قصة

 

التفاحة

محمد الرفيق



                                 التـفـــــاحـــــة

 

 

        كنت معهم ذلك اليوم حينما ذهبوا في موكب جنائزي.  ذهــــــبوا، كان الكل أسفا على من سيدفن و  فرحا بدفن من مات. و كنت معهم أرقب ضحكة المنافق الشامت و دمعة الصديق الوفي.  كانوا كثرا حتى لا تمييز بين الصديق و المنافق. هدير و كلام ينادي اسم الإله طلبا للرحمة و العفو، كأن من سيدفن لم يعرف غير العاهرات، و لم يشرب سوى الخمر، و لم يؤمن إلا بأصنام السادة الحاكمين لشؤون الساعة.   

         مشيت معهم و تذكرت: 

ــ أين أنت يا حبيبي؟

ــ في جنان الضياع....

ــ هل أنت في جنان التفاح؟! إ أجلب لي إذن معك تفاحة حمراء.

ــ لكن صاحب الجنان منعني، و طلب مني العيش دون أن أمس شجرة التفاح. 

       الناس تذكر و أنا أذكر معهم. المقبرة قريبة و اللحد صغير. لماذا؟ توقفت الحركة لمرور الموكب الجنائزي: سكنت السيارات و الطيور، و سكنت الأرواح دقيقة صمت.

ــ لكني أتوحم يا حبيبي. أتريد أن يكون ابننا الأول ...؟

ــ لا. و لكن هناك خطر أن أطرد من العمل و نصبح عالة، محرومين من كل شيء.

ــ أنت لا تحبني، و تريد أن يكون ابننا ....

ــ هل قلت ابننا؟!.

ــ نعم!.

ــ و لكن لسنا متزوجين بعقد شرعي. تعاهدنا على أن يسكن كل منا للأخر، ولم نتعاهد على أن ننجب أطفالا .

      تجمع الناس عند باب منزلنا: النساء تولول، و الرجال يصبروهن. أفواج تدخل البيت الصغـير تبدي الأسى و الحزن العميق و تخرج.  تنكروا للكراهية التي نشؤوا عليها مذ عرفناهم. صحيح  ″الناس لبعضها″ .

ــ أحبك يا حبيبي. إن لم ترد طفلا أجهضته. لا تريد أطفالا .. هذا جيد. أنا أيضا لا أريد أن يتقاتل أبناؤنا ويغدر أحدهم لأخر.

ــ طبعا

ــ نحيا أنا و أنت

ــ حتما

ــ وسنخلد في جنان التفاح أبدا.

                    ــ أبدا

        سد باب المقبرة بالجمع الذي بدأ يتكاثر مع الدقائق والخطوات. بدأت الجنازة برجل وامرأة ثم ثلاثة ثم... حتى أصبح عددهم يفوق الستة ملايير. لم أظن يوما أني مهم إلى هذا الحد. ربما هو الموت، فحينما يختطف الأرواح تصبح عزيزة على الناس. ربما أنا لست سوى جزءا من هؤلاء الذين يتبعون جنازتي. ربما أشكل وإياهم جزءا من ذات عليا نختلف في معرفتها وإدراكها.

ــ أين أنت يا حبيبي؟ لما تغيب وراء سماعة الهاتف؟

ــ عفوا.

ــ لا بأس. تعال وأحضر التفاحة معك. أنا أنتظرك كما تعودت أن تجدني.

       قطفت التفاحة. وتراءى لي الأمل المنبعث من ذلك الغار الذي اعتدت ولوجه من يوم لأخر. إنه يغويني فأنصاع لكل ما يريد. إنه يهـزمني ويبخر صلابتي فوق تلك النار المتقدة  في أجسادنا: نار الشهوة.

ــ أنا أنتظرك. لا تتأخر. هيا أسرع.

       أسرعت و صدمتني الشهوة في الطريق الذي لا نعود منه مهما أردنا البقاء و تثبيت الذات إنه الزمن: يلهث وراءنا ليأخذنا إلى نهاية الطريق فيقذف بنا في جرف عميق لا عودة منه.

       دخلنا المقبرة و الرجال والأطفال و الكل ملتف حول ذاك الذي سوف يوارى الثرى. كشفوا القبر و فرشوا التراب معلنين نهاية المسرحية. التف الناس حول القبر. الكبار في الواجهة و صغار خلفهم يحاولون اختلاس نظرة خاطفة للقبر و للميت قبل وداعه الدنيا.

      بعد وقفتهم التي لست أدري إن  طالت أو قصرت مدتها حسب الأزمة الغابرة، دفنت نفسي و عدت مع العائدين، فقـــــد ماتت نفسي و بقي الجسد خالدا.

                                                      




  قصص سابقة

اطبع الموضوع  

Home