية «إدارة، محاسبة، تسويق،...» للحصول على أية وظيفة، وعلى رغم ذاك فكثيراً ما لا تبصر تلك الطلبات المسكينة نور الحياة..!
لنكن موضوعيين في مواجهة واقع عمل نسائي مخيبْ، فمع محدودية هذه الورش التعليمية وحمَّى التدافع النسائي للعمل، هل ستنمو لدينا تجارب يعتد بها في مسار طبيعي وطريق سليم ومن دون خشية مفاجآت درب، لا زال طويلاً في بدايته.
ونتساءل من الخاسر هاهنا، أهي تلك المرأة العاملة فقط، أم القطاعان الخاص والعام أيضاً اللذان لم يوليا تدريبها أهمية، بتسخير بعض الموارد الضئيلة لرفع مستواها التأهيلي، حتى لا تغدو في نهاية المطاف مجرد ديكور للعمل فحسب. ونأتي لسؤال آخر مهم أيضاً يجب طرحه، والتصدي لدرسه بجدية، هل كل طوائف مجتمعنا النسائي السعودي لديهن وعي كافٍ، بقيمة عمل المرأة، وحاجة المجتمع الماسَّة لها، جنباً إلى جنب وحاجة الأسرة؟
وإذا ما حورنا السؤال لنطرحه بصيغة مغايرة، هل كل نسائنا السعوديات يسعين فعلاً لتمزيق شرنقة الخمول وامتطاء بساط تجربة حياة أكثر فاعلية، أم أن البعض منهن لا تزلن في خضم دوامة مخاوف فقد مكتسباتهن وامتيازاتهن الشهرزادية على ضآلتها وانعدامها في أحيان كثيرة، ويفضلن على ذاك بياتهن الشتوي؟!
الواقع للأسف يؤكد ذلك، فمخاوف المرأة لا تنتهي حتى عندما تطالب بأبسط حاجاتها، فمنذ زمن قريب حضرتُ ندوة، سألتْ فيها بعض الحاضرات، المحاضر الكريم عن رأيه في قيادة المرأة للسيارة، ولأنه لا يوجد فعلاً مانع شرعي، أجابهن إجابة خاطبتْ العقل الباطن المتوجس لدى المرأة من تخلي الرجل عن مسؤولياته كرب أسرة تجاه أفراد أسرته وإلقائها تماماً على عاتقها، ضارباً بذلك لهن أمثلة عن بعض نساء البلد الفلاني المجاور، اللاتي يعانين الأمرين من تخلي الأزواج عن المسؤولية وإلقائها تماماً على عاتقهن، وذلك فقط لأنهن يقدن السيارات!
فحسب ما قاله، كلما طالبتْ نساء تلك البلاد أزواجهن بالذهاب بهذا الصغير للعلاج، أو السؤال عن التحصيل الدراسي للآخر، أو التسوق للبيت، رد الزوج الغارق في أنانيته وعالمه الخاص، أنه فعل ما يستوجب عليه، وجلب لها السيارة وناولها المصروف فما الذي تريده أكثر من ذلك!
متناسياً ذلك الفاضل أن شريحة عريضة من مجتمعنا السعودي اليوم الذي لا تقود فيه المرأة السيارة يعانين أيضاً بشكل متأزم من تلك المشكلة، حتى غدتْ المرأة في حالات كثيرة هي المتحمّل الأوحد لأعباء الأسرة بعد أن تخلى الرجل عن مسؤولياته ودوره الطبيعي كرب أسرة، ونسي القوامة التي يتشدق بها كثيراً، تاركاً إياها تحت رحمة سائق خاص أو سائقي أجرة.
فبماذا يمكننا تشبيه حال اضطراب وضعنا النسائي اليوم، بأكثر من ربكة ركاب طائرة، أمروا بمغادرتها على عجل من دون تهيئة مسبقة!
فالمحظوظة هي من أعدت، إعداداً مسبقاً لذاك، بتدريب وتهيئة للنفس وتنمية للقدرات واضعة في حسبانها وعلى رأس أجندتها نسبة احتياجها واحتياج مجتمعها للحظة الاستنفار هذه إن لم يكن اليوم فغداً، وعندما تحين هذه اللحظة، فلن تتردد بفرد أجنحتها وتجريب فن الطيران الذي أتقنته، لكن ماذا عن تلك التي أبقتْ أجنحتها مطوية، معطلة ظناً منها أن سترة النجاة «الرجل» ستسعفها وتلازمها دوماً، ولن تخذلها في إحدى اللحظات الحرجة، وإن بظروف خارجة عن الإرادة كموت أو إعاقة لا سمح الله، لتلك نقول فلترتدِ ما استطعتِ سترة النجاة!
http://www.daralhayat.com/arab_news/...fd9/story.html
__________________




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home