القلم النقدي

 

النقد السياسي العربي

محمد شاويش



النقد السياسي العربي بين الموضوعية والاستلاب
محمد شاويش - برلين

أ- النقد الموضوعي، النقد المطابق:
ينبثق "النقد" في التجربة الفردية من شعور الفرد بالإحباط عندما يخفق في تحقيق هدف من أهدافه، وفي هذه الحالة لا بد له من أن يحمّل شيئاً أو إنساناً مسؤولية إخفاقه، والمعتاد كثيراً أن يحمّل الفرد المسؤولية لأشياء أو بشر آخرين ولا يحملها لنفسه ، لكننا نراهن على أن تربية اجتماعية ملائمة قد تعطينا أفراداً قادرين على النقد الذاتي. والمشاهد في مجتمعنا أن النقد الذاتي شيء نادر جداً، بحيث أننا يمكن أن نعده موهبة نادرة هي أقل انتشاراً من موهبة الرسم أو الموسيقى أو الشعر أو موهبة الاختراع في الميادين العلمية والتقنية.
لأقل مباشرة أن النقد الذاتي عندنا هو شيء أساسي جداً لا نستغني عنه أفراداً ومؤسسات، لكن المسألة لا تنتهي بتقرير هذه الحقيقة العملية التي قد يتوقف عليها بدون مبالغة بقاء الوجود العربي كله، إذ ليس من الواجب أن نرحب بكل "نقد ذاتي"،  ذلك أن النقد الذاتي، مثله مثل أي نقد عموماً قد يكون موضوعياً وقد لا يكون، وفي الحالة التي لا يكون فيها النقد موضوعياً من الممكن أن يكون ضاراً جداً. وفي بعض الحالات يلزمنا أن نعرف السياق الذي يأتي فيه لنحدد وضع هذا النقد الذاتي من الموضوعية ومن الفائدة.
النقد الذاتي مثل أي نقد يمكن أن يستند إلى معايير عملية (تتعلق بالأفعال ونتائجها العملية) ويمكن أن يستند إلى معايير أخلاقية (أي إلى منظومة أخلاقية محددة)، ومن المألوف في المسائل السياسية أن يختلط النوعان من المعايير، فنحكم على فعل سياسي ما من منظور أخلاقي ومن منظور نتائجه العملية أيضاً. ولا شك أن الأيديولوجيات الموجودة في المجتمع تقوم بوظيفة "التعيين" كما سميتها ذات مرة في مقال عن "سيكولوجيا الأيديولوجيا"، وأعني بهذه الوظيفة أن الأيديولوجيا "تعيّن" (لأتباعها طبعاً) ما هو "خير"  وما هو "شر"، والنتيجة العاطفية لذلك أنها تحدد متى يغضبون ومتى يحزنون، وعلى أساس البناء الفكري الأيديولوجي أيضاً يفرح المناصر لأحداث ويحبط من أخرى وإلى آخره، والأيديولوجيات المتناقضة ينتج عنها عواطف متناقضة  تجاه الحدث الواحد، فموت عبد الناصر كان كارثة للقوميين (وكانوا أكثرية العرب آنذاك) ولكنه كان خبراً ساراً للإخوان. وقس على ذلك، والنقد الذاتي عند مناصري أيديولوجيتين متناقضتين نتوقع أن يسير في اتجاهين متناقضين، فيلوم واحد منهما نفسه لأنه يفعل شيئاً بينما يلوم نقيضه نفسه لأنه لا يفعله، ولو ظللنا في النطاق النظري المحض لظننا أن المجتمع لا يمكن أن يصل إلى إجماع على توجه نظراً لتناقض الأيديولوجيات فيه، ولكن الواقع لحسن الحظ يتضمن كثيراً من الأهداف والأحكام القيمية التي يجمع عليها أفراد المجتمع أو يكادون يجمعون، فثمة ما يشبه الإجماع في مجتمعنا على ضرورة التخلص من التفاوت في التطور التقني والعلمي، وفي الغنى الاقتصادي بيننا وبين الغرب.
الموضوعية في النقد تعني بناءه على معايير غير ذاتية، تجعله قابلاً للتقييم، والنقد غير الموضوعي هو على العكس ينبني على معايير متغيرة بحسب المصالح أو الأمزجة بحيث لا يكون منسجماً ولا ينضبط في إطار يجعلنا نستطيع الحكم عليه بالصواب أو الخطأ.
إذا أردنا أن نصوغ نموذجاً نظرياً أقترح أن نقول إن ثمة هدفاً معيناً يحدده المجتمع لنفسه في زمن معين، وينطلق نقده لذاته من منظور موقع العناصر المنقودة في مسار المجتمع المتوجه نحو هذا الهدف، فيحكم على هذه العناصر انطلاقاً من  تأثيرها على حركة المجتمع في هذا المسار. وفي مكان آخر كنت اقترحت استعارة مفهوم "الوعي المطابق" لنصف به ذلك الوعي الملائم لمسعى مجتمعنا لتجاوز حالة الانحطاط التي تجعله ضعيفاً مهزوماً متأخراً عن ركب البلدان القوية الحضاري، والنقد الذاتي المطلوب يجب أن يشتق في رأيي من هذا الهدف أيضاً وينبني على "الوعي المطابق" فيكون هو "النقد المطابق".
إنه ذلك النقد الذي يتناول تموضع العناصر الاجتماعية المنقودة في سياق الكفاح العربي لتحقيق هدف التخلص من الوضع الدوني الذي تشغله مجتمعاتنا حيال البلدان القوية القائدة للحضارة في العالم: هل هي متموضعة بحيث تشكل عائقاً أمام تحقيق هذا الهدف أم تشكل محفزاً ومشجعاً له؟.

ب- النقد المَرَضي، النقد الاستلابي:
ومن أنواع النقد غير الموضوعي نوع "مرضي" (بفتح الميم والراء)، لأنه لا النقد صحي دوماً ولا النقد الذاتي، فكلاهما يمكن في حالة معينة تحليله على أنه نتاج استلابي، وأعيد القارئ إلى كتابات قديمة لي في "نظرية الاستلاب" نشرتها في كتاب مشترك مع الدكتور حسين شاويش، وما أريد أن أستشهد به هنا هو تحليل موقف الاحتقار من الذات أو من الآخرين، وهو موقف أرى فيه في بعده العميق محاولة للتملص من الوضع الدوني كما تحدد عبر منظومة مرجعية استلابية مسيطرة، والاحتقار هو محاولة لنفي الانتماء إلى الأدنى عبر نبذه (بإظهار الاشمئزاز منه)، وطبيعته الوجدانية المرافقة (طبيعته العاطفية) تتجلى بأشكال تصل إلى العنف اللفظي أو الجسدي، وكثير من كتابات "النقد الذاتي" العربية يتجلى فيها بوضوح هذا الانفعال الاستلابي المصدر، فاحتقار المجتمع المحلي ونبذه يتم على أساس مرجع المنظومة الاستلابية المسيطرة المستبطن (مثلاً نموذج المجتمع الفرنسي كما يتصوره ياسين الحافظ)، ونقاط الاختلاف مع هذا التصور المستبطن للمرجع الاستلابي تعامل على أنها "أدلة" تعطي الحق للذات باحتقار من نحتقره، ويمكن للنظر الدقيق أن يرى أن "عقلانية" النقد هنا هي بالفعل غائبة، إذ لا ينتبه الناقد حتى إلى ضرورة البرهنة على أن "تفوق" المرجع و "دونية" نقيضه المحتقر (بفتح القاف) مرتبطة ارتباطاً ضرورياً بهذه السمات المميزة للموضوع الأدنى، ففي هذا النقد الاستلابي الذي هو فعل لفظي يحركه "دافع استلابي طبقي" نلاحظ ما أدعوه "ظاهرة التلوين"، فالحكم العاطفي على الموضوع "يتلون" بسمات الموضوع الخارجية التي قد لا يكون لها صلة منطقية بالمضمون الظاهر للحكم، (أي بدوافعه المعلنة أو التي يعيها صاحبها)، فالمواقف السياسية لحكام أنظمة الخليج مثلاً لا علاقة لها بكونهم ينطقون بلهجة بدوية! ولكن المشاهد أن هذه اللهجة أو ما وراءها من أصول بدوية مفترضة توضع كأنها "سبب" للمواقف ومبرر بالتالي للموقف الاحتقاري منها، ولعلنا نذكر في سياق مختلف قليلاً هجوم الشيخ محمد الغزالي على "الفقه الصحراوي"، وأنا شخصياً أعطيه الحق بضيقه بوجهات النظر الفقهية المتنطعة المتعصبة البعيدة كل البعد عن العالم والعصر الموجودة عند أوساط معينة في السعودية والخليج، ولكني لا أرى لوجهات النظر هذه علاقة ضرورية بالصحراء أو بالبدو، وبالعكس، فالحجاب المتعسف للمرأة مثلاً كان في بلادنا سمة للمدن وليس للريف ولا للصحراء! ولتفسير ذلك في اعتقادي تجب العودة إلى الظروف التاريخية الملموسة لنشوء هذه المدرسة الدينية التي تتميز في اعتقادي بميلها إلى أشد الفتاوى تعسيراً، لا الاكتفاء باحتقار هذه الحالات ، وجعل سبب وجودها الوحيد "تخلف" أصحابها!، إذن "تلوين" الفقه المحتقر بالصحراء والبدو تحول استلابي في النقد.
هذا التحول التلويني الاستلابي وخيم العواقب ومن واجبنا الانتباه إليه ونقده بكل دقة وصرامة، وعدم السكوت عليه.
إن نقد المجتمعات العربية الأخرى كثيراً ما لا يتم على أساس صحي وسأضرب الآن مثالاً أراه مهماً جداً وراهناً.
لدينا هذه المصيبة الكبيرة التي هي الطائفية، وبالذات الطائفية بين السنة والشيعة، وعند كل من الفريقين أوساط متعصبة لا تمانع في إغراق المجتمع بالدم وتحويل العلاقات بين الجيران وأبناء الوطن الواحد إلى علاقات عدائية تجعل المذابح الطائفية والتقسيم السياسي أمراً حتمياً يبدو أحياناً قدرياً.
تتمتع الطائفية "الشيعية" بخبرة تاريخية تجعلها تمارس أفعالها (وجرائمها التي لا تقل إجراماً عن نظيرتها السنية في الحالة العراقية) بصمت بلا إعلانات نظرية تذكر ولا بيانات تلفزيونية،  أما الطائفية "السنية" فعلى العكس من ذلك، هي طائفية معلنة بالبيانات والأشرطة التلفزيونية، تتباهى بجرائمها ومذابحها وتنظّر لها بكل وقاحة وبانعدام مطلق لأي وازع أو خجل.
في الموقف من هذه الطائفية المنتسبة إلى السنة هناك موقفان شائعان كل منهما هو بحد ذاته مصيبة كبرى تدلنا على مدة عدم ملاءمة الوعي عندنا لأهداف النهضة المرجوة، وكيف يمكن أن نعد غياب الوعي سبباً لانحطاطنا القائم وعاملاً على اندفاعنا في طريق منحدر يقود إلى درجات أكثر انحطاطاً بعد مما نحن فيه.
الموقف الأول هو الصمت عن الجرائم الطائفية التي يرتكبها مجرمون يحبون أن يسموا أنفسهم "أهل السنة والجماعة" زوراً وبهتاناً، إذ هم أقلية في الأكثرية السنية تتميز بتكفير العالم كله، وأول من تكفرهم أغلبية أهل السنة (مثلاً لأنهم: "قبوريون"، صوفيون"، "أشاعرة وماتريدية"، إلى آخر هذه الأفكار الثابتة التي ظلت ردحاً طويلاً تغذى بها عقول التلاميذ الصغار في بعض بلدان الخليج، والتي انتقلت بعد انقلاب بعض الشباب على قياداتهم الدينية والسياسية إلى بلدان عربية وإسلامية كثيرة لتنبني على أساسها حركات عنيفة مفرطة في الغلو والشراسة)، هذا الصمت يتم بدعوى أن هؤلاء "مقاومة" تقاوم الأمريكان في العراق.
كثير من الاستسلام خير من هذا النوع من المقاومة! لن يفيدنا في شيء "مقاوم" يضع في "برنامجه" إبادة الشيعة، بل موقفه الفعلي هو أكثر المواقع إجراماً: الموقع الذي ينفذ فيه مخطط التقسيم الطائفي بدعوى مقاومة الاحتلال.
مع الأسف ثمة تقصير من الطرفين في إدانة الطائفيين، ومن المحزن سكوت شيعة ذوي اعتبار ومصداقية عند المسلمين كلهم عن الإدانة الواضحة للطائفيين الشيعة، ومن هؤلاء مثلاً "حسين فضل الله" وأهل المصداقية العالية في لبنان.
وثمة تقصير فادح في أوساط علماء السنة الذين يكتفون بإدانة الجرائم الطائفية دون تسليط الانتباه والضوء على القاعدة التكفيرية التي ينطلق منها هؤلاء: إنها هذا المبدأ الوخيم الذي استمر لسنين طويلة يعلّم في مدارس الخليج والسعودية، وكان آنذاك يستعمل أيديولوجياً كجزء كفاحي ولكنه نظري بحت من الأيديولوجيا التاريخية التي شرعنت لقيام الدولة السعودية وهي الأيديولوجيا الوهابية. هذا المبدأ هو الذي يسمونه "مبدأ الولاء والبراء"، ويعني في الحقيقة أن كراهية كل من هو ليس من "الفرقة الناجية" واجب ديني، وفكرة "الفرقة الناجية" هي في الحقيقة ليست بعيدة عن فكرة "الشعب المختار"، وعلى أساسها يتوجب كره العالم كله باستثناء هذه الأقلية التي تسير على هدى ما يزعمونه "مبادئ السلف" كما تتحدد من خلال التأويلات الحديثة لبعض مبادئ ابن تيمية (وهي تأويلات ضيقة الأفق بعيدة كل البعد عن الإحاطة بمجمل نشاط ابن تيمية الفكري الذي مهما قلنا فيه كان أكبر بكثير وأوسع من المستوى المحدود لأفكار أنصاره الجدد المزعومين هؤلاء) وكما تتجلى في الحروب الوهابية في الجزيرة كما يعيدون تأويلها واستبطان تجاربها المتخيلة، وأسوأ ما في هذا المبدأ هو عد الشيعة مشركين يباح دمهم، ومن البديهي طبعاً عند هؤلاء العداء لليهود والنصارى (وهو في الحقيقة ليس مبدأ إسلامياً بل هو مبدأ جاؤوا به من عند أنفسهم، إذ القرآن يقول بصراحة إن أهل الكتاب "ليسوا سواء" وإن الواجب هو معاداة المعادين فقط، بينما يحبنا الله إن بررنا وأقسطنا بمن لم يقاتلنا ويخرجنا من ديارنا ويظاهر على إخراجنا!)، لكنهم يقولون أيضاً "إن الرافضة هم شر من اليهود والنصارى".
وجود هؤلاء ودورهم التخريبي الكبير أمر حقيقي وواقعي لا يجوز إنكاره، وأدعو المنكرين إلى فتح الإنترنيت وقراءة ما يكتبه هؤلاء في منتدياتهم، ليعرف أن طائفيي العراق "السلفانيين" كانوا في حربهم الطائفية على الشيعة منسجمين مع هذه "المقدمات النظرية". وحتى بعد الحرب الأخيرة التي شنها أولمرت في لبنان تجد فيهم من يناقش في السؤال التالي: هل يجوز الابتهاج بانتصار "إسرائيل" على "الرافضة"، قياساً على ابتهاج المسلمين الأوائل بانتصار الروم على الفرس؟ (على اعتبار أن الشيعة الذين يسمونهم بالاسم الاحتقاري "رافضة" مشركون ليسوا أهل كتاب على حين أن اليهود على كل حال أهل كتاب!).
الموقف الثاني من هذه الطائفية هو موقف يهاجمها بعنف، ولكنه "يلوّنها" كما قلت في فقرة سابقة فينسب هذه الطائفية الإجرامية إلى مجتمع كامل وشعوب عربية كبيرة هي جزء لا يتجزأ من نسيجنا الاجتماعي.
ليست السعودية كلها تؤخذ بجريرة هؤلاء ، وليس أهل السعودية كلهم "مصبوبين" بصورة نهائية في هذا النموذج، وقد أتيحت لي الظروف أن أتعرف، غالباً عبر الإنترنيت، على شباب سعوديين على أعلى مستوى من الأخلاق والتفتح الذهني والبحث عن الأفكار الجديدة المفيدة، بل لعلم الذين يأخذون مواقف عنصرية من أهل الخليج والسعودية خصوصا ويتهمونهم اتهاماً جماعياً بالجهلً: السعودية وفقاً للإحصائيات هي أكبر بلد عربي مستهلك للكتب!، هناك ناس تتعلم من التجارب في السعودية وهذا الشكل المتطرف من الوهابية المنتشر في أوساط شعبية ليس هو الشكل الوحيد، فالفارق كبير بين الشيخ "بن جبرين" الذي يكفر الشيعة ويدعو لخذلانهم في لبنان وغيره، والشيخ سلمان العودة أوالدكتور محسن العواجي الذي نراه في مقال أخير له ينقلب  على ذلك المبدأ الوحشي الذي نسبوه إلى الإسلام زوراً وأسموه "الولاء والبراء" إذ يقول: "اللهم انصر المظلومين من ذرية آدم على من ظلمهم وبغى عليهم يا رب العالمين، اللهم إنا نحمدك أن نصرت الروم على الفرس يوم فرح المؤمنون بنصرك لهم فيما بعد، ونصرت السود المستضعفين في جنوب أفريقيا على من ظلمهم من البيض العنصريين من حزب (الأبارثايد)، و نصرت الفيتناميين المظلومين على المعتدين الأمريكان، فا للهم انصر كل مظلوم فوق كل أرض وتحت كل سماء فأنت رب العالمين و أرحم الراحمين ورحمتك وسعت كل شي، وما أرسلت نبيك إلا رحمةً للعالمين، والخلق كلهم عيالك، وأنت القائل سبحانك ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القرى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)".
 لا يقدر هذا الدعاء حق قدره ويعرف "معناه التاريخي" إلا من درس طويلاً وخبر المنطق "الوهابي الشعبي" الذي كان حتى الآن لا يعترف بمفاهيم من نوع "السود المستضعفين" أو "الفيتناميين المظلومين"، فكل هؤلاء عند الوهابية الشعبية التي تعبر عن نفسها في مواقع الإنترنيت "السلفية" الكثيرة هم أعداء وفق مبدأ "الولاء والبراء" لأنهم غير مسلمين! لا فرق فيهم بين ظالم ومظلوم، ولا حتى بين من يساند العرب والمسلمين ومن يعاديهم، فسيان شارون و "ناطوري كارتا"، ولا فرق بين بوش و "راشيل كوري"!، والحديث القائل إن "الخلق عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله" التي عاد العواجي بحسه السليم إلى التذكير به لا يعني عند هؤلاء إلا "الخلق المسلمين" بتعريفهم طبعا للمسلمين! ولعل الآية الكريمة "ليسوا سواء" هي في نظر هؤلاء منسوخة!..
تلك مجتمعات عزيزة هي جزء من ذاتنا الاجتماعية لا يجوز سلخها بجريرة اتجاه جاهل تكون عبر تاريخ معقد ساهم فيه أعداؤه المفترضون الآن بنصيب وافر، فقد نمى ذلك الاتجاه المتعصب المنغلق تحت سمع العم سام وبصره، وكذلك تحت سمع البريطانيين وغيرهم وأبصارهم، وكانوا يستلطفونه، لأنه ساهم لفترة طويلة في عزل السعودية والخليج عن كل القضايا الأساسية للأمة العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ثم ألف القوة الضاربة التي أخرجت السوفييت من أفغانستان وساهمت في هزيمتهم في "الحرب الباردة".
المجتمع السعودي والمجتمعات الخليجية جزء من الذات العربية، يهمنا أمرها، ولا يجوز أن نحاول عزلها أو نبذها، وبعض من يحاولون فعل ذلك على كل حال يحاولون فعله لأسباب لا تتعلق فعلاً بكراهيتهم للتعصب، بل بكراهيتهم لكل ما له علاقة بكلمة "عربي" أو "مسلم"، لذلك لا تراهم حقاً ضد التعصب أينما كان، بل هم انتقائيون يكرهون نوعاً من التعصب ويناصرون آخر!، ما يجري في تلك المجتمعات يجب على المثقف العربي المخلص أن يتابعه ويبدي آراءه النقدية فيه المبنية على ما أسميته "النقد الموضوعي"، وليس على أساس النقد غير الصحي أو المستلب.

 




  أرشيف القلم النقدي

اطبع الموضوع  

Home