تحقيقات صحفية

 

السفير الدكتور عبد الولي الشميري في حوار خاص لأقلام

ياسر غريب



 

الاستفادة من التاريخ القيادي الإسلامي أول مراحل الإصلاح

المغامرون السياسيون يتسلمون القيادة عبر نهر من الدماء ويغادرونها عبر نهرين.

تثمر القيادة عندما يشعر الإنسان أنه خادم لمن يقود، وتقع الكارثة إذا رأى أنه سيده.

القيادة (الرشيدة) أو (الحكيمة) في الشرق مصطلح يندرج تحت باب (الأضداد).

الخلل في قيم السمع والطاعة من أهم عوامل أزمة القيادة.

عبقرية القيادة السياسية تكمن في أن يجمع القائد بين الحكم والحب.

لا بد من النظر في علوم القيادة الإدارية المعاصرة.

الصلاح الديني لا يعني الصلاح القيادي، فحسن العبادة شيء وحسن القيادة شيء آخر.

 

حاوره في القاهرة

 ياسر محمد غريب

 

في الوقت الذي يشكو العالم الإسلامي فيه من المشكلات المعضلة التي تسببت فيها (أزمة القيادة) وعلى رأسها توقف عجلة التنمية في المنطقة يدلي العلماء والمفكرون والمؤرخون بآرائهم في محاولة لتوصيف الأزمة ومن ثم علاجها.

لكن هذه الآراء والاقتراحات تبقى ناقصة ما لم يتدخل رجال السياسة المخلصين في معاونتهم لتجاوز الأزمة والنهوض بالأمة، وهذا الأمر دفعنا إلى لقاء واحد من أولئك الرجال المتميزين الذين تقلدوا عددا من المناصب القيادية في الحياة العسكرية والمدنية والسياسية على حد سواء، وهو معالي السفير الدكتور عبد الولي الشميري (المندوب الدائم لليمن لدى جامعة الدول العربية)، حيث عبر لنا عن رأيه في الأزمة وسبل الخروج منها.

والدكتور عبد الولي الشميري طراز نادر من المفكرين الناشطين، فهو إلى جانب عمله الدبلوماسي، كاتب وشاعر وناقد، وهو صاحب المشروع العملاق لجمع أعلام العرب ومثقفيه، ومؤسس منتدى المثقف العربي في القاهرة، ومؤسسة الإبداع للثقافة والفنون والآداب في صنعاء، ومنشئ مجلة المثقف العربي القاهرية ورئيس تحريرها، وقد تنقل الشميري بين عدد من المناصب الحكومية ومجالس الشورى والنواب المنتخبة ومحافظ لمحافظة إب، وصولا إلى السفارة والثقافة، وفي الوقت ذاته يزخر تاريخه العلمي بدبلوم في العلوم العسكرية وآخر في الإدارة المحلية، وماجستير في الأدب المقارن، ودكتوراه في الأدب العربي.

فإلى الحوار:

 

*** سعادة السفير.. باعتباركم أصحاب تجربة في العمل القيادي سواء في الحياة العسكرية أو المدنية.. ما هو مفهوم القيادة لديكم؟ وكيف تنظرون إليها من حيث التشريف والتكليف؟

 

القيادة في نظري نوعان: قيادة يفرضها الإنسان على نفسه، وهي أن يخط الإنسان لنفسه خطا في مناهج الحياة، وأن يبنى له عملا من نقطة الصفر، ثم تتصاعد معه المسئوليات والتبعات حتى يصير هذا الإنسان هو قائد هذا العمل.

وصاحب هذا النوع يمكن أن نسميه القائد أوالمؤسس، وهو دائما ما يرعاه ويعصر من أجله مهجته، وهذا هو التشريف؛ خاصة إذا كان هذا المشروع له مردود إيجابي في حياة الأمة والمجتمع.

أما القيادة الانتقائية التي تأتي عن طريق القرار الحاكم؛ فإنها غالبا ما تكون تشريفاً من أصحاب القرار، ولكن يجب أن يكون شعور من يصدر له القرار بالتعيين أنه تكليف وتشريف في نفس الوقت، وإن كنت لا أري شرفا في قيادة يكلفني بها آخر ثم إذا أبدعت وأنجزت وأصبحت ناجحا فيما قدمت له حاول أن يواريني عن الأنظار.

وخلاصة الأمر: عندما يشعر الإنسان بأنه خادم لمن يقود هنا يكون التكليف بالقيادة تشريفاً له، وهنا يصل إلى أعلى مراتب النجاح، وعندما يحس أنه سيد على من يقود تتحول القيادة إلى كارثة في حياته وبعد موته، وتُخدش صورة الأسوة والقدوة؛ من أجل هذا كان قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: "أيها الناس أني أمرت عليكم ولست بخيركم"، ومن أجل هذا يجب أن يشعر كل قائد بأنه ليس أفضل ممن يقود، وكلما كان هذا المفهوم قائماً؛ تكون القيادة ناجحة ومثمرة في الدنيا والآخرة.

 أما على الجانب الشخصي؛ فإن سبب وصولنا إلى تلك المواقع التي كنا فيها وتبوأناها كان ضرورة الاحتياج إلينا، وليس ثمة تكليف ولا تشريف إنما كانت الضرورة الملحة سواء كان في المجالات العسكرية أو المجالات السياسية أو في المجالات الأخرى: البرلمانية والإدارية.

والضرورة تفرض صاحبها بحيث لا يكون هناك بديل عنه أو على الأقل لا بديل في رقم واحد من الخيارات (الخيار الأول)، وإن كان في بعض المجالات تبرز قوى أخرى مثل السيطرة الشخصية، والرضا، ومصلحة القرار وصاحبه...الخ.

 

*** إلى أي مدي يمكن توصيف الأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية على أنها أزمة قيادة ؟

في الحقيقة؛ إن الأزمة خانقة جدا في الأمة الإسلامية على الصعيد القيادي لماذا؟!  لأن الأمة الإسلامية اليوم يقودها الأقوياء عسكريا واقتصاديا، ولا يقودها الأقوياء علميا، ولا الأقوياء تقوى، ولا الأقوياء مراقبة، ولا الأقوياء حرصا على المجتمع.

 فقط يبقى الأقوياء في عالمنا هم الأقوياء عسكريا واقتصاديا... في ظل حاجة المجتمع إلى لقمة العيش، وفي ظل حاجة المجتمع إلى الأمن وعدم الصدام، وفي ظل حاجة المجتمع إلى القوة، وفي ظل حاجة المجتمع إلى ألا تفتح جراحات أخرى في جسد الأمة الإسلامية.

من أجل هذا يتبوأ القيادة والصدارة الأقوياء والمغامرون سواء أكانوا على درجة من التأهيل القيادي أو لا!!

 

*** - ترى - هل تنحصر مشكلة القيادة في العالم الثالث على وجه العموم وفي العالم الإسلامي على وجه الخصوص في الجانب السياسي أم أنها تشمل الواقع الإداري ككل ؟

 

إن القيادة هي التي تصنع القرار، أما الإدارة فهي التي تنفذ هذا القرار. والعمل الإداري عمل وظيفي؛ فإما أن تكون الدولة دولة مؤسسات فيتدرج الإنسان فيها وظيفيا أو أن تكون الدولة دولة شخصيات ومحسوبيات فيجد الإنسان نفسه في مقر قيادي أو على كرسي إداري بناء على ثقة يمنحه إياها صاحب القرار الذي هو أعلى منه، وقد يكون ذلك عن طريق امتياز أو رشوة أو وجاهه أو مصلحة...الخ.

والقيادات التي تصنع القرار قيادات مغامرة وجدت نفسها في هذا المكان؛ لأنها إما ساعدها الزمن، وإما أنها غامرت في وقت تقاعس فيه الآخرون عن ارتقاء صهوة حصان المغامرات. ومن أجل هذا عندما وصل المغامرون إلى القيادات استطاعوا أن يحموا أنفسهم وأعوانهم بنفس الروح المغامراتية، وهذه الروح أحيانا تخطئ الحسابات، فتغامر وتنتكس وتفشل في مشروعها.

ويمكن نضرب أمثلة من نقطة لم تعد تشكل خطرا لا على المتحدث ولا على الناشر: خذ مثلا صدام حسين والعراق؛ لقد وصل إلى الحكم بمغامرات وقوة وعنف ودموية رسم لنفسه خطة ليبقى قائدا، ولمن يأتي من بعده؛ لكي يسلمه الراية لكنه أخطأ طريق الحفاظ أو طريق السلامة للحفاظ على هذه المغامرة التي لم يحسب لها كل الحسابات.

قيادات أخرى في أقطار أخرى كانت أكثر إتقانا لمعادلة الحسابات (الحفاظية) على مراكز القيادة، واستطاعت أن تحافظ على نفسها، لكنها لم تبلغ حتى الآن مرحلة الأمان الدائم، وما تزال تكتنفها مخاطر شديدة داخلية وخارجية؛ ولكن لأنها تغامر وصبورة فهي باقية حتى الآن.

 ولصهوة جواد القيادة لذة جعلت هؤلاء المغامرين يضحون من أجل هذه اللذة والمتعة بطيب النوم والأمان الشخصي والأمان الاجتماعي، وجعلتهم في سجون متنقلة سواء كانوا في الشارع أو في القصر أو في الطائرة أو في السيارة، إنهم مسجونون؛ لكن السجين العادي يحرسه سجان أو خمسة أو عشرة، لكن القيادات في سجن يحرسه الآلاف بل عشرات الآلاف، وإن تنقل السجن مع سجانيه دائما يبقى سجناً لا يستطيع الخروج منه، وأنا أعتقد أنه من البلاء على الإنسان ألا يؤمن بقيمة الحرية، وهؤلاء المغامرون أضاعوا من أجل لذة القيادة والتسلط قيمة ولذة الحرية.

 

 

*** في الوقت الذي نسمع فيه في الشرق مصطلحات مثل القيادة الرشيدة أو الحكيمة، لا نجد مثل هذه المصطلحات والتوصيفات في القاموس السياسي الغربي، بل لا نكاد نسمع مصطلح (القيادة) أصلاً، لقد حل محل لفظة (القيادة) كلمة (الإدارة)، فما هو تفسيركم لذلك؟

في الغرب يطلقون على الكفيف أعمى، ونحن في الشرق نطلق على الكفيف بصير، والمريض يطلقون عليه في الغرب مريض، ونحن نقول عن المريض (في عافية)، إننا نأتي بالمتضادات.

ولذلك نحن نسمى القيادة الرشيدة بنفس منطق الأضداد، لقد سمت الحكومات في الغرب نفسها باسم مجرد وهو (الإدارة) لكن في الشرق العربي والإسلامي نسميها الإدارة الرشيدة أو القيادة الرشيدة؛ لأنها

 




  أرشيف تحقيقات صحفية

اطبع الموضوع  

Home