مقال

 

وثائق للاستهلاك الشخصي

نبيل عودة



وثائق للأستهلاك الشخصي

 

الوثيقة المطلوبة : خطاب سياسي عقلاني وواقعي يشكل  وثيقة سياسية للجماهير العربية

 

بقلم : نبيل عودة

 

نشرت الصحف العربية (في اسرائيل )، الصادرة في ( 10.11.06 ) خبرا متواضعا عن " مجموعة مثقفين " فلسطينيين ، مواطني اسرائيل ، يبحثون مسودة بأسم " وثيقة حيفا " ، مع مجموعة من المثقفين الفلسطينيين والعرب من العالم العربي في عمان - ( لماذا لا تحمل الوثيقة اسم عمان ؟ ) .

الخبر لم يفصح عن اسماء " المثقفين " ، ويبدو انهم " مثقفون بلا وجوه "لاسباب قد تتعلق " بسرية وخطورة ابحاثهم " !! وما عدا اسم البروفسور نديم روحانا ، مدير " جمعية مدى الكرمل " التي ترعى المشروع ، كل شيء مجهول .. ولكن الملم بحكاية الجمعيات وأصحابها في بلادنا  ، واهدافها العملية وليست المسجلة ، لا بد ان يصل لما وراء الخبر المتواضع .. متواضع حتى الآن !!

بعد ان تبين ان " مدى الكرمل " هي المبادر للوثيقة ، وراعية "المثقفين " .. ومن قراءة للطروحات  " القومية والفكرية " التي يتداولها السادة في عمان ، وعل رأسها " اهمية التواصل مع باقي أجزاء الشعب الفلسطيني والعالم العربي ، وأهمية التشاور معهم في القضايا المشتركة والمهمة " و " الوضع الجماعي للفلسطينيين ، بما فيها الهوية ، ومعنى المواطنة والعلاقة مع اسرائيل ، وضرورة التواصل مع العالم العربي وضمان عدم استخدامه من اجل التطبيع ... " اصبح كل شيء واضحا ومتيسرا ...

من اجل تسهيل القراءة الصحيحة ، لا بد من كشف ان جمعية " مدى الكرمل " هي من جمعيات عضو الكنيست الاسرائيلي د. عزمي بشارة ، صاحب العديد من الجمعيات . والمواضيع التي يبحثها "المثقفون " ل "وثيقة حيفا "، هي تكرار ممل لما يطرحه حزب التجمع – حزب عزمي بشارة . .

لا أحد ينفي اهمية التواصل مع شعبنا الفلسطيني ولا نحتاج الى "ابحاث نقاهة" في عمان لنتواصل مع شعبنا ونتألم لآلامه ، وهذا الموضوع من بديهيات المنطلقات السياسية ، وللسلطة الفلسطينية موقف عقلاني وواضح من الموضوع ، عبر عنه الرئيس الفلسطيني محمود عباس وغيره من المسؤولين الفلسطينيين ، والاتجاه الرئيسي المطروح هو الاستفادة من المساحة الدمقراطية في اسرائيل ، ومن كوننا مواطنين في دولة اسرائيل لدعم نضال شعبنا الفلسطيني من اجل تحقيق حلمه الوطني ، وانصح الباحثين في عمان بالعودة الى البحث الممتاز المقدم الى مؤتمر رام الله الاول ( 14 – 17 آذار 2005 ) تحت عنوان " نظرة الى دور الفلسطينيين الاسرائيليين خدمة لذاتهم ومصالحهم في النضال الفلسطيني العام " - الذي قدمه الاستاذ عماد شقور ، عضو المجلس الثوري لفتح والذي كان مستشارا للرئيس المرحوم عرفات ..

لوهلة يبدو ان ابحاث عمان فتح جديد  ، واننا قبل "وثيقة حيفا" لم نتواصل مع شعبنا الفلسطيني .. او مع الشعوب العربية .. ولكن لا بد من قراءة صحيحة .. " المثقفون " يبحثون " ضرورة التواصل مع العالم العربي " – مع من نتواصل ؟ مع الجماهير والمنظمات السياسية الموازية لنا ام مع الأنظمة ؟ هذه الجملة الفضفاضة تعني امرا واحدا في حالتنا ، التواصل مع الانظمة العربية وليس مع القوى الدمقراطية - قوى التغيير ، قوى انقاذ العالم العربي من انظمة التخلف والاستبداد والبطش !!

نعرف ان بعض مدعي الوطنية ، من حملة "محارم الورق" بين المخابرات الاسرائيلية والنظام السوري ، يتواصلون بلا حياء مع انظمة تضطهد المثقفين وتزجهم بالسجون ، وتقمع حرية الرأي والتعبير ، وحولت اوطانها الى سجن كبير ، والنظام يصرف على امنه كل الميزانية ، ما يزيد عن 16 جهاز امني ومخابراتي  ورجل مخابرات لكل 50 مواطن .. والاقتصاد مأزوم .. والبطالة مستشرية ، والتعليم الجامعي بوضع مزر .. ونصف المواطنين يبحثون عن الطعام في النفايات . هل المقصود وضع وثيقة ، يتورط فيها المثقفون الفلسطينيون بالتغطية على نهج سياسي انتهازي ونفعي ، ويلحق الضرر الكبير بالنضال الفلسطيني داخل اسرائيل وخارجها ؟!.. ويطعن بالتالي المثقفين والمناضلين العرب  ضد انظمة البطش والتخلف بالظهر؟

حقا تعاني الجماهير العربية في اسرائيل من سياسة العزل القومي الصهيونية ، فهل نرد بالمزيد من العزل الذاتي ؟ ان قباطنة السلطة في اسرائيل ، من جميع التيارات السياسية نسبيا ، تتوهم انها بعدم " رؤية " الأقلية العربية ، والاعتراف بها كأقلية قومية ، وبعدم الالتفات لقضاياها كمجتمع مدني وانساني له متطلباته الحيوية ، وله حلمه القومي والاجتماعي ، تفرض عليه ، بتجاهلة، الصمت ونوم اهل الكهف ، او التغييب الكامل والمتواصل عن الخارطة السياسية الداخلية ، ولا تكتشف الاقلية العربية الا بعد كل انفجار غاضب .. وللحقيقة ان السلطة الاسرائيلية باتت تتعامل في السنوات الاخيرة مع الكثير من القضايا الحارقة للمجتمع الاسرائيلي ( اليهودي ) بنفس عقلية التجاهل ... بالطبع مع فوارق واضحة في التجاهل بين الشرقيين والغربيين !!

ما اره ان "وثيقة حيفا" هي وثيقة لتبرير نهج  المتاجرة بالسياسة  ، وسيصلون  بعد النقاهة في عمان الى تفسير الماء بعد الجهد بالماء .. ويبقى حميدان ، صاحب الميدان القومي الوحيد !!

قد يكون من المثير ان ينحو الباحثون في عمان الى صياغة رؤية حداثية للمفاهيم القومية ، بدل الثرثرة حول البديهيات .

لا بد من الاشارة ، انه لا يمكن النظر للعرب في اسرائيل بمعزل عن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ، والعرب ليسوا حياديين في هذا الصراع ، ومخططي الاسترتيجية السياسية في اسرائيل لم ياخذوا بحسابهم في يوم من الايام تطلعات الجماهير العربية ورؤيتها المختلفة والمتناقضة مع الخطط الاستراتيجية للمؤسسة الاسرائيلية المتنفذة ، رغم انهم يشكلون 20% من مواطني الدولة .. ومتمسكون بانتمائهم الفلسطيني والعربي دون انتظار لوثيقة فئوية تحمل اسم حيفا او غير حيفا !!

ماذا علينا ان نفعل لندعم ونقوي الاصوات اليهودية العقلانية المتكاثرة ، ومن اوساط مختلفة ، ادباء وصحفيين ورجال سياسة واكاديميا وحتى رجال مخابرات واجهزة امن  سابقين ؟!

نحن امام نهج ترتكب فيه الدولة الخيانة بحق مواطنيها العرب ، وحتى اليوم لم نتفق على سياسة مبرمجة واعلام مبرمج لفضح خيانة الدولة لمواطنيها العرب ، وارى ان اسلوب عملنا السياسي يوفر في حالاته الكثيرة التغطية المطلوبة للسلطة الاسرائيلية ... وتنفير القوى المتنورة في الشارع اليهودي !!

ان نهج المثقفين اياهم هو استمرار لنهج التشرذم ، ومحاولة لشرعنة التصرفات غير المسؤولة ، الشخصية  ، التي تضر بنضالنا ضد سياسة الاضطهاد القومي والحرب العدوانية ، وتضر بآفاق اقامة جبهة نضال واسعة ، يهودية عربية ، وتخدم سياسة اليمين الفاشي في اسرائيل .

لابد للجماهير العربية ان تعيد ترتيب اوراقها ، وان تصيغ خطابها السياسي بروح واقعية ، ولا ارى ان القيادات الحالية والاحزاب  بكوادرها ومضامينها ، قادرة على القيام بهذا الدور .. ربما ما زلت اميل الى رؤية كوادر الحزب الشيوعي ، كأكثر كوادر مؤهلة .. ولكن الحزب يفقد مكانته وتعاني قياداته  من الخواء الفكري والنزاع الشخصي الذي يهدد بقائه. وللأسف نحن امام ظاهرة مقلقة يسيطر فيها الخطاب القومي الدون كيشوتي الارعن حتى داخل اوساط متنفذة في الحزب الشيوعي ، في منافسة صبيانية للتيار القومي الذي يقوده د. بشارة .

ان الوطنية الحقيقية هي وطنية انسانية في المقام الاول ،ولا يمكن ان تكون الوطنية الحقيقة وطنية عنصرية ، مهما تكالبت فاشية الطرف الآخر .

من الضروري ان يسجل خطابنا السياسي موقفه من الشعب اليهودي بعقلانية تضمن تفهم اوسع لمطالبنا من القوى الدمقراطية اليهودية . ما كان للسود في الولايات المتحدة ان يحققوا انجازاتهم ، رغم نسبيتها حتى اليوم ، بدون خطاب سياسي عقلاني بتوجهة للبيض .. نفس الامر في جنوب افريقيا .. الخطاب السياسي العقلاني للمؤتمر الافريقي وقائدة نلسون مانديلا .. هو الذي قاد الى الانجاز المثير باعادة السلطة سلميا للأكثرية السوداء . خطاب قومي عنصري للأقلية العربية في اسرائيل لن يحقق اي تقدم سياسي او انجاز للمطالب العربية .. لا يمكن مقاومة عنصرية الاكثرية اليهودية في اسرائيل بعنصرية الاقلية العربية . لا اطرح موقفي من منطلقات انهزامية ،  انما من رؤية تأخذ بالاعتبار تجارب شعوب اخرى ورؤية عقلانية للواقع الذي نعيشه .. ومن فهم للمرغوب والممكن .

لا بد من نبذ الامزجة القومية الانعزالية التي تفتقد للتغطية الواقعية ، والعاجزة عمليا عن طرح اي موقف عملي ، وكل ما طرحته حتى اليوم اعادنا الى الوراء .

مرة اخرى اقول ان ما اطرحه ليس قطفا للراس ، انما موقف وطني انساني يرى الاهداف الحقيقية التي يجب ان نعلنها بدون صراخ قومي فارغ ، الذي ثبت ان ارتفاعه لم يجلب غير المزيد من التحريض والتغطية لسياسات القمع والتنكر للحقوق ، وابعاد القوى الدمقراطية اليهودية  ...

تجربتنا السياسية عبر العقود الماضية اثبتت ان الوطنية الحقيقية لا يمكن ان تكون الا وطنية انسانية في المقام الاول .


 




  مقالات سابقة

اطبع الموضوع  

Home