مقال

 

هكذا جن العالم.. ! ” 4 ـ صديقي الدكتور النسائي المحترم… !!

المختار ميمون الغرباني



 ” هكذا جن العالم.. ! ” 5 ـ صديقي الدكتور النسائي المحترم… !!
 

مقامات إبلاغية تأملية تتحرش بإنسان المسخ والدمار في حلقات إمتاعية ساخرة تنفتح على فيض الخواطر والنوادر وتنتقي من دفاتر الحياة وسجلات الوجود غريب الأحداث وعجيب الأخبار.
……………………….
بعيدا عن بحر الحبر الذي استهلك في التنظير للحجاب والترغيب في تقبيل رؤوس المحجبات..وبعيدا عن مقام “أسيادنا” الفقهاء الذين أسرفوا في مدح الوجه الصبوح..والذين أخشى على الشعراء الإيروتيكيين العرب من فتاويهم الديناصورية..وبعيدا عما تعج به الساحات الكونية من صدامات بشرية عدائية،بدائية…أستضيفك إلى مقام يليق باستضافة المجانين والشعراء، إلى ضفة أخرى تشهد على جنون عالمنا المعاصر..حيث تصفعك الدهشة وتلون بياض عينيك، تحضنك القيامة التي لم تقم بعد..إذ تقرأ عن أخر صيحات جراحة التجميل النسائي..وخاصة عن إقدام الحكومة الكندية على الترخيص لشركتين أمريكتين بالتسويق الداخلي لشرائح السليكون، تلك التي تعمل على تكبير الأثداء النسائية بأحجام أكثر فتنة واستلاباً..وذلك بعد حظر طال أمده لغايات صحية اتقائية..فربما كانت الحكومة الكندية تخاف على الرائي في الفضاء العام من بطش الأثداء المتهدلة، وغدر حلماتها المتخثرة..وربما كانت تخاف على الشركات العالمية المتخصصة في صنع وتسويق مشد الصدر من إفلاس وشيك..وربما خافت أيضاً على مدنها الضاجة بالحركة الروتينية من عرقلة حتمية أو افتراضية قد يتسبب فيها صدر أنثوي انتصب واهتاج في صهد المسرات و حمى الممرات، في عمق الشوارع وضيق الدروب، في مداخل الأنفاق ومخارجها..وتأمم صاحبته العشرينية و سبقها بمسافة لا تقل عن نصف متر..! وربما ما خفي من المقاصد والنزعات الكندية كان أدهى وأعظم.. !غير أني ـ وربما أنت أيضاً ـ ولحظة اطلاعي على الخبر نزعت إلى استحضار تفاصيل الهندسة النهائية للوح الأنثوي المنشور في الشارع العالمي بعد لعنة أثداء السليكون…وقبل أي تخمين تصويري موفق أو متعثر استسلمت لنوبة ضحك هستيري، حيث حضرتني الصورة التخمينية التركيبية ل” حمام الدرب ” بعد انتشار وباء الأثداء السليكونية في ربوع الدنيا، وتلقح صدر ليلى و عبلة في رمال المشرق..انتشر ثدي طامو والغالية في مغرب المضيق. ثم أورقت الأغصان..أثمرت الأشجار..غردت الأطيار..توقدت الأسرار..وشاء الجسد الرخامي أن يعلنها فتنة ذائعة الصيت وواسعة الانتشار..سيتحطم الوثن المقدس..ستتلاشى العقد الخزفية ويتيه الآدمي في سراديب شبقية تخدر الروح وتنعش البدن.. ! وقد نسمع أو نقرأ عن حكايات عجيبة في مدارات الوجود، تتزعمها حموضة الأجساد الباذجة و لعنة الأثداء السليكونية..! ستتقد، هنا أو هناك، تلك الفحمة الذكورية بشعلة ذلك الجسد الصاهد الناهد..!
ستضيق بنا الرقعة الأرضية إذ تنشط الزحمة، تلتهب الدروب وتلتحم الفراغات،وقد تخطو جنبك أنثى مهفهفة في حجم البطة،بأثداء بوهيمية تتأهب للانتشار في مطلق الفضاء..وقد تقارع في ظلمة الشارع الفلاني خطو جسد سائح ناطح متعثر ما بين مخابيء اللذة وجبهات الهواء.. وقد تلعق ما انساب وتحتسي ما تقطر..ثم تنهض شاهداً على شيوع وباء الغريزة الشبق وتأسس مفهوم الحب الجنسي الذي نظر له الفيلسوف ابن عربي قديماً..تشهد على شيوع الحب الجنسي كإحساس ينتفض له الموطأ حيث حل، ويعربد له الممشى حيث ارتحل..!!
وتتعدد زوايا الصورة، ينتشر الضوء والظل معاً في إطار المشهد و تتكثف الزحمة الكونية في خرائط أذهاننا أكثر كلما سلمنا بمضمون تصريح المنظمة العالمية للصحة الذي استقام ليحذر من تزايد معدل الزيادة في الوزن ـ السمنة ـ في الأعوام العشرة المقبلة..”فعدد الأشخاص المتأثرين بزيادة الوزن يبلغ حاليا مليار شخص..وقد يرتفع الرقم إلى المليار ونصف في ظرفية عمرية محدودة”…حينها فقط، سندرك معنى الاحتواء اللحمي الذي يتهدد فضاء الشارع العام في المستقبل القريب..!!
سنسقي حقل المرأى من معين الكتل اللحمية المتهالكة خطواً وتعثراً..سنرتوي من شلالات شهوة الأثداء السليكونية..!! سنشبع غريزة “المعاينة عن قرب”، ونسائل قناعاتنا الراجحة السابقة عن مكامن الرسوخ الهش والعشوائي لمدارات الحياء والاحتشام في ثقافتنا الآدمية الفردية والجماعية..!! سنقبل بقابلية تحول مدارات العالم إلى مشاهد ساخنة تؤثثها كتل لحمية آدمية تتهالك أو تتراقص ما بين ضفتي الزحمة والعراء.. !! سيحصد عالمنا المجنون سنابل مرارة المسخ وقلة الحياء ويمضي بها صوب طاحونة الموضة والأوهام..فقد جاء في أحد تقارير وزارة الثقافة التايلندية ما يؤسس لنزعة تخوف كوني قائم من تنامي حالات الكشف عن الصدور على ممرات صالات عرض الأزياء..ولذلك علاقة ارتباطية تأثرية بتزايد استخدام مثبتات الحلمات في وسط التلميذات المراهقات..وميلهن إلى إثارة غرائز الشبان والرجال وربما السحاقيات المثليات أيضا..!! كما جاء في خبر آخر أن حكومة كوريا الجنوبية عازمة على إباحة ارتداء النساء للتنورات القصيرة جدا بعد سنوات من إعلانها لسياسة الحظر وفرضها لعقوبات زجرية على النساء في حالة ثبوت ارتدائهن ثياباً كاشفة ومثيرة..!
هكذا تدوخ الرأس شكاً ويعج القلب أحزاناً إذ تقرأ أو تسمع أو ترى ببؤبؤ العين في كل دقيقة أو ثانية ما من شأنه أن يعري _ بصورة اليقين الجازم _ ثقة (الإنسان) المعاصر العمياء والغراء في تقنيات المسخ وفلسفات التجميل ونزعات التدجين…!!
ففي الولايات المتحدة الأمريكية يمكنك أن تستعين بخدمات كلب آلي يعمل وفق برمجة قبلية تساعد على تخسيس الوزن وترويض العضلات والمفاصل ومراقبة مستويات الحمية..بل يشاركك كلبك الآلي الوديع فرحتك،إذ يرقص وينتشي أمامك كلما بدت نتائج الرعاية والترويض إيجابية، حيث ترتخي عضلاتك، يخف وزنك وتذوب شحومك الزائدة..!
وفي اليابان أعلن مؤخراً عن صنع رجل آلي سيتولى”حضانة الأطفال” غداة غياب أهلهم وذويهم..سيعلمهم ما يناسب أعمارهم، يهذبهم ويوجه سلوكهم ويرعى سلامتهم الصحية بمقدار وإحكام.. ستعمل المنظومات الرقمية على اختبار المنظومات التربوية المناسبة للفئات العمرية..وتختار منها ما يبرر نزوعها الآدمي العدمي… وقيل أن الشركة الحاضنة لهذا المشروع الرقمي الحداثي (شركتا ـ Nec و Ntt ـ للاتصالات) ستباشر الاستفادة الأولى من هذا النموذج الصناعي الحاضن للأطفال في أواسط الشهر الحالي بمحافظة “ياماناشي” بولاية طوكيو..!
لم يرضى صديقي الدكتور النسائي المحترم،الذي درس الطب بباريس _ إثر عودته متأبطا شهادة الدكتوراه _ أن يعمل طبيبا حكوميا بإحدى قرى الريف المغربي..ربما أحس بالغبن والخيبة. وربما ترك خلفه بديار الغرب ما يشغل البال والخاطر ويلزم العودة المصير.. لم يتقبل المنصب الحكومي، فعاد إلى طائرته التي حطت به ثانية في باريس… وحين اطلع على مقامات ” هكذا جن العالم…! ” من خلال ألواح دروب الرقمية، راسلني عبر الياهو بمختصر العبارة وعمق الإشارة سائلاً إن كنت أنوي الاستمرار في نهج التحرش بإنسان المسخ في المدن الإسمنتية وعند الحضر دون أن أعرج على مسوخ البدو في القرى الطينية..!؟؟؟ تلمست جرح الرسالة وتذوقت ملح عبارة صديقي الدكتور النسائي المحترم الذي تهجم في وجه الريف وعانق مرايا باريس وخيالاتها..ونسي أنه طين قبل أن يكون خزفاً.. نقرت أصابعي باهتداء على لوحة المفاتيح..اخترت من حسن الكلام أحسنه وأيسره وبعثت جوابي في الحين:
» حضرة الدكتور النسائي المحترم …
تحية ود وحب واغتراب..
وبعد، لقد فهمت سؤالك جيداً.. وحصل أن تحيرت كثيراً قبل الرد عليك، وتلك عادتي التي أعشقها كما تعلم، وفي ليلة الرد حضرتني أبيات شعرية يناصر فيها الأمير عبد القادر الجزائري أرض البادية قائلاً:
يا عاذراً لامرئ قد هام في الحضر وعاذلاً لمـحــب البــدو والـقفر
لا تذممن بيــــوتاً خف محملها وتمدحن بيـــوت الطـين والحجر
لو كنت تعلم ما في البدو تعذرنـي لكن جهلت وكم في الجهل من ضرر
صديقي الدكتور النسائي المحترم…
هاهي ذي أبيات شعرية أصيلة تطل عليك لتعلمك رأس الحكمة وعين العقل..واعلم _ رعى الله علمك من تحفة الأجساد _ أنني سأفكر في مطلبك جاداً…وإلى ذلك الحين أخبرك أن “خالتي رقية القابلة” توفيت في ليلة القدر..ماتت وتركت من خلفها خدماتها الجليلة تتردد صدىً في شعاب وجبال القرية.. ماتت وتركت نساء قريتنا في حيرة من أمر حملهن…لقد ضاع بعد غيابها، عد شهور الحمل وتاه عمر الجنين في الأرحام…!!
صديقي الدكتور النسائي المحترم…
ختماً…أحييك من أحراش باديتك الجبلية وإلى أبراج باريس العالية..وألفت انتباهك إلى اختراع تقني جديد، من شأنه أن يساعدك في مهنة التطبيب مادمت متخصصاً في الأمراض النسائية..ويتعلق الأمر بابتكار شركة (”ان.تي.تي.دوكومو”) اليابانية لهاتف هاتف محمول يستحق درجة الدكتوراه في الطب..خاصة وأنه يعمل وفق برمجة قبلية على تنبيه المرآة قبل ثلاثة أيام من لحظة التبويض و يحدد لحظة تحقق القابلية القصوى للإنجاب..بالإضافة إلى وظائف أخرى، لا تقل أهمية عن احتوائه لموسوعة في شؤون الطبخ والتجميل..وأمور نسائية أخرى..
ودمت صديقي الدكتور النسائي المحترم في رعاية الحضر وعشت في أمن من جنون العالم بقراً و بشراً.. !! «

elmokhtar.elgharbani@yahoo.fr




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home